حياة على بن ابى طالب(ع)
بسم الله الرحمن الرحيم
مولده (عليه السلام): بمكة داخل الكعبة على الرخامة الحمراء، و لم ينقل ولادة أحد قبله
و لا بعده فى الكعبة، يوم الجمعة ثالث عشر رجب، بعد عام الفيل بثلاثين سنة (1) فى ملك شهريار، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحمله على كتفه و يدور به شعب
مكة، صلوات الله على الحامل و المحمول (2) .
أسماؤه: كثيرة، أشهرها على، و روى أن أمه وضعته فى غيبة أبيه فسمته أسدا، على اسم أبيها،
فلما حضر أبو طالب سماه عليا (3) ، و من أسمائه حيدر (4) .
ألقابه: كثيرة، منها: أمير المؤمنين، و يعسوب (5) الدين، و إمام المسلمين، و مبيد الشرك، و قاتل الناكثين و القاسطين و المارقين، و مولى
المؤمنين (6) ، و شبيه هارون، و المرتضى، و نفس الرسول، و أخوه، و زوج البتول، و سيف الله المسلول،
و أمير البررة، و قاتل الفجرة، و قسيم الجنة و النار، و صاحب اللواء، و سيد العرب، و
خاصف النعل، و كشاف
(7) الكرب، و الصديق الأكبر، و ذو القرنين، و الهادى، و الفاروق،و الداعى، و الشاهد، و باب
المدينة، و غرة المهاجرين، و الكرار غير الفرار، و الفقار (8) ، و بيضة البلد.
و اعلم أن هذا اللفظ يستعمل فى المدح و الذم؛ فمن الأول قول أخت عمرو بن عبد ود ترثى
أخاها حين قتله أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الخندق:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله
لكنت أبكى عليه دائم (9) الأبد
لكن قاتله من لا يعاب به
و كان يدعى قديما بيضة البلد (10)
و من الثانى قولهم: هو أذل من بيضة البلد (11) ، أى بيضة النعامة.
و منه قول الشاعر:
لو كان حوض حمار (12) ما شربت به
إلا بإذن حمار دائم الأبد
لكنه حوض من أودى بإخوته
ريب الزمان (13) ، فأمسى بيضة البلد (14)
كنيته: أبو الحسن و الحسين، و أبو السبطين، و أبو الريحانتين، و أبو تراب (15) .
نسبه: على بن أبى طالب بن عبد المطلب جد النبى (صلى الله عليه و آله) (16)
و روى أن الله سبحانه خلق النور الذى خلق منه محمدا و عليا قبل أن يخلق الدنيا بخمسمائة
ألف عام، فلما خلق آدم وضع ذلك النور فى صلبه، فكان ينتقل من صلب إلى صلب، و من رحم
إلى رحم حتى استقر من صلب عبد المطلب، و اسمه شيبة الحمد، ثم افترق فرقتين؛ فرقة انتقلت
إلى صلب عبد الله، ولد منها النبى (صلى الله عليه و آله)، و فرقة إلى صلب أبى طالب،
ولد منها على (عليه السلام) (17) .
و اختلف فى اسم أبى طالب، فقيل: ليس له اسم غير ذلك، و قيل: اسمه عبد مناف، و قيل: عمران،
و ذكر أنه كان له ثلاثة أولاد غير على، و هم: جعفر، و عقيل، و طالب، و بنت، و هى: أم
هانىء (18) .
أمه: فاطمة بنت أسد بن هاشم جد النبى (صلى الله عليه و آله)، و على (عليه السلام) أول
هاشمى تولد من هاشميين (19) .
نقش خاتمه: الملك لله الواحد القهار.
عمره: ثلاث و ستون سنة؛ منها ثلاث و ثلاثون مع النبى (صلى الله عليه و آله)، و ثلاثون
سنة بعده، و هى مدة إمامته (20) .
و قيل: بل عمره خمس و ستون (21) ، و الأول أشهر.
و كان فى حياة رسول الله(صلى الله عليه و آله) يسارع إلى حوائجه و مهماته، و يكشف عنه
كرب الحروب بسيفه، و كان النبى (صلى الله عليه و آله) يكثر الثناء عليه فى المجالس و
المحافل، و ينص عليه بأنه الخليفة بعده، سيما فى يوم غدير خم، و هو مكان قريب من المدينة
عند الجحفة، و ذلك أن النبى (صلى الله عليه و آله) لما نعيت إليه نفسه و مضى إلى حجة
الوداع، أمره الله سبحانه و تعالى أن ينصب عليا خليفة بعده، و نزل عليه جبرئيل (عليه
السلام) و قال له: ربك يقرئك السلام، و يقول لك: اقرأ: «يا أيها الرسول، بلغ ما أنزل» (22) الآية، فلما رجع من حجة الوداع و بلغ ذلك الموضع نزل جبرئيل (عليه السلام)، و قال له
: ربك يقرئك السلام، و يقول لك: اقرأ: «يا أيها الرسول، بلغ ما انزل إليك من ربك فى على»
.
فقال: «يا جبرئيل، أما ترانى مجدا فى السير حتى أدخل المدينة، و أفرض ولايته على الشاهد
و الغائب».
فقال له جبرئيل (عليه السلام): إن الله يأمرك أن تفرض ولايته فى منزلك هذا، قبل أن يتفرق
الناس إلى بلدانهم و قراهم. فنزل رسول الله (صلى الله عليه و آله) فى ذلك الموضع و نزل
الناس، و جمع الرحال بعضها على بعض حتى صار مكانا عاليا، فصعد و أصعد عليا (عليهما السلام)
معه، و رفعه بعضديه حتى بان بياض إبطيه، و خطب خطبة طويلة باستخلاف على بعده، و بالغ
فيها باللعن و الغضب على من خالفه، و قال فيها: «من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم و ال
من والاه و عاد من عاداه» فسلم المسلمون لأمر رسول الله (صلى الله عليه و اله)، و كان
النبى (صلى الله عليه و آله) و المسلمون يسلمون على على(عليه السلام) بإمرة المؤمنين
(23) .
ثم سار النبى (صلى الله عليه و آله) من ذلك الموضع حتى دخل المدينة و بقى بعدها أياما
قلائل، و لم يزل يؤكد الوصية لأمير المؤمنين (عليه السلام) فى تلك الأيام فى صحته و
مرضه حتى قبض (صلى الله عليه و آله).
[خلافة أبى بكر]: فلما قبض و اشتغل على (عليه السلام) بتجهيزه اضطرب أمر الناس و كثر
الكلام بينهم فى أمر الخلافة، فجاء رجل فصفق على يد أبى بكر بالبيعة فبايعه الناس و
استقرت الخلافة له، و اسمه عتيق بن عثمان (24) ـ و هو أبو قحافة ـ بن عامر بن بن عمرو [بن كعب] بن سعد بن تيم بن مرة جد النبى (صلى
الله عليه و آله)، و أمه سلمى بنت صخر بن عمرو بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة (25) .
و بايعه جميع الصحابة الا اثنى عشر رجلا؛ ستة من المهاجرين و ستة من الأنصار، فأما المهاجرون
فهم: خالد بن سعيد، و سلمان الفارسى، و أبو ذر الغفارى، و المقداد بن الأسود الكندى،
و عمار بن ياسر، و بريدة الأسلمى.
و أما الأنصار فهم: قيس بن سعد بن عبادة، و خزيمة بن ثابت ـ ذوالشهادتين ـ و سهل بن
حنيف، و أبو الهيثم ابن التيهان، و ابى بن كعب، و أبو أيوب الأنصارى (26) .
و زاد الصدوق فى عدد الممتنعين من بيعة أبى بكر سعد بن عبادة سيد الأنصار
(27) ، و لا ريب فيه، و كأن العلة فى عدم ذكره أنه مات بعد موت النبى(صلى الله عليه و آله)
بقليل، فلم يكن منه من المخاصمة فى أمر البيعة ما كان من غيره، و جابر بن عبد الله الأنصارى،
و أبا سعيد الخدرى، و حذيفة بن زيد، و زيد ابن حصين الأسلمى، فهؤلاء أنكروا على أبى
بكر مجلسه.
فلما نظر على (عليه السلام) إلى قلة العدد و خذلان (28) الناصر جلس فى منزله، فجمع عمر بن الخطاب جماعة، و أتى بهم إلى منزل على (عليه السلام)
فوجدوا الباب مغلقا، فنادوه فلم يجبهم أحد فاستدعى عمر بحطب، و قال: و الله، لئن لم
تفتحوه لنحرقنه بالنار، فلما سمعت فاطمة (سلام الله عليها) ذلك خرجت و فتحت الباب، فدفعها
عمر، فاختفت هى من وراء الباب، فعصرها بالباب (29) ، فكان ذلك سبب إسقاطها، و نقل أنه كان سبب موتها (عليها السلام).
و دخلوا فوثبوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخرجوه عنفاه، فحالت فاطمة (عليها
السلام) بينهم و بينه، و قالت: «و الله، لا أدعكم تخرجون بابن عمى ظلما، و يلكم، ما
أسرع ما خنتم الله و رسوله فينا!» فأمر عمر بن الخطاب قنفذا فضربها بسوط حتى أثر فى
جسمها (30) .
و خرجوا بعلى (عليه السلام) يقودونه إلى مجلس أبى بكر إلى أن وصلوا به إليه، ثم عرضوا
عليه البيعة له فامتنع، فوضعوا يده قهرا فى يد أبى بكر، فضم أصابعه فأرادوا فتحها فلم
يمكنهم، فمسح عليها أبو بكر و هى مضمومة، و قالوا: إنه قد بايع، فكان أبو بكر خليفة
إلى أن توفى، و كانت وفاته ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة
من الهجرة، فكانت مدة خلافته سنتين و شيئا (31) .
خلافة عمر: ثم تخلف بعده عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن
قرط بن رزاح بن عدى (32) بن كعب جد النبى (صلى الله عليه و آله)، و أمه حنتمة (33) بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فكان خليفة إلى أن قتل، و كانت وفاته
الأربعاء لأربع بقين من ذى الحجة سنة ثلاث و عشرين من الهجرة، فكانت مدة خلافته عشر
سنين و ستة أشهر، و قتله فيروز أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة.
خلافة عثمان: ثم تخلف من بعده عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد
مناف، و أمه أروى بنت كريز
(34) بن جابر بن حبيب بن عبد شمس، و كان خليفة إلى أن قتل، و ذلك يوم الجمعة لليلتين بقين
من ذى الحجة، و قيل: لاثنتى عشرة سنة إلا أياما، اجتمع عليه المهاجرون و الأنصار نحو
من تسعين ألفا فقتلوه فى منزله (35) . و كانت خلافة الثلاثة خمسا و عشرين سنة.
[خلافة على بن أبى طالب(عليه السلام)]: ثم تخلف على بن أبى طالب (عليه السلام)، فلما
انتقل الأمر إلى على (عليه السلام)، فبايعه الناس بعد مضى الثلاثة (36) ، خرجت الحميراء فى عسكر تطلب بثأر عثمان، فأتت بجيشها إلى البصرة (37) ، و أتى على (عليه السلام) بمن كان معه، و كان عدد عسكر على (عليه السلام) عشرين ألفا،
و عدد عسكر عائشة ثلاثين ألفا، فكان بينه و بينها الوقعة المسماة بوقعة الجمل، و هى
سنة ست و ثلاثين، فانتصر على (عليه السلام) و أباد أصحاب عائشة و لم ينج منهم إلا من
هرب، و كان عدد قتلى أصحاب على (عليه السلام) ألفا و سبعين، و قتلى أصحاب عائشة ستة
عشر ألفا و تسعمائة (38) و تسعين (39) ، و رجعت يائسة من إدراك ما طلبته، و أقام على(عليه السلام) فى الكوفة، و كانت هجرته
من المدينة إلى الكوفة هى الهجرة الثانية.
و كان عثمان قد ولى معاوية بن صخر بن حرب بن امية بن عبد شمس ابن عبد مناف جد النبى
(صلى الله عليه و آله)، و امه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد مناف على الشام فى زمان حياته،
فلما صار الأمر إلى على (عليه السلام) أرسل إليه ليعزله فلم يقبل، لأنه كان قد تمكن
و على (عليه السلام) فى أول أمره، فكان بينهما ما كان، و كان من ذلك وقعة صفين، و هى
سنة ثمان و ثلاثين من الهجرة، و اشتملت على وقعات و حملات، و كان أعظمها قتالا و أشدها
حربا ليلة الهرير، فإنهم و صلوا الليل بالنهار (40) .
و روى أن عليا قتل بيده فى تلك الليلة خمسمائة (41) ، و نقل أن قتلى أصحاب على (عليه السلام) كانوا ألفين و تسعين، منهم: عمار بن ياسر، و
ابن التيهان، و خزيمة ابن ثابت ـ ذوالشهادتين ـ و قتلى أصحاب معاوية تسعة آلاف (42) .
ثم لما رجع على (عليه السلام) من تلك الوقعة لعب الشيطان بجماعة من أصحابه فأدخل عليهم
الشبهة و شككهم فى أمرهم، فخرجوا عليه و اعتزلوا فنزلوا بالنهروان، و كان عددهم ستة
(43) آلاف، و هم المسمون بالخوارج، فمضى إليهم على (عليه السلام) بعسكره، فكان بينه و بينهم
مناظرات، فرجع منهم ألفان، و قيل: إنهم كانوا اثنى عشر ألفا، فرجع منهم ثمانية آلاف،
و بقى على القولين أربعة آلاف على ضلالهم، فكان بينه و بينهم الوقعة المسماة بوقعة النهروان،
و هى فى سنة وقعة صفين، فقتلهم بأسرهم و لم يبق منهم إلا ثمانية، و قيل: تسعة؛ فتفرقوا
فى البلاد و أسسوا رأى الخوارج، فكان عليه أتباعهم إلى يومنا هذا (44) .
و كان النبى(صلى الله عليه و آله) يخبره فى حياته بأنه سيقاتل الناكثين و القاسطين و
المارقين، فأما الناكثون فهم أصحاب الجمل، و أما القاسطون فهم أصحاب صفين، و أما المارقون
فهم أصحاب النهروان (45) .
ثم رجع (عليه السلام) إلى لكوفة فجمع بعد ذلك عسكرا لحرب معاوية فقتل قبل خروجه و تراجعت
العساكر.
و مما كان فى زمانه و غير ما ذكر: بناء الكوفة سنة سبع عشرة (46) ، و وفاة العباس سنة ... (47) ، و وفاة مالك الأشتر سنة ... (48) ، و وفاة أبى ذر سنة ... (49) ، و وفاة سلمان سنة ... (50) ، و وفاة المقداد سنة ...
(51) ، و وفاة حفصة بنت عمر سنة سبع و عشرين (52) من الهجرة فى خلافة عثمان.
عدد نسائه (عليه السلام): كان له تسع زوجات، عدا السرارى (53) ، أسماؤهن: فاطمة (عليها السلام) و خولة بنت [جعفر بن] (54) قيس الحنفية، و أم حبيب بنت ربيع، و أم البنين بنت حزام بن خالد بن دارم، و ليلى بنت
مسعود الكلابية (55) ، و ام مسعود بنت عروة بن مسعود الثقفى.
و امامة بنت أبى العاص، و امها زينب بنت خديجة بنت خويلد و هى من رسول الله (صلى الله
عليه و اله) و كانت فاطمة (عليها السلام) قد أوصته بأنى إذا توفيت تزوج بنت اختى (56) .
و محياة بنت امرىء القيس (57) ، و أسماء بنت عميس، وكانت امرأة أخيه جعفر بن أبى طالب، ثم انتقلت إلى أبى بكر، ثم انتقلت
إلى على (58) ، و كان ابنها محمد بن أبى بكر من خواص أصحابه و أنصاره إلى أن قتل (رحمه الله) حريقا
بالنار سنة ... (59) ، فحزن عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) لقتله، و قال فى شأنه: «كان لى ربيبا، و كنت
له حبيبا» (60) .
و قيل: كانت نساؤه (عليه السلام) اثنتى عشرة عدا السرارى (61) .
أولاده (عليه السلام): ثمانية و عشرون، أسماؤهم: الحسن، و الحسين، و زينب الكبرى، و
زينب الصغرى المكناة أم كلثوم (سلام الله عليه أجمعين)، و السقط الذى سماه النبى (صلى
الله عليه و اله) فى حياته و هو حمل محسنا، هؤلاء من فاطمة (عليها السلام)، و محمد المكنى
أبا القاسم من خولة الحنفية و عمر و رقية من أم حبيب، و العباس و جعفر و عثمان و عبد
الله الشهداء بكربلاء مع الحسين (عليه السلام) من ام البنين، و محمد الأصغر المكنى أبا
بكر و عبيد الله الشهيدان مع أخيهما الحسين (عليه السلام) من ليلى بنت مسعود، و يحيى
و عون من أسماء بنت عميس، و ام الحسن و رملة من ام مسعود، و نفيسة و زينب الصغرى و ام
هانىء و ام الكرام و جمانة المكناة بام جعفر و امامة و ام سلمة و ميمونة و خديجة و
فاطمة (رحمهن الله) من امهات شتى (62) .
و من عد أولاد على (عليه السلام) سبعة و عشرين (63) فقد أسقط السقط من العدد، و لا وجه له.
بوابه: قنبر، و سلمان الفارسى (64) .
وفاته (عليه السلام): بالكوفة ليلة الاثنين، الحادية و العشرين من شهر رمضان، سنة أربعين
من الهجرة فى أيام معاوية، و قبره بالغرى (6665) .
سبب وفاته (عليه السلام): قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادى لعنه الله تعالى (67) .
إيراد مقتله (عليه السلام) على وجه الاختصار:
إنه لما قتل عثمان و انتقل الأمر إلى على (عليه السلام)، أرسل إلى عمال عثمان فعزلهم
إلا عامل اليمن، و هو حبيب بن المنتجب، فإنه كان من شيعته، فأقره على ولايته، و كتب
إليه كتابا يوصيه بتقوى الله تعالى و العدل فى الرعية، و يأمره بأخذ البيعة له، و أن
ينفذ إليه عشرة من رؤوساء أصحابه، فأخذ له البيعة على أهل اليمن، و أنفذ إليه عشرة؛
و كان منهم عبد الرحمن بن ملجم المرادى فأتوا إلى الكوفة فبايعوا أمير المؤمنين (عليه
السلام)، و أقاموا أياما ثم رجعوا إلى اليمن، و كان عبد الرحمن وقت رجوعهم مريضا فتركوه
ثم عوفى من مرضه، و كان يسارع فى حوائج أمير المؤمنين (عليه السلام) و خدمته، و أمير
المؤمنين (عليه السلام) يكرمه و يؤثره على غيره، و هو مع ذلك يقول له: «أنت قاتلى لا
محالة» و يخبر الناس بذلك (68) .
و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) فى وقعة صفين و وقعة النهروان، فلما رجع و قرب إلى
الكوفة تقدم ابن ملجم ليبشر الناس بنصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) على أعداء الله،
فدخل الكوفة و كان يخبر الناس بما كان بنصرة أمير المؤمنين (عليه السلام) على أعداء
الله، فدخل الكوفة و كان يخبر الناس بما كان حتى اجتاز بدار قطام بنت شجنة (69) فأنزلته و سألته فأخبرها بمن قتل بالنهروان، و كان من القتلى عدة من أهلها، فجزعت جزعا
شديدا و بكت، ثم إن عبد الرحمن خطبها من نفسها فقبلت، و شرطت عليه قتل على (عليه السلام)،
و جعلت مهرها ثلاثة آلاف دينار و جارية و عبد، فغضب من ذلك و استعظم قتل أمير المؤمنين
(عليه السلام)، فلم تزل تتبرج له بحسنها و جمالها و ترغبه فى نفسها و مالها حتى قبل
بذلك، و أوعدها بما طلبت، و كان فى تلك الأيام يتردد إليها و يعدها، ثم ورد عليه فى
تلك الأيام كتاب بموت بعض أقاربه، وكان هو الوارث لما له، و مضى لأخذ المال، و جعل طريقه
على باب قطام و أخبرها بذلك و أوعدها بقضاء حاجتها إذا هو رجع.
ثم سار إلى أن بلغ ذلك المكان، فتسلم المال و رجع، فالتقاه بعض اللصوص و أخذوا جميع
ما كان معه إلا قليلا من الدنانير لم يعلموا بها، و هرب بنفسه خائفا من القتل، فقصد
أبيات لبعض الأعراب فأنزلوه و سألوه عن حاله، فأخبرهم أنه من أهل الكوفة، وكانوا من
الخوارج، فغضبوا و ائتمروا فى قتله، و هو يسمع كلامهم فيما بينهم، فأقبل على كلب لهم
مريض فسمح عليه يده، و هو يقول: مرحبا بكلب قوم أكرمونى، فلما رأوا ذلك منه سكن غضبهم
عنه، و أطلعوه على سرهم، و أنهم يريدون قتل على (عليه السلام) و معاوية و عمرو بن العاص،
فأخبرهم بأنه موافق لهم على عزمهم فاستبعدوا ذلك، فأخبرهم بأنه من اليمن، و بما كان
له مع قطام بنت شجنة فسكنوا إلى قوله (70) .
ثم عقد العهد مع اثنتين، و هما: البرك بن عبد الله التميمى، و عبد الله بن عمر العنبرى،
فكان الاتفاق بينهم على أن يمضى كل واحد منهم إلى واحد من الثلاثة المذكورين و يقتله،
و كان الموعد ليلة تسع عشرة من شهر رمضان؛ فمضى البرك الى عمر و بن العاص بمصر، و مضى
عبد الله بن عمر العنبرى إلى معاوية بدمشق، و فى بعض السير بالعكس، و مضى عبد الرحمن
إلى على (عليه السلام) بكوفة
(71) .
فأما صاحب عمر و بن العاص، فإنه وصل إلى مصر و اقام بالمسجد يتوقع الفرصة على عمر و
بن العاص، فاتفق أنه فى تلك الليلة التى كانت الموعد ضعف و لم يخرج لصلاة الصبح، و استناب
خارجة بن زيد، و قيل: حسان بن ثابت، فتقدم و صلى بالناس صلاة الصبح، و ذلك الرجل يظن
أنه عمر و بن العاص فأمهله حتى دخل فى الصلاة و دخل الناس، فسل سيفه فضربه به فقتله،
فعند ذلك صاحوا عليه فقبضوه، و قالوا له: و يحح، قتلت مصليا فى صلاته!
فقال: إنه يستحق القتل.
فقالوا له: من تعنى؟
فقال: عمر و بن العاص.
فقالوا له: إن الذى قتلته خارجة بن زيد! فاعتذر بأنه لم يرد إلا عمر و بن العاص، ثم
قتل بعد ذلك، و لله در القائل شعرا!:
فليتها إذ فدت عمرا بخارجة
فدت عليا بمن شاءت من البشر (72)
و أما صاحب معاوية، فإنه وصل إلى دمشق و دخل على معاوية، و كان صاحب منطق فأعجب معاوية،
فكان يجلسه معه فى وقت الأكل، ثم خرج معاوية فى صبيحة تلك الليلة المذكورة لصلاة الصبح،
و كان قد كمن له ذلك الرجل، فأخرج سيفه، فسمع معاوية قعقعة السيف، فالتفت فإذا به مشهور
فهرب وراغ، فضربه فوقعت الضربة فى أليته فجرحه،و وقع معاوية مغشيا عليه، فتبادروا إلى
الرجل فقبضوه، و حمل معاوية إلى منزله، فاستدعوا بطبيب فعالج الجرح فبرأ بعد أيام، فلما
بلغه قتل على (عليه السلام) خلى سبيل ذلك الرجل، و قيل: قتله من ساعته (73) .
و أما عبد الرحمن فإنه وصل إلى الكوفة، فطرق باب قطام فخرجت إليه، و كانت قد يئست من
رجوعه، فلما رأته فرحت، و أخبرها ببقائه على العهد و بما كان له فى سفره، فلما كانت
الليلة المتفق عليها، أخذ السيف إلى الصيقل (74) فأجاد صقله، ثم أتى به إلى قطام فلم تقنع بذلك، و أخذته و سقته السم.
و مضى ابن ملجم فنام فى المسجد، و قيل: بل كان نائما فى دار قطام إلى وقت السحر
(75) ، فلما أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) لصلاة الصبح أمهله حتى دخل فى الصلاة، ثم ضربه
بالسيف على رأسه فشقه إلى موضع سجوده، و وقع الامام مغشيا عليه، فارتفعت الصيحة، و قامت
الضجة، فأتى الحسن و الحسين(عليهما السلام) إلى المسجد فوجدا أباهما و هو مخضب بدماءه
يغشى ساعة و يفيق اخرى، فبكيا بكاء شديدا و كثر البكاء و النحيب فى المسجد حتى أشرف
الناس على الهلاك، و تقدم الحسن (عليه السلام) فصلى بالناس و صلى معهم الامام (عليه
السلام) بالايماء.
و أما ابن ملجم فإنه خرج من المسجد هاربا، فالتقاه حذيفة النخعى (رحمه الله) فى الطريق،
و رأى تحت أثوابه السيف و هو حائر لا يدرى أين يذهب، فصاح عليه فاجتمع الناس فقبضوه
و كتفوه، و أتوا به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فعنفه على ما فعل، فقال له ابن
ملجم: أفأنت تنقذ من فى النار؟!
ثم حمل أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى منزله، و كان الناس يدخلون عليه و يعودونه و
يسألونه المسائل، فلما كانت ليلة إحدى و عشرين، و هى الليلة التى توفى فيها، جمع أهل
بيته و أولاده فودعهم و ودعوه و بكوا جميعا بكاء شديدا، ثم أوصاهم بتقوى الله و الصبر،
ثم تشهد الشهادتين و مد يديه إلى جانبيه، و قال: «أستودعكم الله أهل البيت، عليكم منى
السلام».
ثم قال: (لمثل هذا فليعمل العاملون) (76) .
ثم قبض (صلوات الله عليه)، فكثر البكاء و النحيب فى داره و فى جميع شوارع الكوفة، و
سمع الناس أصوات الملائكة، و كان ذلك اليوم كيوم وفاة رسول الله (صلى الله عليه و اله)
و لقد أحسن من قال:
و لا غرو للأشراف إن ظفرت بها
كلاب الأعادى من فصيح و أعجم
فحربة و حشى سقت حمزة الردىو قتل على فى حسام ابن ملجم (77)
و لما توفى أمير المؤمنين (عليه السلام) غسل و حنط ببقية حنوط رسول الله (صلى الله عليه
و آله)، و كفن و جعل على سريره، و حمل الحسن و الحسين (عليهما السلام) بمؤخر النعش،
وحملت الملائكة بمقدمه، و كان (عليه السلام) قد أعلمهم ذلك قبل موته، ثم مضوا به إلى
الغرى فدفنوه ليلا، و كان مقبرة للكوفة
(78) .
و بقى موضع قبره غير معلوم إلى زمان الرشيد، فروى أنه خرج إلى الصيد، فلما وصل إلى ذلك
المكان كان يرسل الكلاب، و رأى الوحوش تهرب إلى هذا الموضع فترجع الكلاب عنها، فتعجب
من ذلك، ثم أحضر بعض الشيوخ من الأخباريين (79) الممارسين للتواريخ فسألهم عن هذا المكان و أخبرهم بما كان، فقالوا: قد بلغنا أن أمير
المؤمنين(عليه السلام) دفن بهذا المكان (80) ، ثم اشتهر من ذلك اليوم فصار بلدا ببركته (عليه السلام)، زاده الله و ألاده شرفا فى
الدنيا و الآخرة، و لبعض علماء أصحابنا كتاب يسمى ب(فرحة الغرى (81) فى إثبات دفنه (عليه السلام) بهذا المكان.
و فى صبيحة الليلة التى دفن فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل ابن ملجم لعنه الله
تعالى (82) .
تعليقات:
.1 الإرشاد: 9، روضة الواعظين: 76، اعلام الورى: 153، كفاية الطالب: 407، كشف الغمة
1:59، إرشاد القلوب 2:211، الفصول المهمة: 30، نور الأبصار: .85
.2 إثبات الوصية: 121، كشف الغمة 1: .61
.3 كشف الغمة 1: .61
.4 شرح نهج البلاغة 1: .12
.5 اليعسوب: ملك النحل، و منه قيل للسيد: يعسوب قومه، «الصحاح ـ عسب ـ 1: 811».
.6 ألقاب الرسول و عتره: .228
.7 فى «ط»نسخة بدل: كاشف.
.8 فى «ج» و المفضال الفقار.
.9 فى المصدر: آخر.
.10 المراد ببيضة البلد هنا على بن أبى طالب (سلام الله عليه)، أى إنه فرد ليس مثله
فى الشرف، كالبيضة التى هى تريكة وحدها ليس معها غيرها. «لسان العرب ـ بيض ـ 7: 271»
.
.11 مجمع الأمثال 1: 285، و المراد بهذا المثل أنه منفرد لا ناصر له، بمنزلة بيضة قام
عنها الظليمو تركها لا خير فيها و لا منفعة.
.12 حمار: اسم رجل، قيل: هو علقمة بن النعمان بن قيس بن عمر بن ثعلبة.
.13 ريب الزمان: صروفه و حوادثه «لسان العرب ـ ريب ـ 1: 424».
.14 كشف الغمة 1: 67 ـ .69
.15 كشف الغمة 1: .66
.16 مروج الذهب 2: 350، الجوهر الثمين 1: 56، الإصابة 4: 269 / .5682
.17 تفسير فرات: .190
.18 جمهرة أنساب العرب: 37، المجدى: .7
.19 كشف الغمة 1: 59، الإصابة 8: .160
.20 إعلام الورى: .156
.21 مناقب ابن شهر آشوب 3: .307
.22 المائدة 5: .67
.23 الإرشاد: 93، مناقب ابن المغازلى: 16، مناقب ابن شهر آشوب 3: 21، إعلام الورى: 132،
الاحتجاج: 56، تذكرة الخواص: 28، اليقين: 113، كشف الغمة 1: .48
.24 لعل عتيق لقب له، و اسمه عبد الله بن عثمان: «مروج الذهب 2: 982».
.25 مروج الذهب 2: .298
.26 تاريخ اليعقوبى 2: 114 «نحوه»، الاحتجاج: .75
.27 الخصال: .549
.28 فى «ط»: خذلة.
.29 فى «ج»: فضغطها عمر بين الباب و الحائط.
.30 سليم بن قيس: .36
.31 فى «ط»: بياض، قال المسعودى فى مروج الذهب 2: 298: سنتين و ثلاثة أشهر و عشرة أيام،
و قد قيل: سنتين و ثلاثة أشهر و عشرين يوما، و قال ابن دقماق فى الجوهر الثمين 1: 37
: سنتين و ثلاثة أشهر.
.32 فى «ط»: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عزيز بن فرط بن رياح بن عبد الله بن دراج.
.33 فى «ط»: خيثمة.
.34 فى «ط» كور.
.35 الكامل فى التاريخ 3: .167
.36 تاريخ اليعقوبى 2: 167، مروج الذهب 2: 349، الجمل: 40، الكامل فى التاريخ 3: .190
.37 تاريخ اليعقوبى 2: 169، 150، الارشاد: 131، مناقب ابن شهر آشوب 3: 151، كشف الغمة
1: .238
.38 فى «ج»: و سبعمائة.
.39 كشف الغمة 1: .242
.40 وقعة صفين: 475، تاريخ اليعقوبى 2: 176، تاريخ الطبرى 6: 3322، مروج الذهب 2: 389،
الكامل فى التاريخ 3: 315، كشف الغمة 1: .245
.41 وقعة صفين: 477، كشف الغمة: .253
.42 وقعة صفين: 363، مروج الذهب 2: .252
.43 فى «ط»: تسعة.
.44 تاريخ اليعقوبى 2: 180، مناقب ابن شهر آشوب 3: 188، كشف الغمة 1: .264
.45 ألقاب الرسول: 227، اليقين: .96
.46 معجم البلدان 4: .491
.47 فى اسد الغابة 3: 112، تذهيب ابن عساكر 7: 253، صفة الصفوة 1: 510، توفى العباس
سنة (32).
.48 فى تهذيب التهذيب 10: .12 توفى مالك الأشتر سنة(37)، و فى الإصابة: 6: 162، سنة
(38).
.49 فى صفة الصفوة 1: .599 توفى أبو ذر سنة (32). و فى الاصابة 7: 63، سنة (31) و قيل
(32).
.50 توفى سلمان سنة (33) أو (35) أو (36) أو (37) بالمدائن. تاريخ بغداد 1: 171، سير
أعلام النبلاء 1: 554، أعيان الشيعة 7: .279
.51 توفى المقداد سنة (33). صفة الصفوة 1: 426، الاصابة 6: .133
.52 و قيل (41) و قيل (45). صفة الصفوة 2: 38، الاصابة 8: .52
.53 السرارى: جمع سرية: الأمة التى بوأتها بيتا. «الصحاح ـ سرر ـ 2: 826».
.54 أثبتناه من جمهرة أنساب العرب: .37
.55 فى الكامل فى التاريخ 3: 397، النهشلية، و فى كشف الغمة 1: 440، الدرامية.
.56 الكامل فى التاريخ 3: 397، كشف الغمة 1: .442
.57 مناقب ابن شهر آشوب 3: .305
.58 طبقات ابن سعد 8: 205، حلية الأولياء 2: 74، صفة الصفوة 2: .61
.59 توفى محمد بن أبى بكر سنة (38)، الكامل فى التاريخ 3: .352
.60 شرح نهج البلاغة 6: .53
.61 مصباح الكفعمى: .522
.62 صفة الصفوة 1: 309، الكامل فى التاريخ 3: 396، كشف الغمة 1: .440
.63 مصباح الكفعمى: .522
.64 مصباح الكفعمى: .522
.65 الغرى: هو المعروف بالنجف.
.66 تاريخ اليعقوبى 2: 202، مروج الذهب 2: 411، مقاتل الطالبين: 16، روضة الواعظين 1
: 132، إعلام الورى: 202، مناقب ابن شهر آشوب 3: 309، الكامل فى التاريخ 3: .387
.67 الجوهر الثمين 1: 61، الأئمة الاثنا عشر: .58
.68 كشف الغمة 1: 435، و 7فيه (هذا و الله قاتلى).
.69 فى «ج»: سجية.
.70 تاريخ الطبرى 6: 83، الارشاد: 15، روضة الواعظين 1: 132، إعلام الورى: 199، الكامل
فى التاريخ 3: 387، نور الأبصار .115
.71 تاريخ الطبرى 6: 86، الارشاد: 18، كشف الغمة 1: .439
.72 كشف الغمة 1: 440، نور الابصار: .116
.73 مقاتل الطالبين: 17، إعلام الورى: 201، الكامل فى التاريخ 3: .393
.74 الصيقل: شحاذ السيوف و جلاؤها: «لسان العرب ـ صقل ـ 11: 803».
.75 فى «ط»: الصبح.
.76 الصافات 37: .61
.77 كشف الغمة 1: .435
.78 الارشاد: 19، روضة الواعظين 1: 136، إعلام الورى: .202
.79 فى «ج»: الأخبار. و الأخبارى: المؤرخ، و الأخبار: جمع خبر، العالم بالخبر.
.80 فرحة الغرى: .119
.81 (فرحة الغرى) للسيد أبى المظفر غياث الدين عبد الكريم بن أبى الفضائل أحمد بن موسى
بن طاوس الحلى، المتوفى 693 و كانت ولادته 648، و يبحث هذا الكتاب فى الآثار الدالة
على قبل أمير المؤمنين (عليه السلام)، مرتب على مقدمتين و خمسة عشر بابا، و هو مطبوع
.
.82 مقاتل الطالبين: 26، الإرشاد: 18، صفة الصفوة 1: .334
التتمة فى تواريخ الائمة (عليهم السلام) ص 47
العلامة المحدث الفقيه السيد تاج الدين بن على بن احمد الحسينى العاملىمن اعلام القرن
الحادى عشر الهجرى
التتمة في تواريخ الائمة ص 47
سيد تاج الدين الحسينى العاملى
|