علي (ع) شهيد المحراب
قال رسول الله (ص) :
«يا علي،أتدري من أشقى الأولين؟»
قال[علي (ع) ]:«قلت:الله و رسوله أعلم».
قال (ص) :«عاقر الناقة».
ثم قال (ص) :«أتدري من أشقى الآخرين؟».
قال (ع) :«ألله و رسوله أعلم».
قال (ص) :«قاتلك».
فرائد السمطين ج 1 ص 385 رقم .317
1ـكلمة في تاريخ شهادته (ع) و عمره المبارك
من الوقائع المسلمة تاريخيا (1) ،ضربة عبد الرحمن بن ملجم المرادي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في محراب
الصلاة بمسجد الكوفة،إذ كان (عليه السلام) صائما يصلي الصبح،مما أدى إلى شق هامته (عليه
السلام) ،و قد التحقت روحه المقدسة بالرفيق الأعلى،إلى جوار الرسول الأكرم (صلى الله
عليه و آله و سلم) بعد يومين.
و قد وقع الخلاف بين المؤرخين في تأريخ شهادته و مقدار عمره الشريف،و سنشير إلى بعض
الأقوال في هذا المورد:
(1) الكامل في التاريخ:و في هذه السنة (سنة 40) قتل علي في شهر رمضان لسبع عشرة خلت
منه،و قيل:لإحدى عشرة،و قيل:لثلاث عشرة بقيت منه،و قيل في شهر ربيع الآخر سنة أربعين،و
الأول أصح (2) .
(2) قال العلامة السيد محسن الأمين:قتل (صلوات الله عليه) سنة (40) من الهجرة في شهر
رمضان،ضرب ليلة التاسع عشر،ليلة الأربعاء،و قبض ليلة الجمعة إحدى و عشرين على المعروف
بين أصحابنا و عليه عمل الشيعة اليوم (3) .
(3) قال ابو جعفر الطبري،عن محمد بن عمر:قتل علي (عليه السلام) و هو ابن ثلاث و ستين
سنة،صبيحة ليلة الجمعة،لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة (40) ،و دفن عند مسجد الجماعة
في قصر الإمارة (4) .
(4) و قال ابن عساكر الشافعي،عن محمد بن عثمان،قال:قال أبي:و ولي علي بن أبي طالب خمس
سنين،و قبض هو ابن سبع و خمسين،قال أبي:و أهل بيته يقولون:قبض و هو ابن ثلاث و ستين (5) .
(5) و قال أيضا:عن أبي جعفر بن أبي شيبة،و نحن نقول:إن عليا (عليه السلام) أسلم و هو
ابن سبع سنين،و صحب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عشرين سنة،و عاش بعد النبي (صلى
الله عليه و آله و سلم) ثلاثين سنة،و قبض ابن سبع و خمسين سنة،قال أبي:و أهل بيته يقولون
:أسلم و هو ابن ثلاث عشرة سنة (6) .
(6) و في الكافي:ولد أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد عام الفيل بثلاثين سنة،و قتل في
شهر رمضان لتسع بقين منه،ليلة الأحد سنة أربعين من الهجرة،و هو ابن ثلاث و ستين سنة،بقي
بعد قبض النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ثلاثين سنة،و امه فاطمة بنت أسد بن هاشم
بن عبد مناف و هو أول هاشمي ولده هاشم مرتين (7) .
(7) و روى العلامة المجلسي (رحمة الله عليه) عن (المناقب) :قبض (صلوات الله عليه) قتيلا
في مسجد الكوفة وقت التنوير،ليلة الجمعة،لتسع عشرة ليلة مضين من شهر رمضان،على يدي عبد
الرحمن بن ملجم المرادي (لعنه الله) ،و قد عاونه وردان بن مجالد من تيم الرباب،و شبيب
بن بجرة، الأشعث بن قيس،و قطام بنت الأخضر،فضربه سيفا على رأسه مسموما،فبقي يومين إلى
نحو الثلث من الليل،و له يومئذ خمس و ستون سنة في قول الصادق (عليه السلام) ،و قالت
العامة:ثلاث و ستون سنة،عاش مع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد إسلامه بمكة ثلاث
عشرة سنة،و بالمدينة عشر سنين،و قد كان هاجر و هو ابن أربع و عشرين سنة،و ضرب بالسيف
بين يدي النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو ابن ست عشرة سنة،و قتل الأبطال و هو
ابن تسع عشرة سنة،و قلع باب خيبر و له ثمان و عشرون سنة.
و كانت مدة إمامته ثلاثون سنة:منها أيام أبي بكرـسنتان و أربعة أشهر،ـو أيام عمرـتسع
سنين و أشهر و أيامـ (و عن الفرياني:عشر سنين و ثمانية أشهرـ) و أيام عثمانـاثنتا عشرة
سنةـثم آتاه الله الحق خمس سنين و أشهرا.
و كان (عليه السلام) أمر بأن يخفى قبره،لما عرف من بني أمية و عداوتهم فيه إلى أن أظهره
الصادق (عليه السلام) ،ثم إن محمد بن زيد الحسني أمر بعمارة الحائر بكربلاء و البناء
عليهما،و بعد ذلك زيد فيه و بلغ عضد الدولة الغاية في تعظيمهما و الإيقاف عليهما (8) .
(8) روى الشيخ المفيد (رحمة الله عليه) :و كانت وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل
الفجر ليلة الجمعة إحدى و عشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة،قتيلا بالسيف،قتله
ابن ملجم المرادي لعنه الله في مسجد الكوفة،و قد خرج (عليه السلام) يوقظ الناس لصلاة
الصبح ليلة تاسع عشر من شهر رمضان،و قد كان ارتصده من أول الليل لذلك،فلما مر به في
المسجد و هو مستخف بأمره،مماكر بإظهار النوم في جملة النيام،ثار إليه فضربه على أم رأسه
بالسيف و كان مسموما،فمكث يوم تسعة عشر و ليلة عشرين و يومها و ليلة إحدى و عشرين إلى
نحو الثلث الأول من الليل،ثم قضى نحبه (عليه السلام) شهيدا و لقي ربه تعالى مظلوما،و
قد كان (عليه السلام) يعلم ذلك قبل أوانه،و يخبر به الناس قبل زمانه و تولى غسله و تكفينه
و دفنه ابناه الحسن و الحسين (عليهماالسلام) بأمره،و حملاه إلى الغري من نجف الكوفة،فدفناه
هناك،و عفيا موضع قبره بوصية كانت منه إليهما في ذلك،لما كان يعلمه من دولة بني أمية
بعده،الحديث (9) .
(2) مداراته (ع) ابن ملجم مكررا قبل قصده (10) .
قال الحافظ ابن عبد البر المالكي،في (الاستيعاب) عن ابن سيرين بن عبيدة،قال:كان علي
(عليه السلام) إذا رأى ابن ملجم،قال:
«اريد حياته و يريد قتلي
عذيرك من خليلك من مراد»
و كان علي (عليه السلام) :كثيرا ما يقول:«ما يمنع أشقاهاـأو ما ينتظر أشقاها»أن يخضب
هذه من دم هذا».يقول:«و الله لتخضبن هذه من دم هذا و يشير إلى لحيته و رأسهـخضاب دم
لا خضاب عصر و لا عبير».
و روى فيه أيضا:عن سكين بن عبد العزيز العبدي،أنه سمع أباه يقول:جاء عبد الرحمن بن ملجم
يستحمل عليا (عليه السلام) فحمله ثم قال:
«اريد حياته و يريد قتلي
عذيرك من خليلك من مراد
أما إن هذا قاتلي»،قيل:فما يمنعك منه؟قال:«إنه لم يقتلني بعد»قال:و أتى علي (عليه السلام)
فقيل له:إن ابن ملجم يسم سيفه،و يقول:إنه سيفتك بك فتكة يتحدث بها العرب،فبعث علي (عليه
السلام) إليه،فقال له:
«لم تسم سيفك؟»قال:لعدوي و عدوك،فخلى عنه و قال:«ما قتلني بعد» (11) .
في مقاتل الطالبين:عن أبي مخنف،عن أبيه،عن عبد الله بن محمد الأزدي،قال:ادخل ابن ملجم
(لعنه الله) على علي (عليه السلام) ،و دخلت عليه فيمن دخل،فسمعت عليا يقول:«النفس بالنفس،إن
أنا مت فاقتلوه كما قتلني،و إن سلمت رأيت فيه رأيي».فقال ابن ملجم (لعنه الله) :و الله
لقد إبتعته بألف،و سممته بألف،فإن خانني فأبعده الله،قال و نادته أم كلثوم: (يا عدو
الله قتلت أمير المؤمنين؟!!) قال:إنما قتلت أباك،قالت: (يا عدو الله إني لأرجو أن لا
يكون عليه بأس) قال لها:فأراك إنما تبكين عليا إذا و الله لقد ضربته ضربة لو قسمت بين
أهل الأرض لأهلكتهم» (12) .
3ـما جاء في سبب قتله (ع) و مؤامرة ابن ملجم و البرك و عمرو بن بكر.
ما ورد في الأخبار في سبب شهادته (عليه السلام) و كيف جرى الأمر في ذلك،على ما رواه
جماعة في كتب السير و التاريخ مختلف،و نذكر هنا من الكتب ما يفيد الطالب:في سنة أربعين
من الهجرة اجتمع بمكة جماعة من الخوارج فتذاكروا الناس،و ما هم فيه من الحرب و القتل
و الفتنة فعابوا ذاك على ولاتهم،ثم أنهم ذكروا أهل النهروان و ترحموا عليهم فقال بعضهم
لبعض ما نصنع بالحياة بعدهم،أولئك كانوا دعاة الناس إلى ربهم لا يخافون في الله لومة
لائم!!!فلو شرينا أنفسنا قاتلنا أئمة الضلال،فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد و العباد
و ثأرنا بهم إخواننا الشهداء بالنهروان،فتعاقدوا على ذلك عند انقضاء الحج.
فقال عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله:أنا أكفيكم عليا.
و قال البرك ابن عبد الله بن التميمي:أنا أكفيكم معاوية.
و قال عمرو بن بكر التميمي:أنا أكفيكم عمرو بن العاص،فتعاهدوا و تعاقدوا و تواثقوا على
الوفاء،و ألا ينكل واحد منهم عن صاحبه الذي يتوجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه،فاتعدوا
بينهم ليله تسع عشرة من شهر رمضان،فأخذوا سيوفهم فشحذوها،ثم أسقوها السم،و توجه كل واحد
منهم إلى جهة صاحبه الذي تكفل به،و تواعدوا على أن يكون و ثوبهم عليهم في ليلة واحدة (13) .
4ـقصد البرك معاوية.
أما البرك بن عبد الله بن التميمي صاحب معاوية:فإنه قصده و قدم الشام،فلما وقعت عينه
عليهـأي على معاويةـضرب معاوية و هو راكع في صلاة الصبح فوقعت ضربته في إليته من فوق
ثياب كثيرة كانت عليه فجرحه جرحا يسيرا،فجاء الطبيب إليه فنظر إلى الضربة،فقال:إن السيف
مسموم،فاختر إما أن أحمي لك حديدة فأجعلها في الضربة فتبرأ،و إما أن اسقيك دواء فتبرأ
و ينقطع نسلك؟
فقال معاوية:أما النار فلا أطيقها،و أما النسل ففي يزيد و عبد الله ما يقر عيني و حسبي
بهما،فسقاه الدواء فعوفي و عالج جرحه و لم يولد له بعد ذلك،و أمر معاوية بعد ذلك بالمقصورات
في المسجد و حرس الليل،و قيام الشرطة على رأسه،و هو أول من عمل المقصورات في الإسلام
.
و قبض على البرك فقال لمعاوية:إن لك عندي بشارة،قال:و ما هي؟فأخبره بخبر صاحبيه،و قال
له:إن عليا (عليه السلام) يقتل في هذه الليلة،فاحبسني عندك،فإن قتل فأنت ولي ما تراه
في أمري،و إن لم يقتل أعطيتك العهود و المواثيق أن أمضي فأقتله،ثم أعود اليك فأضع يدي
في يدك حتى تحكم في بما ترى،فحبسه عنده فلما أتاه أن عليا (عليه السلام) قتل خلى سبيله،و
قال بعض من الرواة:بل قتله من وقته (14) .
5ـقصد عمرو بن بكر،عمرو بن العاص.
و أما عمرو بن بكر التميمي صاحب عمرو بن العاص،فإنه وافاه في تلك الليلة و قد وجد علة،فأخذ
دواء و استخلف رجلا يصلي بالناس،يقال له:خارجة بن أبي حبيبة و كان صاحب شرطته،فخرج للصلاة
فشد عليه عمرو بن بكر فضربه،و هو يظن أنه عمرو بن العاص،فوقعت الضربة في خارجةفقتله،فمات
منها في اليوم الثاني،و في ذلك يقول ابن زيدون:
فليتها إذ فدت عمرا بخارجة
فدت عليا بمن شاءت من البشر
فأخذوا قاتل خارجة فادخل على عمرو بن العاص،و أوقف الرجلـعمرو بن بكرـبين يدي عمرو بن
العاص،فسأله عن خبره،فقص عليه القصة،و أخبره أن عليا و معاوية قد قتلا في هذه الليلة،فقال
:إن قتلا أو لم يقتلا فلابد من قتلك،فبكى،فقيل له:أجزعا من الموت مع هذا الإقدام؟
قال:لا و الله،و لكن غما أن يفوز صاحباي بقتل علي و معاوية،و لا أفوز أنا بقتل عمرو
بن العاص،فضربت عنقه و صلب.
و دخل عمرو بن العاص من غد إلى خارجة و هو يجود بنفسه،فقال له خارجة:أما و الله يا أبا
عبد الله ما أراد غيرك.
قال عمرو:و لكن الله أراد خارجة (15) .
6ـالتواطؤ على قتل علي (ع) في الكوفة بين ابن ملجم و بين قطام.
في (المقاتل) :فأقبل ابن ملجم حتى قدم الكوفة،فلقي بها جماعة من أصحابهـأهل النهروانـو
كتمهم أمره،و طوى عنهم ما تعاقد هو و أصحابه عليه بمكة من قتل امراء المسلمين،مخافة
أن ينشر منه شيء،و إنه زار رجلا من أصحابه ذات يوم من تيم الرباب،فصادف عنده قطام بنت
الأخضر بن شجنة من تيم الرباب
(16) ،و كان علي (ع) قتل أباها و أخاها بالنهروان،و كانت منأجمل نساء أهل زمانها،فلما رآها
ابن ملجم لعنه الله شغف بها و اشتد إعجابه،فخبر خبرها فخطبها،فقالت له:ما الذي تسمي
لي من الصداق؟فقال لها:احتكمي ما بدا لك،فقالت:أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف درهم،و وصيفا
و خادما،و قتل علي بن أبي طالب!!
فقال لها:لك جميع ما سألت،فأما قتل علي بن أبي طالب فأنى لي بذلك؟فقالت:تلتمس غرته،فإن
أنت قتلته شفيت نفسي و هنأك العيش معي،و إن قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا؟!!الحديث (17) .
و في الفصول المهمة:فمر في بعض الأيام بدار من دور الكوفة فيها عرس،فخرج منها نسوة،فرأى
فيهن امرأة جميلة فائقة في حسنها،يقال لها:قطام بنت الأصبغ التميمي لعنها الله،فهواها
و وقعت في قلبه محبتها،فقال لها:يا جارية،أيم أنت أم ذات بعل؟فقالت:بل أيم.
فقال لها:هل لك في زوج لا تذم خلائقه،فقالت:نعم،و لكن لي أولياء اشاورهم.فتبعها فدخلت
دارا ثم خرجت إليه،فقالت:يا هذا إن أوليائي أبوا أن يزوجوني إلا على ثلاثة آلاف درهم
و عبد وقينة (18) .قال:لك ذلك.
قالت:و شريطة اخرى؟قال:و ما هي قالت:قتل علي بن أبي طالب،فإنه قتل أبي و أخي يوم النهروان
!!قال:ويحك و من يقدر على قتل علي و هو فارس الفرسان و واحد الشجعان،فقالت:لا تكثر،فذلك
أحب إلينا من المال،كنت تفعل ذلك و تقدر عليه و إلا فاذهب إلى سبيلك؟
فقال لها:أما علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلا،و لكن إن رضيتي ضربته بسيفي ضربة واحدة
و انظري ماذا يكون؟قالت:رضيت،و لكن التمس غرته لضربتك،فإن أصبته،انتفعت بنفسك و بي،و
إن هلكت،فما عند الله خير و أبقى من الدنيا و زينة أهلها.
فقال لها:و الله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي بن أبي طالب!!قالت:فإذا كان الأمر
على ما ذكرت،دعني أطلب لك من يشد ظهرك و يساعدك؟فقال لها:افعلي.
فبعثت إلى رجل من أهلها يقال له:وردان،من تيم الرباب فكلمته فأجابها (19) ،و خرج ابن ملجم من عندها و هو يقول:
ثلاثة آلاف و عبد و قينة
و قتل علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي و إن غلا
و لا فتك إلا دون فتك ابن ملجم (20)
و جاء ابن ملجم إلى رجل من أشجع،يقال له:شبيب بن بحرة من الخوارج،فقال له:هل لك في شرف
الدنيا و الآخرة؟قال:و كيف ذلك،قال:قتل علي بن أبي طالب (عليه السلام) ،فقال له:ثكلتك
امك لقد جئت شيئا إدا،كيف تقدر على ذلك؟
قال:أكمن له في المسجد،فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه،فإن نجينا شفينا أنفسنا
و أدركنا ثأرنا،و إن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا و ما فيها،و لنا اسوة في أصحابنا
الذين سبقونا.
فقال له:ويحك لو كان غير علي،و قد عرفت بلاءه في الإسلام و سابقته مع النبي (صلى الله
عليه و آله و سلم) و ما أجد نفسي تنشرح لقتله،قال:ألم تعلم أنه قتل أهل النهروان العباد
المصلين؟قال بلى،قال:فنقتله بمن قتل من إخواننا،فأجابه إلى ذلك،فجاءوا إلى قطام و هي
في المسجد الأعظم معتكفة،و كان ذلك في شهر رمضان،فقالوا لها:قد صممنا و أجمع رأينا على
قتل علي بن ابي طالب.
فقال ابن ملجم:و لكن يكون ذلك في الليلة الحادية و العشرين منهم (21) ،فإنها الليلة التي تواعدت أنا و صاحباي فيها على أن يبيت كل واحد منا صاحبه الذي تكفل
بقتله،فأجابوه إلى ذلك (22) .
قال أبو الفرج الأصفهاني في (المقاتل) :قالت قطام لهما:فإذا أردتما ذلك فالقياني في
هذا الموضع،فانصرفا من عندها فلبثا أياما،ثم أتياها ليلة الجمعة لتسع عشرة خلت من شهر
رمضان سنة أربعين (23) .
و قال المسعودي في تأريخه:فدعت قطام لهما بحرير فعصبتهما،و أخذوا أسيافهم و قعدوا مقابلين
لباب السدة التي يخرج منها علي (عليه السلام) للمسجد،و كان علي (عليه السلام) يخرج كل
غداة أول الأذان يوقظ الناس للصلاة،و كان ابن ملجم مر به الأشعث و هو في المسجد،فقال
له:فضحك الصبح،فسمعها حجر ابن عدي،فقال:قتلته يا أعور قتلك الله (24) .
و روى العلامة المجلسي (رحمة الله عليه) في (البحار) عن (الإرشاد) :فدعت قطام لهم بحرير
فعصبت به صدورهم،و تقلدوا أسيافهم و مضوا و جلسوا مقابل السدة التي كان يخرج منها أمير
المؤمنين (عليه السلام) إلى الصلاة،و قد كانوا قبل ذلك ألقوا إلى الأشعث بن قيس ما في
نفوسهم من العزيمة على قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) و واطأهم على ذلك و حضر الأشعث
بن قيس في تلك الليلة لمعونتهم على ما اجتمعوا عليه،و كان حجر بن عدي في تلك الليلة
بائتا في المسجد فسمعالأشعث يقول:يا بن ملجم،النجاء النجاء لحاجتك،فقد فضحك الصبح (25) ،فأحس حجر بما أراد الأشعث،فقال له:قتلته يا أعور،و خرج مبادرا ليمضي إلى أمير المؤمنين
(عليه السلام) ليخبره الخبر،و يحذره من القوم،و خالفه أمير المؤمنين (عليه السلام) من
الطريق فدخل المسجد،فسبقه ابن ملجم فضربه بالسيف،و أقبل حجر و الناس يقولون:قتل أمير
المؤمنين (عليه السلام) (26) .
7ـماجرى على أمير المؤمنين (ع) في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان.
روى في (فرائد السمطين) عن عثمان بن المغيرة،قال:لما أن دخل شهر رمضان من سنة أربعين،كان
علي (عليه السلام) يتعشى ليلة عند الحسن و ليلة عند الحسين و ليلة عن ابن عباس،و لا
يزيد على ثلاث لقم يقول:«يأتيني أمر الله و أنا أخمص إنما ليلة أو ليلتين» (27) .
روى العلامة المجلسي (رحمة الله عليه) في حديث طويل:قالت ام كلثوم بنت أمير المؤمنين
(عليه السلام) :لما كانت ليلة تسع عشرة من شهر رمضان قدمت إليه عند إفطاره طبقا فيه
قرصان من خبز الشعير و قصعة فيها لبن و ملح جريش (28) فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره،فلما نظر إليه و تأمله حرك رأسه و بكى بكاء شديدا عاليا
و قال:«يا بنية،ما ظننت أن بنتا تسوء أباها كما قد أسأت أنت إلي»قالت:و ماذا يا أباه؟
قال:«يا بنية،أ تقدمين إلى أبيك أدامين في طبق واحد؟أتريدين أن يطول وقوفي غدا بين يدي
الله عز و جل يوم القيامة؟!أنا اريد أن أتبع أخي و ابن عمي رسول الله (صلى الله عليه
و آله و سلم) ما قدم إليه أدامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله.يا بنية،ما من رجل طاب
مطعمه و مشربه و ملبسه إلا طال وقوفه بين يدي الله عز و جل يوم القيامة.
يا بنية،إن الدنيا في حلالها حساب،و في حرامها عقاب،و قد أخبرني حبيبي رسول الله (صلى
الله عليه و آله و سلم) أن جبرئيل (عليه السلام) نزل إليه و معه مفاتيح كنوز الأرض،و
قال:يا محمد،الله يقرؤك السلام و يقول لك:إن شئت صيرت معك جبال تهامة ذهبا و فضة،و خذ
هذه مفاتيح كنوز الأرض و لا ينقص ذلك من حظك يوم القيامة،قال:يا جبرئيل،و ما يكون بعد
ذلك؟قال:الموت،فقال:إذن لا حاجة لي في الدنيا،دعني أجوع يوما و أشبع يوما فاليوم الذي
أجوع فيه أتضرع إلى ربي و أسأله،و اليوم الذي أشبع فيه أشكر ربي و أحمده،فقال له جبرئيل
:وفقت لكل خير يا محمد».
ثم قال (عليه السلام) :«يا بنية،الدنيا دار غرور و دار هوان،فمن قدم شيئا وجده.يا بنية،و
الله لا آكل شيئا حتى ترفعي أحد الأدامين».
فلما رفعته تقدم إلى الطعام فأكل قرصا واحدا بالملح الجريش،ثم حمد الله و أثنى عليه،ثم
قام إلى صلاته،فصلى،و لم يزل راكعا و ساجدا و مبتهلا و متضرعا إلى الله سبحانه،و يكثر
الدخول و الخروج و هو ينظر إلى السماء و هو قلق يتململ ثم قرأ سورة«يس»حتى ختمها،ثم
رقد هنيئة و انتبه مرعوبا،و جعل يمسح وجهه بثوبه،و نهض قائما على قدميه،و هو يقول:«أللهم
بارك لنا في لقائك»و يكثر من قول:«لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم».
ثم صلى حتى ذهب بعض الليل،ثم جلس للتعقيب،ثم نامت عيناه و هو جالس،ثم انتبه من نومته
مرعوبا.و ساق الكلام إلى أن قالت:و لم يزل تلك الليلة قائما و قاعدا و راكعا و ساجدا،ثم
يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء و ينظر في الكواكب و هو يقول:«و الله ما كذبت
و لا كذبت،و إنها الليلة التي وعدت بها»ثم يعود إلى مصلاه و يقول:«أللهم بارك لي في
الموت»،و يكثر من قول:«إنا لليه و إنا إليه راجعون،و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي
العظيم»و يصلي على النبي و آله و يستغفر الله كثيرا.
قالت أم كلثوم:فلما رأيته في تلك الليلة قلقا متململا كثير الذكر و الاستغفار أرقت معه
ليلتي،و قلت يا أبتاه،مالي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد؟.
قال:«يا بنية،إن أباك قتل الأبطال و خاض الأهوال،و ما دخل الخوف له جوف،و ما دخل في
قلبي رعب أكثر مما دخل في هذه الليلة»ثم قال:«إنا لله و إنا اليه راجعون».
فقلت:يا أباه،مالك تنعى نفسك منذ الليلة؟
قال:«يا بنية،قد قرب الأجل و انقطع الأمل».
قالت ام كلثوم:فبكيت،فقال لي:«يا بنية،لا تبكي فإني لم أقل ذلك إلا بما عهد إلي النبي
(صلى الله عليه و آله و سلم) »ثم إنه (عليه السلام) نعس و طوى ساعة،ثم استيقظ من نومه،و
قال:«يا بنية،إذا قرب وقت الأذان فأعلميني»ثم رجع إلى ما كان عليه أول الليل من الصلاة
و الدعاء و التضرع إلى الله سبحانه و تعالى.
قالت ام كلثوم:فجعلت أرقب وقت الأذان،فلما لاح الوقت أتيته و معي إناء فيه ماء،ثم أيقظته
فأسبغ الوضوء و قام و لبس ثيابه و فتح بابه،ثم نزل إلى الدار و كان في الدار أوز قد
أهدي إلى أخي الحسين (عليه السلام) ،فلما نزل خرجنوراءه و رفرفن و صحن في وجهه،و كن
قبل تلك الليلة لا يصحن،فقال (عليه السلام) :«لا إله إلا الله،صوارخ تتبعها نوائح،و
في غداة غد يظهر القضاء».
فقلت له:يا أباه،هكذا يتطير؟فقال:«يا بنية،ما منا أهل البيت من تتطير؟و لا يتطير به،و
لكن قول جرى على لساني».
ثم قال:«يا بنية،بحقي عليك إلا ما أطلقتيه،فقد حبست ما ليس له لسان،و لا يقدر على الكلام
إذا جاع أو عطش،فأطعميه و اسقيه،و إلا خلي سبيله يأكل من حشائش الأرض».فلما وصل إلى
الباب فعالجه ليفتحه،فتعلق الباب بمئزره فانحل مئزره حتى سقط،فأخذه و شده و هو يقول
:
«أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا
و لا تجزع من الموت إذا حل بناديكا
و لا تغتر بالدهر و إن كان يواتيكا
كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيكا»
ثم قال:«اللهم بارك لنا الموت اللهم بارك لي في لقائك»قالت أم كلثوم:و كنت أمشي خلفه،فلما
سمعته يقول ذلك،قلت:واغوثاه يا أبتاه،أراك تنعى نفسك منذ الليلة.
قال:«يا بنية،ما هو بنعاء و لكنها دلالات و علامات للموت،يتبع بعضها بعضا،فأمسكي عن
الجواب»ثم فتح الباب و خرج.الحديث (29) .
و في (النهج) و كذا في (تاريخ دمشق) قال علي (عليه السلام) في سحرة (30) اليوم الذي ضرب فيه:«ملكتني (31) عيني و أنا جالس،فسنح لي (32) رسول الله (صلىالله عليه و آله و سلم) فقلت:يا رسول الله ماذا لقيت من امتك من الأود (33) و اللدد (34) ؟فقال (صلى الله عليه و آله و سلم) :ادع عليهم،فقلت:أبدلني الله بهم خيرا منهم،و أبدلهم
بي شرا لهم مني» (35) و استجاب له دعاؤه،و مضى عليه ما مضى.
و قال المسعودي في تأريخه:و قيل إن عليا (عليه السلام) لم ينم تلك الليلة،و إنه لم يزل
يمشي بين الباب و الحجرة،و هو يقول:«و الله ما كذبت و لا كذبت،و إنها الليلة التي وعدت
فيها»فلما خرج صاح بط كان للصبيان،فصاح بهن بعض من في الدار،فقال علي (عليه السلام)
:«ويحك دعهن فإنهن نوائح» (36) .
8ـمجيء علي (ع) إلى المسجد و ما اتفق بينه و بين ابن ملجم.
في (البحار) عن أبي مخنف و غيره:و سار أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى دخل المسجد،و
القناديل قد خمد ضوؤها،فصلى في المسجد ورده و عقب ساعة،ثم إنه قام و صلى ركعتين،ثم علا
المأذنة و وضع سبابتيه في اذنيه و تنحنح،ثم أذن و كان (عليه السلام) إذا أذن لم يبق
في بلدة الكوفة بيت إلا اخترقه صوته،قال الراوي:و اما ابن ملجم فبات في تلك الليلة يفكر
في نفسه و لا يدري ما يصنع،فتارة يعاتب نفسه و يوبخها و يخاف من عقبى فعله،فيهم أن يرجع
عن ذلك،و تارة يذكر قطام لعنها الله و حسنها و جمالها و كثرة مالها فتميل نفسه إليها،فبقي
عامة ليلهيتقلب على فراشه،و هو يترنم بشعره ذلك،إذ أتته الملعونة و نامت معه في فراشه
.الحديث (37) .
قال مصنف الكتاب:هذا الخبر غير صحيح،ثم قال:و الرواية الصحيحة أنه (يعني ابن ملجم) بات
في المسجد و معه رجلان أحدهما شبيب بن بحيرة و الآخر وردان بن مجالد يساعدانه على قتل
علي (عليه السلام) ،فلما أذن (عليه السلام) و نزل من المأذنة و جعل يسبح الله و يقدسه
و يكبره و يكثر من الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال الراوي:و كان من
كرم أخلاقه (عليه السلام) أنه يتفقد النائمين في المسجد،و يقول:للنائم:«الصلاة يرحمك
الله الصلاة،قم إلى الصلاة المكتوبة عليك»ثم يتلو (عليه السلام) : إن الصلاة تنهى عن
الفحشاء و المنكر (38) ففعل ذلك كما كان يفعله على مجاري عادته مع النائمين في المسجد،حتى إذا بلغ إلى الملعون،و
رآه نائما على وجهه،قال له:«يا هذا قم من نومك هذا،فإنها نومة يمقتها الله،و هي نومة
الشيطان،و نومة أهل النار،بل نم على يمينك فإنها نومة العلماء،أو على يسارك فإنها نومة
الحكماء،و لا تنم على ظهرك فإنها نومة الأنبياء»
قال:فتحرك الملعون كأنه يريد أن يقوم و هو من مكانه لا يبرح،فقال له أمير المؤمنين
(عليه السلام) :«لقد هممت بشيء تكاد السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخر الجبال
هدا،و لو شئت لأنبأتك بما تحت ثيابك»ثم تركه و عدل عنه إلى محرابه و قام قائما يصلي،و
كان (عليه السلام) يطيل الركوع و السجود في الصلاة،كعادته في الفرائض و النوافل حاضرا
قلبه،فلما أحس به الملعون نهض مسرعاو أقبل يمشي حتى وقف بإزاء الاسطوانة التي كان الإمام
(ع) يصلي عليها،فأمهله حتى صلى الركعة الاولى و ركع و سجد السجدة الاولى منها و رفع
رأسه،فعند ذلك أخذ السيف و هزه،ثم ضربه على رأسه المكرم الشريف،فوقعت الضربة على الضربة
التي ضربه عمرو بن عبدود العامري،ثم أخذت الضربة إلى مفرق رأسه إلى موضع السجود،فلما
أحس الإمام (عليه السلام) بالضرب لم يتأوه،و صبر و احتسب،و وقع على وجهه و ليس عنده
أحد قائلا«بسم الله و بالله،و على ملة رسول الله».
ثم صاح و قال:«قتلني ابن ملجم،قتلني اللعين ابن اليهودية و رب الكعبة،أيها الناس لا
يفوتنكم ابن ملجم»
و سار السم في رأسه و بدنه،و ثار جميع من في المسجد في طلب الملعون،و ماجوا بالسلاح
فما كنت أرى إلا صفق الأيدي على الهامات،و علوا الصرخات،و كان ابن ملجم ضربه ضربة خائفا
مرعوبا،ثم ولى هاربا و خرج من المسجد.
و أحاط الناس بأمير المؤمنين و هو في محرابه يشد بالضربة و يأخذ التراب و يضعه عليها،ثم
تلا قوله تعالى: منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة اخرى (39) ،ثم قال«جاء أمر الله و صدق رسول الله»،ثم إنه لما ضربه الملعون ارتجت الأرض و ماجت البحار
و السماوات و اصطفقت أبواب الجامع،قال:و ضربه اللعين شبيب بن بجرة فأخطأه،و وقعت الضربة
في الطاق (40) .
و في (شرح ابن أبي الحديد) عن أبي مخنف،عن عبد الله بن محمد الأزدي،قال:إني لأصلي تلك
الليلة في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر،كانوا يصلون في ذلك الشهر من أول الليل
إلى آخره،إذ نظرت إلى رجال يصلون قريبا من السدة قياما و قعودا،و ركوعا و سجودا،ما يسأمون،إذ
خرج عليهم عليبن أبي طالب الفجر،فأقبل ينادي:«الصلاة الصلاة»،فرأيت بريق السيف،و سمعت
قائلا يقول:الحكم لله يا علي لا لك.ثم رأيت بريق سيف آخر،و سمعت صوت علي (عليه السلام)
يقول:«لا يفوتنكم الرجل» (41) .
روى ابن عساكر الشافعي،عن هارون بن أبي يحيى،عن شيخ من قريش:أن عليا (عليه السلام) قالـلما
ضربه ابن ملجم:ـ:«فزت و رب الكعبة» (42) .
9ـقوله (ع) لما ضرب:«فزت و رب الكعبة»
في (الاستيعاب) لابن عبد البرـفي حديثـقال:فضربه عبد الرحمن بن ملجم على رأسه (عليه
السلام) و قال:الحكم لله يا علي،لا لك،و لا لأصحابك.
فقال علي (عليه السلام) :«فزت و رب الكعبة،لا يفوتنكم الكلب»فشد الناس من كل جانب فأخذوه،الحديث (43) .
و في (اسد الغابة) لابن الأثير،بسنده عن هارون بن أبي يحيى،عن شيخ من قريش أن عليا
(عليه السلام) لما ضربه ابن ملجم قال:«فزت و رب الكعبة» (44) .
عن الدينوري في (الإمامة و السياسة) قال:و ضربه على قرنه بالسيف فقال علي (عليه السلام)
«فزت و رب الكعبة» (45) .
عن القندوزي في (ينابيع المودة) قال:و لما ضرب رأسه الشريف بالسيف قال:«فزت و رب الكعبة» (46) .عن عبيد الله الحنفي الأمر تسري في (أرجح المطالب) عن هارون بن يحيى،قال:إن عليا (ع)
لما ضربه ابن ملجم،قال:«فزت برب الكعبة» (47) .
و في تاريخ دمشق بسنده عن شيخ من قريش قال:إن عليا (عليه السلام) قال لما ضربه ابن ملجم
:«فزت و رب الكعبة» (48) .
10ـتعقيب و تكميل.
عندما علا ابن ملجم لعنه الله بسيفه الرأس الشريف لأمير المؤمنين و أنزل ضربته به،و
في الوقت الذي كان إمام المسلمين متضرجا بدمه،أخبر المصلين عن الفاجعة بقوله:«فزت و
رب الكعبة»مترنما بقوله تعالى: منها خلقناكم... فارتفعت الجلبة و الصراخ من القريبين
من أمير المؤمنين،و من ثم عمت أرجاء المسجد بل و الكوفة أيضا.
و في البحار:قال الراوي:فلما سمع الناس الضجة ثار إليه كل من كان في المسجد،و صاروا
يدورون و لا يدرون أين يذهبون من شدة الصدمة و الدهشة،ثم أحاطوا بأمير المؤمنين (عليه
السلام) هو يشد رأسه بمئزره،و الدم يجرى على وجهه و لحيته،و قد خضبت بدمائه،و هو يقول
:«هذا ما وعد الله و رسوله،و صدق الله و رسوله» (49) .
و فيه أيضا:قال:فاصطفقت أبواب الجامع،و ضجت الملائكة في السماء بالدعاء و هبت ريح عاصف
سوداء مظلمة،و نادى جبرئيل (عليه السلام) بين السماء و الأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ:«تهدمت
و الله أركان الهدى،و انطمست و الله نجوم السماء و أعلام التقى،و انفصمت و الله العروة
الوثقى،قتلابن عم محمد المصطفى،قتل الوصي المجتبى،قتل علي المرتضى،قتل و الله سيد الأوصياء،قتله
أشقى الأشقياء قال:
فلما سمعت أم كلثوم نعي جبرئيل،فلطمت على وجهها و خدها و شقت جيبها و صاحت:وا أبتاه
وا علياه،وا محمداه،وا سيداه،ثم أقبلت إلى أخويها الحسن و الحسين فأيقظتهما و قالت لهما
:لقد قتل أبوكما،فقاما يبكيان...فلما وصلا الجامع و دخلا وجدا أبا جعدة بن هبيرة و معه
جماعة من الناس،و هم يجتهدون أن يقيموا الإمام في المحراب ليصلي بالناس،فلم يطق على
النهوض و تأخر عن الصف و تقدم الحسن (عليه السلام) فصلى بالناس،و أمير المؤمنين يصلي
إيماءا من جلوس،و هو يمسح الدم عن وجهه و كريمه الشريف،يميل تارة و يسكن اخرى،إلى أن
قال:
ثم إن الخبر شاع في جوانب الكوفة،و انحشر الناس،حتى المخدرات خرجن من خدرهن إلى الجامع
ينظرن إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فدخل الناس الجامع فوجدوا الحسن و رأس أبيه
في حجره،و قد غسل الدم عنه و شد الضربة و هي بعدها تشخب دما،و وجهه قد زاد بياضا بصفرة،و
هو يرمق السماء بطرفه و لسانه يسبح الله و يوحده و هو يقول:«أسألك يا رب الرفيع الأعلى»فأخذ
الحسن (عليه السلام) رأسه في حجره فوجده مغشيا عليه،فعندها بكى بكاء شديدا،و جعل يقبل
وجه أبيه و ما بين عينيه و موضع سجوده،فسقطت من دموعه قطرات على وجه أمير المؤمنين
(عليه السلام) ،ففتح عينيه فرآه باكيا،فقال له:«يا بنيـيا حسنـما هذا البكاء؟يا بني لا
روع على أبيك بعد اليوم،هذا جدك محمد المصطفى،و خديجة،و فاطمة،و الحور العين محدقون
منتظرون قدوم أبيك،فطب نفسا و قر عينا و اكفف عن البكاء،فإن الملائكة قد ارتفعت أصواتهم
إلى السماء،يا بني أتجزع على أبيك غدا تقتل بعدي مسموما مظلوما؟و يقتل أخوكبالسيف هكذا،و
تلحقان بجدكما و إبيكما و امكما».الحديث (50) .
11ـالمجيء باللعين و إيقافه بين يدي أمير المؤمنين (ع) .
و في (البحار) :و ما كان إلا ساعة و إذا بالصيحة قد ارتفعت،و زمرة من الناس قد جاءوا
بعدو الله ابن ملجم مكتوفا،هذا يلعنه و هذا يضربه،قال فوقع الناس بعضهم على بعض ينظرون
إليه،و هم ينهشون لحمه بأسنانهم،و يقولون له:يا عدو الله،ما فعلت؟أهلكت امة محمد و قتلت
خير الناس؟و إنه لصامت و بين يديه رجل يقال له:حذيفة النخعي،بيده سيف مشهور و هو يرد
الناس عن قتله،و هو يقول:هذا قاتل الإمام علي (عليه السلام) ،حتى أدخلوه المسجد.
إلى أن قال:فلما جاءوا به،أوقفوه بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما نظر إليه
الحسن (عليه السلام) قال له:«يا ويلك يالعين،يا عدو الله،أنت قاتل أمير المؤمنين،و مثكلنا
إمام المسلمين؟هذا جزاؤه منك حيث آواك و قربك و أدناك و آثرك على غيرك؟و هل كان بئس
الإمام لك حتى جازيته بهذا الجزاء يا شقي؟!»
إلى أن قال:فقال له الملعون:يا أبا محمد أفأنت تنقذ من في النار؟فعند ذلك ضجت الناس
بالبكاء و النحيب،فأمرهم الحسن (عليه السلام) بالسكوت،ثم التفت الحسن (عليه السلام)
إلى الذي جاء به (حذيفة) فقال له:«كيف ظفرت بعدو الله و أين لقيته؟»الحديث (51) .
12ـوصية علي (ع) بالرفق بقاتله.
و في (البحار) و في (شرح ابن أبي الحديد) قال:فلما دخل ابن ملجم على أمير المؤمنين
(عليه السلام) ،نظر إليه ثم قال:«النفس بالنفس،فإن أنا مت فاقتلوه كما قتلني،و إن أنا
عشت (52) رأيت فيه رأيي».
فقال ابن ملجم لعنه:و الله و الله لقد ابتعته (يعني سيفه) بألف،و سممته بألف،فإن خانني
فأبعده الله.
قال:و نادته أم كلثوم:يا عدو الله،قتلت أمير المؤمنين؟قال:إنما قتلت أباك.
قالت:يا عدو الله،إني لأرجو أن لا يكون عليه بأس،قال لها:فأراك إنما تبكين علي إذن؟لقد
و الله ضربته ضربة لو قسمت على أهل الأرض (53) لأهلكتهم (54) .
قال أبو الفرج:و أخرج ابن ملجم من بين يديه (عليه السلام) و انصرف الناس من صلاة الصبح،فأحدقوا
بابن ملجم،ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع،و هم يقولون:يا عدو الله،ماذا فعلت؟أهلكت
أمة محمد و قتلت خير الناس،و إنه لصامت ما ينطق،فذهب به إلى الحبس؟ (55) .
و جاء الناس إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالوا له:يا أمير المؤمنين،مرنا بأمرك
في عدو الله،و الله لقد أهلك الامة و أفسد الملة.
فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام) :«إن عشت رأيت فيه رأيي،و إن هلكت فاصنعوا به
كما يصنع بقاتل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) اقتلوه ثم حرقوه بعد ذلك بالنار» (56) .و قال ابن الصباغ المالكي:قال علي (ع) للحسن:«يا حسن أبصروا ضاربي،أطعموه من طعامي،و
اسقوه من شرابي فإن أنا عشت فأنا أولى بحقي،و إن مت فاضربوه ضربة،و لا تمثلوا به،فإني
سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول:إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور» (57) .
و في الحديث التالي أيضا يظهر رفقه (عليه السلام) باللعين إلى أن قبض.
13ـما حدث حين حمله (ع) إلى منزله و ما جرى بعده.
في (البحار) ،قال محمد بن الحنفية:ثم إن أبي (عليه السلام) قال:«احملوني إلى موضع مصلاي
في منزلي».
قال:فحملناه إليه و هو مدنف،و الناس حوله،و هم في أمر عظيم باكين محزونين،قد أشرفوا
على الهلاك من شدة البكاء و النحيب،ثم التفت إليه الحسين و هو يبكي،فقال له:«يا أبتاه،من
لنا بعدك؟لا كيومك إلا يوم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ،من أجلك تعلمت البكاء
يعز و الله علي أن أراك هكذا»فناداه (عليه السلام) فقال:«يا حسين،يا أبا عبد الله أدن
مني»فدنا منه و قد قرحت أجفان عينيه من البكاء،فمسح الدموع من عينيه،و وضع يده على قلبه،و
قال له:«يا بني ربط الله قلبك بالصبر،و أجزل لك و لإخوتك عظيم الأجر،فسكن روعتك،و اهدأ
من بكائك،فإن الله قد آجرك على عظيم مصابك»ثم ادخل إلى حجرته و جلس في محرابه.
ثم قال الراوي:و أقبلت زينب و ام كلثوم حتى جلستا معه على فراشه،و أقبلتا تندبانه و
تقولان:يا أبتاه،من للصغير حتى يكبر؟و من للكبير بين الملأ؟يا أبتاه حزننا عليك طويل،و
عبرتنا لا ترقأ
(58) ،قال:فضج الناس من وراء الحجرة بالبكاء و النحيب،و فاضت دموع أمير المؤمنين عند ذلك و
جعل يقلب طرفه و ينظر إلى أهل بيته و أولاده ثم دعا الحسن و الحسين،و جعل يحضنهما و
يقبلهما،ثم اغمي عليه ساعة طويلة و أفاق....فلما أفاق ناوله الحسن (عليه السلام) قعبا
من لبن فشرب منه قليلا،ثم نحاه عن فيه،و قال:«احملوه إلى أسيركم»ثم قال للحسين (عليه
السلام) :«بحقي عليكـيا بنيـإلا ما طيبتم مطعمه و مشربه،و أرفقوا به إلى حين موتي،و
تطعمه مما تأكل و تسقيه مما تشرب حتى تكون أكرم منه»فعند ذلك حملوا إليه اللبن و أخبروه
بما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حقه فأخذه اللعين و شربه (59) .
14ـما جرى بينه و بين أصحابه و أولاده في مرضه الذي قبض فيه.
ما جرى بينه و بين أصحابه و أولاده كثير نذكر بعضه رعاية للاختصار:
(1) ما جرى بينه (ع) و بين الأصبغ بن نباته.
عن (مجالس المفيد) و (أمالي الشيخ) بالاسناد عن أبي إسحاق السبيعي عن الأصبغ بن نباتة،قال
:لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) غدونا عليه،نفر
من أصحابنا،أنا،و الحارث،و سويد بنغفلة،و جماعة معنا،فقعدنا على الباب،فسمعنا البكاء
فبكينا،فخرج إلينا الحسن بن علي (عليه السلام) فقال:«يقول لكم أمير المؤمنين (عليه السلام)
انصرفوا إلى منازلكم»فانصرف القوم غيري،فاشتد البكاء من منزله،فبكيت،و خرج الحسن (عليه
السلام) و قال:«أ لم أقل لكم انصرفوا؟».
فقلت:لا و اللهـيا بن رسول اللهـلا تتابعني نفسي،و لا تحملني رجلي أن أنصرف حتى أرى
أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:فتلبث (60) ،فدخل و لم يلبث أن خرج،فقال لي:«ادخل»فدخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) فإذا هو
مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء،قد نزف (61) و اصفر وجهه،ما أدري وجهه أصفر أو العمامة،فأكببت عليه فقبلته و بكيت،فقال لي:«لا تبكـيا
أصبغـفإنها و الله الجنة».
فقلت له:جعلت فداك،إني أعلم و الله إنك تصير إلى الجنة،و إنما أبكي لفقداني إياكـيا
أمير المؤمنين،جعلت فداكـحدثني بحديث سمعته من رسول الله فإني أراك لا أسمع منك حديثا
بعد يومي هذا أبدا.
قال:«نعمـيا أصبغـدعاني رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يوما،فقال لي:يا علي
إنطلق حتى تأتي مسجدي،ثم تصعد على منبري،ثم تدعو الناس إليك،فتحمد الله عز و جل و تثني
عليه،و تصلي علي صلاة كثيرة،ثم تقول:
أيها الناس،إني رسول رسول الله إليكم،و هو يقول لكم: (ألا) إن لعنة الله و لعنة ملائكته
المقربين و أنبيائه المرسلين و لعنتي على من انتمى إلى غير أبيه (62) ،أو ادعى إلى غير مواليه،أو ظلم أجيرا أجره،فأتيت مسجده (صلى الله عليه و آله و سلم)
و صعدت منبره،فلما رأتني قريش و من كان في المسجد أقبلوا نحوي،فحمدتالله و أثنيت عليه،و
صليت على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) صلاة كثيرة،ثم قلت:أيها الناس،إني رسول
رسول الله إليكم،و هو يقول لكم:ألا إن لعنة الله و لعنة ملائكته المقربين و أنبيائه
المرسلين و لعنتي على من انتمى إلى غير أبيه،أو ادعى إلى غير مواليه،أو ظلم أجيرا أجره»
.
قال:«فلم يتكلم أحد من القوم إلا عمر بن الخطاب،فإنه قال:قد أبلغتـيا أبا الحسنـو لكنك
جئت بكلام غير مفسر،فقلت:ابلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ،فرجعت إلى
النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فأخبرته الخبر،فقال:ارجع إلى مسجدي حتى تصعد منبري،فأحمد
الله و أثن عليه،و صل علي ثم قل:أيها الناس،ما كنا لنجيئكم بشيء إلا و عندنا تأويله
و تفسيره،ألا و إني أنا أبوكم،ألا و إني أنا مولاكم،ألا و إني أنا أجيركم» (63) .
(توضيح) قوله (عليه السلام) :«ألا و إني أنا أبوكم»يعني أمير المؤمنين (عليه السلام)
،و إنما وصفه بكونه أجيرا لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الإمام (عليه السلام)
لما وجب لهما بإزاء تبليغهما رسالات ربهما إطاعتهما و مودتهما فكأنهما أجيران،كما قال
الله تعالى: قل لا أسالكم عليه أجرا إلا المودة في القربى و يحتمل أن يكون المعنى:من
يستحق الأجر من الله بسببكم (64) .
(2) ما جرى بينه (ع) و بين حبيب بن عمرو.
في (أمالي الصدوق) عن أبي حمزة الثمالي،عن حبيب بن عمرو،قال:دخلت على أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مرضه الذي قبض فيه،فحل عن جراحته،فقلت:يا أمير المؤمنين،ما
جرحك هذا بشيء،و ما بك من بأس،فقال لي:«يا حبيب،أنا و الله مفارقكم الساعة».
قال:فبكيت عند ذلك،و بكت ام كلثوم و كانت قاعدة عنده،فقال لها:«ما يبكيك يا بنية؟»فقالت
:ذكرت يا أبة أنك تفارقنا الساعة فبكيت،فقال لها:«يا بنية،لا تبكين،فو الله لو ترين ما
يرى أبوك ما بكيت».
قال حبيب:فقلت له:و ما الذي ترى،يا أمير المؤمنين؟
فقال:«يا حبيب،أرى ملائكة السماوات و الأرضين و النبيين بعضهم في إثر بعض وقوفا إلى
أن تتلقاني،و هذا أخي محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) جالس عندي يقول:أقدم،فإن
أمامك خير لك مما أنت فيه»قال:فما خرجت من عنده حتى توفي (عليه السلام) ،الحديث (65) .
(3) ما جرى بينه (ع) و بين الحسن (ع) .
روى ابن الصباغ المالكي:قال علي (عليه السلام) للحسن:«يا حسن،أبصروا ضاربي،أطعموه من
طعامي،و اسقوه من شرابي،فإن أنا عشت فأنا أولى بحقي و إن مت فاضربوه ضربة،و لا تمثلوا
به فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول:إياكم و المثلة و لو بالكلب
العقور».
ثم قال:«يا بني عبد المطلب،لا ألفينكم تريقون دماء المسلمين بعدي،تقولون:قتلتم أمير
المؤمنين،ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي»ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض (66) .
و روى ابن عساكر الشافعي،بسنده عن عقبة ابن أبي الصهبا،قال:لما ضرب ابن ملجم عليا (عليه
السلام) دخل عليه الحسن و هو باك،فقال له:«ما يبكيك،يا بني؟»قال:«و مالي لا أبكي و أنت
في أول يوم من الآخرة،و آخر يوم من الدنيا».
فقال:«يا بني احفظ أربعا و أربعا،لا يضرك ما عملت معهن».
قال:«و ما هن،يا أبة؟».
قال:«إن أغنى الغنى العقل،و أكبر الفقر الحمق،و أوحش الوحشة العجب،و أكرم الحسب الكرم
(و) حسن الخلق».
قال الحسن:«قلت:يا أبة،هذه الأربع،فأعطني الأربع الاخر».
قال:«إياك و مصادقة الأحمق،فإنه يريد أن ينفعك فيضرك،و إياك و مصادقة الكذاب،فإنه يقرب
إليك البعيد،و يبعد عليك القريب،و إياك و مصادقة البخيل،فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون
إليه،و إياك و مصادقة الفاجر،فإنه يبيعك بالتافه» (67) .
(4) ما جرى بينه (ع) و بين الطبيب المعالج.
أخرج أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين) بإسناده عن أبيمخنف،قال:حدثني عطية
بن الحرب،عن عمر بن تميم،و عمرو بن أبي بكار:أن عليا (عليه السلام) لما ضرب جمع له أطباء
الكوفة،فلم يكن منهم أحد أعلم بجرحه من أثير بن عمرو بن هاني السكوني،و كان متطببا صاحب
كرسي يعالج الجراحات،و كان من الأربعين غلاما الذين كان خالد بن الوليد أصابهم في عين
التمر فسباهم،و إن أثيرا لما نظر إلى جرح أمير المؤمنين (عليه السلام) ،دعا برئة شاة
حارة،و استخرج عرقا منها فأدخله في الجرح،ثم استخرجه فإذا عليه بياض ألدماغ،فقال له
:يا أمير المؤمنين،إعهد عهدك فإن عدو الله قد وصلت ضربته إلى أم رأسك،فدعا علي (عليه
السلام) عند ذلك بصحيفة و دواة كتب وصيته (68) ،الحديث.كما سياتيك في التالي.
15ـآخر وصيته (ع) لأولاده و شيعته.
ذكرها أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين) و كذا الطبري في (تأريخه) وثقة الإسلام
الكليني (رحمة الله عليه) في (الكافي) و العلامة المجلسي في (البحار) مع اختلاف يسير
في بعض ألفاظها،و نحن نذكر عين ما روى أبو الفرج في (مقاتل الطالبيين) :
بسم الله الرحمن الرحيم
(هذا ما أوصى به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،أوصى بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له،و أن محمدا عبده و رسوله،أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و
لو كره المشركون،صلوات الله و بركاته عليه،إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين
لا شريك له،و بذلك امرت و أنا أولالمسلمين.
أوصيك يا حسن،و جميع ولدي و أهل بيتي،و من بلغه كتابي هذا،بتقوى الله ربنا و لا تموتن
إلا و أنتم مسلمون و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا،فإني سمعت رسول الله يقول
:إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصيام و إن المبيدة الحالقة للدين فساد ذات
البين،و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم،انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون
الله عليكم الحساب.
الله الله في الأيتام،فلا تغبوا أفواههم بحفوتكم (69) .
و الله الله في جيرانكم،فإنها وصية رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فما زال يوصينا
بهم حتى ظننا أنه سيورثهم.
و الله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم.
و الله الله في الصلاة فإنها عماد دينكم.
و الله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم،فإنه إن ترك لم تناظروا،و إنه إن خلا
منكم لم تنظروا.
و الله الله في صيام شهر رمضان،فإنه جنة من النار.
و الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم و أنفسكم.
و الله الله في زكاة أموالكم،فإنها تطفىء غضب ربكم.
و الله الله في امة نبيكم،فلا يظلمن بين أظهركم.
و الله الله في أصحاب (امة) نبيكم،فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أوصى بهم
.
و الله الله في الفقراء و المساكين،فأشركوهم في معائشكم.و الله الله في ما ملكت أيمانكم،فإنها
كانت آخر وصية رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذ قال:اوصيكم بالضعيفين فيما
ملكت أيمانكم».
ثم قال:الصلاة الصلاة،لا تخافوا في الله لومة لائم،فإنه يكفكم من بغي عليكم و أرادكم
بسوء،قولوا للناس حسنا كما أمركم الله،و لا تتركوا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر،فيولي
الأمر عنكم (70) و تدعون فلا يستجاب لكم،عليكم بالتواضع و التباذل و التبار،و إياكم و التقاطع و التفرق
و التدابر و تعاونوا على البر و التقوى و لا تعاونوا على الإثم و العدوان و اتقوا الله
إن الله شديد العقاب (71) .
حفظكم الله من أهل بيت و حفظ فيكم نبيه،استودعكم الله خير مستودع،و أقرأ عليكم سلام
الله و رحمته» (72) .
و في حديث آخر،بعد ما جمع أولاده و أهل بيته،و ودعهم،ثم و أوصى الجميع بلزوم الإيمان،و
الأديان،و الأحكام التي أوصاه بها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و تأكد بالصبر
و الإستقامة،و بعد بيان ترتيب تغسيله و تكفينه و الصلاة،عليه و دفنه.
ثم قال:«يا أبا محمد،و يا أبا عبد الله،كأني بكما و قد خرجت عليكما من بعدي الفتن من
هاهنا،فأصبرا حتى يحكم الله و هو خير الحاكمين»،ثم قال:«يا أبا عبد الله،أنت شهيد هذه
الامة،فعليك بتقوى الله و الصبر على بلائه».
ثم اغمي عليه ساعة و أفاق،و قال:«هذا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)و عمي حمزة
و أخي جعفر و أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و كلهم يقولون:عجل قدومك
علينا،فإنا إليك مشتاقون»ثم أدار عينيه في أهل بيته كلهم،و قال:«أستودعكم الله جميعا،سددكم
الله جميعا حفظكم الله جميعا،خليفتي عليكم الله و كفى بالله خليفة».
ثم قال:«و عليكم السلام يا رسل ربي».
ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون إن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون (73) .
و عرق جبينه و هو يذكر الله كثيرا،و ما زال يذكر الله كثيرا و يتشهد الشهادتين،ثم استقبل
القبلة و غمض عينيه و مد رجليه و يديه،و قال:«أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له،و أشهد أن محمدا عبده و رسوله»ثم قضى نحبه.
و كانت وفاته في ليلة إحدى و عشرين من شهر رمضان،و كانت ليلة الجمعة سنة أربعين من الهجرة (74) .
قال ابن الأثير:إنه (عليه السلام) بعد وصيته لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى توفي
(عليه السلام) (75) .
16ـوصيته (ع) بالتغسيل و التكفين و...على نحو خاص.
قال محمد بن الحنفية:لما كانت ليلة إحدى و عشرين و أظلم الليل،و هي الليلة الثانية من
الكائنة،جمع أبي أولاده و أهل بيته،و ودعهم إلى أن قال:«أحسن الله لكم العزاء،ألا و
إني منصرف عنكم،و راحل في ليلتي هذه،و لاحق بحبيبيمحمد (ص) كما و عدني،فإذا أنا مت
يا أبا فغسلني و كفني و حنطني ببقية حنوط جدك رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)
،فإنه من كافور الجنة جاء به جبرئيل (عليه السلام) إليه
(76) ،ثم ضعني على سريري،و لا يتقدم أحد منكم مقدم السرير،و احملوا مؤخره،و اتبعوا مقدمه،فأي
موضع وضع المقدم فضعوا المؤخر،فحيث قام سريري فهو موضع قبري،ثم تقدم يا أبا محمد،وصل
علي يا بني يا حسن،و كبر علي سبعا،و اعلم أنه لا يحل ذلك على أحد غيري إلا على رجل يخرج
في آخر الزمان إسمه القائم المهدي من ولد أخيك الحسين،يقيم إعوجاج الحق،فإذا أنت صليت
علي يا حسن فنح السرير عن موضعه،ثم اكشف التراب عنه فترى قبرا محفورا،و لحدا مثقوبا،و
ساجة منقوبة،فأضجعني فيها،فإذا أردت الخروج من قبري فافتقدني،فإنك لا تجدني،و إني لا
حق بجدك رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ،و اعلم يا بني،ما من نبي يموت و إن
كان مدفونا بالمشرق و يموت وصيه بالمغرب إلا و يجمع الله عز و جل بين روحيهما و جسديهما،ثم
يفترقان،فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره،و إلى موضعه الذي حط فيه،ثم اشرج (77) اللحد باللبن،و أهل التراب علي،ثم غيب قبري».
قال المجلسي:و كان غرض مولانا علي (عليه السلام) بإخفاء قبره لئلا يعلم بموضع قبره أحد
من بني أمية،فإنهم لو علموا بموضع قبره لحفروه و أخرجوه و أحرقوه كما فعلوا بزيد بن
علي بن الحسين (عليهما السلام) .
قال الإمام:«ثم يا بني بعد ذلك إذا أصبح الصباح أخرجوا تابوتا إلى ظاهر الكوفة على ناقة،و
امر بمن يسيرها بما عليها كأنما تريد المدينة،بحيث يخفىعلى العامة موضع قبري الذي تضعني
فيه،و كأني بكم و قد خرجت عليكم الفتن من ههنا و ههنا،فعليكم بالصبر فهو محمود العاقبة (78) .
17ـفي تجهيزه (ع) و الصلاة عليه خفاء.
بعد وصيته (عليه السلام) ،بقي إلى نحو ثلث الليل و توفي،فصرخت بناته و نساؤه و ارتفعت
الصيحة في القصر،فعلم أهل الكوفة أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد قبض،فأقبل الرجال
و النساء يهرعون أفواجا أفواجا،و صاحوا صيحة عظيمة فارتجت الكوفة بأهلها،و كثر البكاء
و النحيب،و كثر الضجيج بالكوفة و قبائلها و دورها و جميع أقطارها،فكان ذلك كيوم مات
فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلما توفى غسله الحسن و الحسين (عليهما السلام)
و محمد يصب الماء (79) .
فلما صعد روحه (عليه السلام) إلى السماء،و استشهد في الليلة الحادية و العشرين من رمضان
من سنة أربعين من الهجرة،قال محمد بن الحنفية:ثم أخذنا في جهازه ليلا،و كان الحسن (عليه
السلام) يغسله و الحسين (عليه السلام) يصب الماء عليه،و كان (عليه السلام) لا يحتاج
إلى من يقلبه،بل كان يتقلب كما يريد الغاسل يمينا و شمالا،و كانت رائحته أطيب من رائحة
المسك و العنبر،ثم نادى الحسن (عليه السلام) بأخته زينب و ام كلثوم،و قال:«يا اختاه،هلمي
بحنوط جدي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) »فبادرت زينب مسرعة حتى أتته به.
قال الراوي:فلما فتحته فاحت الدار و جميع الكوفة و شوارعها لشدةرائحة ذلك الطيب،ثم لفوه
بخمسة أثواب كما أمر (عليه السلام) ،ثم وضعوه على السرير،و تقدم الحسن و الحسين (عليهما
السلام) إلى السرير من مؤخره،و إذا مقدمه قد ارتفع و لا يرى حامله،و كان حاملاه من مقدمه
جبرئيل و ميكائيل،فما مر بشيء على وجه الأرض إلا انحنى له ساجدا،و خرج السرير من مايل
باب كندة،فحملا مؤخره و سارا يتبعان مقدمه.
قال ابن الحنفية (رضي الله عنه) :و الله لقد نظرت إلى السرير و إنه ليمر بالحيطان و
النخل فتنحني له خشوعا،و مضى مستقيما إلى النجف إلى موضع قبره الآن.
قال:و ضجت الكوفة بالبكاء و النحيب،و خرجن النساء يتبعنه لاطمات حاسرات،فمنعهن الحسن
(عليه السلام) و نهاهن عن البكاء و العويل،و ردهن إلى أماكنهن،و الحسين (عليه السلام)
يقول:«لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم،إنا لله و إنا إليه راجعون،يا أباه وا
انقطاع ظهراه،من أجلك تعلمت البكاء،إلى الله المشتكى» (80) .
18ـكيفية دفنه (ع) .
فلما انتهينا إلى قبره و إذا مقدم السرير قد وضع،فوضع الحسن (عليه السلام) مؤخره،ثم
قام الحسن (عليه السلام) و صلى عليه و الجماعة خلفه،فكبر سبعا كما أمره به أبوه (عليه
السلام) ،ثم زحزحنا سريره و كشفنا التراب،و إذا نحن بقبر محفور و لحد مشقوق و ساجة منقورة،مكتوب
عليها:«هذا ما ادخره له جده نوحالنبي للعبد الصالح الطاهر المطهر»فلما أرادوا إنزاله
سمعوا هاتفا يقول:أنزلوه إلى التربة الطاهرة،فقد اشتاق الحبيب إلى الحبيب،فدهش الناس
عند ذلك و تحيروا،و الحد أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل طلوع الفجر (81) .
في (إرشاد المفيد (رحمة الله عليه) ) :ما رواه عباد بن يعقوب الراوجني،قال:حدثنا حيان
بن علي العنزي،قال حدثني مولى لعلي بن أبي طالب،قال:لما حضرت أمير المؤمنين الوفاة قال
للحسن و الحسين (عليهما السلام) :«إذا أنا مت فاحملاني على سريري،ثم أخرجاني،و احملا
مؤخر السرير،فإنكما تكفيان مقدمه،ثم أئتيا بي الغريين فإنكما ستريان صخرة بيضاء تلمع
نورا فاحتفرا فيها،فإنكما تجدان فيها ساجة،فأدفناني فيها».
قال:فلما مات أخرجناه و جعلنا نحمل مؤخر السرير و نكفي مقدمه،و جعلنا نسمع دويا و حفيفا
حتى أتينا الغريين،فإذا صخرة بيضاء يلمع نورها،فاحتفرنا فإذا ساجة مكتوب عليها:«هذه
ما ادخرها نوح لعلي بن أبي طالب»فدفناه فيها و انصرفنا،و نحن مسرورون بإكرام الله لأمير
المؤمنين (عليه السلام) ،فلحقنا قوم من الشيعة لم يشهدوا الصلاة عليه،فأخبرناهم بما
جرى و بإكرام الله عز و جل لأمير المؤمنين،فقالوا:نحب أن نعاين من أمره ما عاينتم؟
فقلنا لهم:إن الموضع قد عفي أثره بوصية منه،فمضوا و عادوا إلينا،فقالوا:إنهم احتفروا
فلم يجدوا شيئا (82) .
و فيه أيضا:عن محمد بن عمارة:عن أبيه عن جابر بن يزيد الجعفي،قال:سألت أبا جعفر محمد
بن علي الباقر (عليهما السلام) :أين دفن أمير المؤمنين؟.
فقال:«دفن بناحية الغريين،و دفن قبل طلوع الفجر،و دخل قبره الحسنو الحسين و محمد بنو
علي و عبد الله بن جعفر (عليهم السلام) » (83) .
19ـقول صعصعة بن صوحان على قبره (ع) .
و في (البحار) :لما الحد أمير المؤمنين (عليه السلام) وقف صعصعة بن صوحان العبدي (رضي
الله عنه) على القبر،و وضع إحدى يديه على فؤاده و الاخرى قد أخذ بها التراب و يضرب به
رأسه،ثم قال:بأبي أنت و امي يا أمير المؤمنين،ثم قال:هنيئا لك يا أبا الحسن،فلقد طاب
مولدك،و قوي صبرك،و عظم جهادك،و ظفرت برأيك،و ربحت تجارتك،و قدمت على خالقك،فتلقاك الله
ببشارته،و حفتك ملائكته،و استقررت في جوار المصطفى،فأكرمك الله بجواره،و لحقت بدرجة
أخيك المصطفى،و شربت بكأسه الأوفى،فأسأل الله أن يمن علينا باقتفائنا أثرك،و العمل بسيرتك،و
الموالاة لأوليائك،و المعاداة لأعدائك،و أن يحشرنا في زمرة أوليائك،فقد نلت ما لم ينله
أحد،و أدركت ما لم يدركه أحد،و جاهدت في سبيل ربك بين يدي أخيك المصطفى حق جهاده،و قمت
بدين الله حق القيام.حتى أقمت السنن و أبرت (84) الفتن،و استقام الإسلام،و انتظم الإيمان،فعليك مني أفضل الصلاة و السلام.
ثم قال:بك أشتد ظهر المؤمنين،و اتضحت أعلام السبل،و اقيمت السنن،و ما جمع لأحد مناقبك
و خصالك،سبقت إلى إجابة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ،مقدما مؤثرا،و سارعت إلى
نصرته،و وقيته بنفسك،و رميت سيفك ذا الفقار فيمواطن الخوف و الحذر،قصم الله بك كل جبار
عنيد،و ذل بك كل ذي بأس شديد،و هدم بك حصون أهل الشرك و الكفر و العدوان و الردى،و قتل
بك أهل الضلال من العدى،فهنيئا لك يا أمير المؤمنين،كنت أقرب الناس من رسول الله (صلى
الله عليه و آله و سلم) قربا و أولهم سلما،و أكثرهم علما و فهما،فهنيئا لك يا أبا الحسن،لقد
شرف الله مقامك و كنت أقرب الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نسبا،و
أولهم إسلاما،و أوفاهم يقينا،و أشدهم قلبا،و أبذلهم لنفسه مجاهدا،و أعظمهم في الخير
نصيبا،فلا حرمنا الله أجرك و لا أذلنا بعدك،فو الله لقد كانت حياتك مفاتح للخير و مغالق
للشر،و إن يومك هذا مفتاح كل شر و مغلاق كل خير،و لو أن الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم
و من تحت أرجلهم،و لكنهم آثروا الدنيا على الآخرة.
ثم بكى بكاء شديدا و أبكى كل من كان معه،و عدلوا إلى الحسن،و الحسين،و محمد،و جعفر،و
العباس،و يحيى،و عون،و عبد الله (عليهم السلام) فعزوهم في أبيهم (صلوات الله عليه) ،و
انصرف الناس،و رجع أولاد أمير المؤمنين (عليه السلام) و شيعتهم إلى الكوفة و لم يشعر
بهم أحد من الناس،فلما طلع الصباح و بزغت الشمس أخرجوا تابوتا من دار أمير المؤمنين
(عليه السلام) ،و أتوا به إلى المصلى بظاهر الكوفة،ثم تقدم الحسن (عليه السلام) و صلى
عليه و رفعه على ناقة و سيرها مع بعض العبيد (85) .
20ـأشعار سودة في رثاء مولاها علي (ع) .
و قالت سودة بنت عمارة في رثاء مولاها أمير المؤمنين (عليه السلام) .و هي تبكي عليا
و تقول:
صلى الإله على جسم تضمنه
قبر فأصبح فيه الجود مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلا
فصار بالحق و الإيمان مقرونا (86)
و ممن رثاه في ذلك الوقت أبو الأسود الدؤلي.
ألا أبلغ معاوية بن حرب
فلا قرت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا
بخير الناس طرا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا
و ذللها و من ركب السفينا
و من لبس النعال و من حذاها
و من قرأ المثاني و المبينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين
رأيت النور فوق الناظرينا
لقد علمت قريش حيث كانت
بأنك خيرهم حسبا و دينا (87)
21ـقد بكت و ارتجت السماوات و الأرض و الملائكة و الجن و الإنس عند قبض روحه الشريف
.
في البحار،قال الراوي:فعند ذلك (عند قبض روحه الشريف) صرختزينب بنت علي (عليه السلام)
،و ام كلثوم،و جميع نسائه و قد شقوا الجيوب،و لطموا الخدود،و ارتفعت الصيحة في القصر،فعلم
أهل الكوفة أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد قبض،فأقبل النساء و الرجال يهرعون أفواجا
أفواجا،و صاحوا صيحة عظيمة،فارتجت الكوفة بأهلها،و كثر البكاء و النحيب،و كثر الضجيج
بالكوفة و قبائلها و دورها و جميع أقطارها،فكان ذلك كيوم مات فيه رسول الله (صلى الله
عليه و آله و سلم) ،فلما أظلم الليل،تغير افق السماء،و ارتجت الأرض،و جميع من عليها
بكوه،و كنا نسمع جلبة و تسبيحا في الهواء،فعلمنا أنها من أصوات الملائكة،فلم يزل كذلك
إلى أن طلع الفجر،ثم ارتفعت الأصوات و سمعنا هاتفا بصوت يسمعه الحاضرون و لا يرون شخصه
يقول:
بنفسي و مالي ثم أهلي و اسرتي
فداء لمن أضحى قتيل ابن ملجم
علي رقى فوق الخلائق في الوغى
فهدت به أركان بيت المحرم
علي أمير المؤمنين و من بكت
لمقتله البطحا و أكناف زمزم
يكاد الصفا و المشعران كلاهما
يهدا و بان النقص في ماء زمزم
و أصبحت الشمس المنير ضياؤها
لقتل علي لونها لون دلهم
(88)
و ظل له افق السماء كآبة
كشقة ثوب لونها لون عندم (89)
و ناحت عليه الجن إذ فجعت به
حنينا كثكلى نوحها بترنم
و أضحى إليها الجود و النبل مقتما (90)
و كان التقى في قبره المتهدم
و أضحى التقى و الخير و الحلم و النهى
و بات العلى في قبره المتهدم
لفقد علي خير من وطىء الحصى
أخي العالم الهادي النبي المعظم
فالمعنى عند ذلك أن السماوات و الأرض و الملائكة و الجن و الإنس قد بكت ورثته في تلك
الليلة،و سمعنا في الهواء جلبة عظيمة و تسبيحا و تقديسا،فعلمنا أنها أصوات الملائكة،فلم
تزل كذلك حتى بدا الصباح،فارتفعت الأصوات،فخرجنا و إذا بصائح في الهواء و هو يقول:
يا للرجال لعظم هول مصيبة
قدحت فليس مصابها بالهازل
و الشمس كاسفة لفقد إمامنا
خير الخلائق و الإمام العادل
يا خير من ركب المطي و من مشى
فوق الثرى من حافي أو ناعل
يا سيدي و لقد هددت قواءنا
و الحق أصبح خاضعا للباطل (91)
22ـفي الآية التي ظهرت صباح شهادة علي (ع) .
في (فرائد السمطين) بسنده عن ابن شهاب،قال:قدمت دمشق و أنا اريد الغزو،فأتيت عبد الملك
بن مروان لا سلم عليه،قال:فوجدته في قبة على عرش يقرب القائمـأو يفوق القائمـو الناس
تحته سماطين،فسلمت ثم جلست،فقال لي:يا ابن شهاب،أتعلم ما كان في بيت المقدس صباح قتل
علي ابن أبي طالب (عليه السلام) ؟
فقلت:نعم،فقال:هلم،فقمت من وراء الناس حتى أتيت خلف القبة فحول إلي وجهه فأحنى (92) علي،فقال:ما كان؟فقلت لم يرفع حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم!!فقال:لم يبق أحد يعلم
هذا غيري،و غيرك و لا يسمعنمنك أحد (93) .
و روى في مستدرك الصحيحين بسنده عن ابن شهاب مثله إلا أنه زاد في ذيله:فما حدثت به حتى
توفي (94) .
و في (تاريخ دمشق) روى هذا الحديث مع اختلاف في اللفظ (95) .
و في (فرائد السمطين) أيضا بسنده عن الزهري:أن أسماء الأنصارية قالت:ما رفع حجر بإيلياـيعني
حين قتل علي بن أبي طالبـإلا وجد تحته دم عبيط (96) .
و في (البحار) عن أبي حمزة،عن الصادق (عليه السلام) ،و قد روى أيضا عن سعيد بن المسيب
:أنه لما قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يرفع من وجه الأرض حجر إلا وجد تحته دم
عبيط
(97) .
و فيه أيضا عن ابن عباس،قال:قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) :«إن السماء
و الأرض لتبكي على المؤمن إذا مات أربعين صباحا،و إنها لتبكي على العالم إذا مات أربعين
شهرا،و إن السماء و الأرض ليبكيان على الرسول أربعين سنة و إن،السماء و الأرض ليبكيان
عليك،يا علي إذا قتلت،أربعين سنة»قال ابن عباس:لقد قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)
على الأرض بالكوفة،فأمطرت السماء ثلاثة أيام دما (98) .
23ـفيما قيل من بكاء معاوية عند ما بلغه نعي أمير المؤمنين (ع) .
في (تأريخ دمشق) عن المغيرة،قال:جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية،و هو نائم مع امرأته
فاخته بنت قرظة،فقعد باكيا مسترجعا!!!فقالت له فاختة:أنت بالأمس تطعن عليه و اليوم تبكي
عليه؟فقال:ويحك أنا أبكي لما فقد الناس من حلمه و علمه!! (99) .
و فيه أيضا عن المغيرة قال:لما جيء معاوية بنعي علي (عليه السلام) و هو قائل مع امرأته
بنت قرظة في يوم صائف قال:إنا لله و إنا إليه راجعون،ماذا فقدوا من العلم و الحلم و
الفضل و الفقه،فقالت امرأته:أنت بالأمس تطعن في عينيه،و تسترجع اليوم عليه؟قال:ويلك
لا تدرين ماذا فقدوا من علمه و فضله و سوابقه (100) .
24ـفي كيفية قتل ابن ملجم لعنه الله.
في (البحار) قال الراوي:ثم إنه لما رجع أولاد أمير المؤمنين (عليه السلام) و أصحابه
إلى الكوفة و اجتمعوا لقتل اللعين عدو الله ابن ملجم،فقال عبد الله بن جعفر:إقطعوا يديه
و رجليه و لسانه و اقتلوه بعد ذلك،و قال ابن الحنفية (رحمة الله عليه) :اجعلوه غرضا
للنشاب و أحرقوه بالنار،و قال آخر:اصلبوه حيا حتىيموت.
فقال الحسن (عليه السلام) :«أنا ممتثل فيه ما أمرني به أمير المؤمنين (عليه السلام)
أضربه ضربة بالسيف حتى يموت فيها،و أحرقه بالنار بعد ذلك».
قال:فأمر الحسن (عليه السلام) أن يأتوه به فجاءوا به مكتوفا حتى أدخلوه إلى الموضع الذي
ضرب فيه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) و الناس يلعنونه و يوبخونه،و هو ساكت
لا يتكلم،فقال الحسن (عليه السلام) :«يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين (عليه السلام)
و إمام المسلمين و أعظمت الفساد في الدين».
فقال لهما:يا حسن،و يا حسين،عليكما السلام ما تريدان تصنعان بي؟قالا له:«نريد قتلك كما
قتلت سيدنا و مولانا».
فقال لهما:اصنعا ما شئتما أن تصنعا،و لا تعنفا من استزله الشيطان فصده عن السبيل،و لقد
زجرت نفسي فلم تنزجز و نهيتها فلم تنته،فدعها تذوق و بال أمرها و لها عذاب شديد،ثم بكى
.
فقال له:«يا ويلك،ما هذه الرقة؟أين كانت حين وضعت قدمك و ركبت خطيئتك؟»فقال ابن ملجم
لعنه الله: إستحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله اولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان
هم الخاسرون (101) و لقد انقضى التوبيخ و المعايرة و إنما قتلت أباك و حصلت بين يديك،فاصنع ما شئت،و خذ
بحقك مني كيف شئت؟
ثم برك على ركبتيه،و قال:يا بن رسول الله،الحمد لله الذي أجرى قتلي على يديك،فرق له
الحسن (عليه السلام) لأن قلبه كان رحيما،فقام الحسن (عليهالسلام) و أخذ السيف بيده
و جرده من غمده،فهز به (102) حتى لاح الموت في حده،ثم ضربه ضربة أدار بها عنقه،فاشتد زحام الناس عليه،و علت أصواتهم،فلم
يتمكن من فتح باعه فارتفع السيف إلى باعه فأبرأه،فانقلب عدو الله على قفاه يخور في دمهآإلى
أن قال:و عجل الله بروحه إلى النار و بئس القرار،ثم جمعوا جثته و اخرجوه من المسجد،و
جمعوا له حطبا و أحرقوه بالنار (103) .
و قيل:طرحوه في حفرة و طموه بالتراب و هو يعوي كعوي الكلاب في حفرته إلى يوم القيامة (104) .
في تاريخ الطبري،و كذا الكامل في التاريخ:فلما قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) ،بعث
الحسن إلى ابن ملجم فقال للحسن:هل لك في خصلة؟إني و الله ما أعطيت الله عهدا إلا وفيت
به،إني كنت قد أعطيت الله عهدا عند الحطيم
(105) أن أقتل عليا و معاوية،أو أموت دونهما،فإن شئت خليت بيني و بينه،و لك الله علي إن لم
أقتله أو قتلته ثم بقيت أن آتيك حتى أضع يدي في يدك،فقال له الحسن:«أما و الله حتى تعاين
النار،فلا»،ثم قدمه فقتله،ثم أخذه الناس فأدرجوه في بواري،ثم أحرقوه بالنار (106) .
25ـفي كيفية قتل قطام،و وردان،و شبيب الذين ساعدوا ابن ملجم في جريمته.
فلما فرغ الناس من قتل ابن ملجم لعنه الله تعالى،قال العلامة المجلسي في البحار:أقبلوا
إلى قطام الملعونة الفاسقة الفاجرة فقطعوها بالسيف إربا إربا،و نهبوا دارها،ثم أخذوها
و أخرجوها إلى ظاهر الكوفة،و أحرقوها بالنار،و عجل الله بروحها إلى النار و غضب الجبار (107) .
و أما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في المسجد الجامع،فإن وردان قد هرب و دخل بين
الناس فنجى بنفسه،و أما شبيب بن بجرة
(108) فأخطأه فوقعت ضربته بعضادة الباب و هرب،فأخذه رجل فصرعه،و جلس على صدره و أخذ السيف من
يده ليقتله به،فرأى الناس يقصدون نحوه،فخشي أن يعجلوا عليه و لم يسمعوا منه،فوثب عن
صدره و خلاه،و طرح السيف من يده،و مضى شبيب هاربا حتى دخل منزله،و دخل عليه ابن عم له
فرآه يحل الحرير عن صدره،فقال له:ما هذا،لعلك قتلت أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟فأراد
أن يقول:لا،قال:نعم،فمضى ابن عمه و اشتمل على سيفه،ثم دخل عليه فضربه حتى قتله (109) .
26ـخطبة ريحانة الرسول (ص) الحسن بن علي (ع) بعد شهادة أبيه.
قال ابن عبد البر في الاستيعاب:إنه ثبت عن الحسن بن علي (عليه السلام) من وجوه،أنه
(عليه السلام) قال:«لم يترك أبي إلا ثمانمائة درهمـأو سبعمائة درهمـفضلت من عطائه كان
يعدها لخادم يشتريه لأهله» (110) .
في (تاريخ دمشق) عن عمرو بن حبشي،قال:خطبنا الحسن بن علي (عليه السلام) بعد قتل علي
(عليه السلام) ،فقال:«لقد فارقكم رجل بالأمس ما سبقه الأولون بعلم،و لا أدركه الآخرون،إن
كان ليبعثه و يعطيه الراية فلا ينصرف حتى يفتح له،ما ترك من صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة
درهم فضلت من عطائه كان يرصدها لخادم لأهله»
(111) .
و فيه أيضا:عن هبيرة بن يريم روى مثله،إلا أنه قال:«و إن جبرئيل عن يمينه و ميكائيل
عن شماله،ما ترك صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها
خادما» (112) .
و في (فرائد السمطين) روى الحديث بعينه عن هبيرة بن يريم إلا أنه قال في ذيله:«إلا ثمانمائة
درهم في ثمن خادم» (113) .
و في (فرائد السمطين) أيضا بسنده عن معتمر بن سليمان،قال:سمعت أبي قال:سمعت الحريث بن
المخش يحدث أن عليا قتل صبيحة إحدى و عشرينمن رمضان،قال:فسمعت الحسن بن علي و هو يخطب
و يذكر مناقب علي و قال:«قتل (في) ليلة انزل (فيها) القرآن،و ليلة اسري (فيها) بعيسى
بن مريمـأو قال:بموسىـو ليلة كان كذا و كذا» (114) .
صورة اخرى
قال المسعودي في (تاريخه) :و كان كما قال الحسن (عليه السلام) :«و الله لقد قبض فيكم
الليلة رجل ما سبقه الأولون إلا بفضل النبوة،و لا يدركه الآخرون،و إن رسول الله (صلى
الله عليه و آله و سلم) كان يبعثه المبعث فيكتنفه جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره،فلا
يرجع حتى يفتح الله عليه».
ثم قال المسعودي،و لم يترك صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة درهم بقيت من عطائه،أراد أن
يشتري بها خادما لأهله.
و قال بعضهم:ترك لأهله مأئتين و خمسين درهما و مصحفه و سيفه (115) .
صورة ثالثة
روى أبو الفرج الأصفهاني في (مقاتل الطالبيين) بإسناده إلى حسن بن زيد بن علي بن الحسين
بن زيد بن الحسن عن أبيه،دخل حديث بعضهم في حديث بعض و المعنى قريب،قالوا:خطب الحسن
بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ،فقال:«لقد قبض في هذه الليلة رجل
لم يسبقه الأولون بعمل،و لا يدركه الآخرون بعمل،و لقد كان يجاهد مع رسول الله (صلى الله
عليه و آله و سلم) فيقيه بنفسه،و لقد كان يوجهه برايته،فيكتنفه جبرئيل عن يمينه،و ميكائيل
عن يساره،فلا يرجع حتى يفتح الله عليه،و لقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسى
بن مريم،و لقد توفي فيها يوشع بن نون وصي موسى،و ما خلف صفراء و لا بيضاء إلا سبعمائة
درهم بقيت من عطائه،أراد أن يبتاع بها خادما لأهله»ثم خنقته العبرة فبكى،و بكى الناس
معه،ثم قال:«أيها الناس من عرفني فقد عرفني،و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد (ص) أنا
ابن البشير،أنا ابن النذير،أنا ابن الداعي إلى الله عز و جل بإذنه،و أنا ابن السراج
المنير،و أنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا،و الذين افترض
الله مودتهم في كتابه إذ يقول: و من يقترف حسنة نزد له فيها حسنا فاقتراف الحسنة مودتنا
أهل
البيت» (116) .
صورة رابعة
و في (أمالي الصدوق) (رحمة الله عليه) روى عن حبيب بن عمرو في حديث إلى أن قال: (117) فلما كان من الغدـبعد وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) ـو أصبح الحسن (عليه السلام)
قام خطيبا على المنبر فحمد الله و أثنى عليه،ثم قال:«أيها الناس،في هذه الليلة نزل القرآن،و
في هذه الليلة رفع عيسى بن مريم (عليه السلام) و في هذه الليلة قتل يوشع بن نون،و في
هذه الليلة مات أبي أمير المؤمنين (عليه السلام) ،و الله لا يسبق أبي أحد كان قبله من
الأوصياء إلى الجنة و لا من يكون بعده،و إن كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)
ليبعثه في السرية فيقاتل جبرئيل عن يمينهو ميكائيل عن يساره،و ما ترك صفراء و لا بيضاء
إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه،كان يجمعها ليشتري بها خادما لأهله» (118) .
27ـفي فضل زيارته (ع)
في المناقب لابن شهر آشوب:عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) :«من زار عليا بعد وفاته
فله الجنة» (119) .
و فيه عن الصادق (عليه السلام) :«من ترك زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) لم ينظر
الله إليه،ألا تزورون من تزوره الملائكة و النبيون» (120) .
و زاد المفيد في المقنعة:«إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أفضل من كل الأئمة،و له مثل
ثواب أعمالهم،و على قدر أعمالهم فضلوا (121) .
و فيه أيضا عنه (عليه السلام) :«إن أبواب السماء لتفتح عند دعاء الزائر لأمير المؤمنين
(عليه السلام) ،فلا تكن عن الخير نواما» (122) .
قال ابن مدلل:
زر بالغري العالم الرباني
علم الهدى و دعائم الإيمان
و قل:السلام عليك،يا خير الورى
يا أيها النبأ العظيم الشأن
يا من على الأعراف يعرف فضله
يا قاسم الجنات و النيران
نار تكون قسيمها يا عدتي
أنا آمن منها على جثماني
و أنا مضيفك و الجنان لي القرى
إذ أنت أنت مورد الضيفان (123)
و كتب على مشهده (عليه السلام) :
هذا ولي الله في أرضه
في جنة الخلد و آلائه
لا يقبل الله له زائرا
لم يبر من سائر اعدائه (124)
28ـمختصر زيارته (ع)
قال المفيد في المقنعة:تأتي مشهده.ـو أنت على غسلـفتقف على القبر،و تستقبله بوجهك:تجعل
القبلة بين كتفيك كما فعلت في زيارة النبي (ص) ،و تقول:
السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته،السلام عليك يا ولي الله،السلام
عليك يا صفوة الله،السلام عليك يا حبيب الله،السلام عليك يا حجة الله،السلام عليك يا
سيد الوصيين،السلام عليك يا خليفة رسول رب العالمين،أشهد أنك قد بلغت عن رسول الله
(صلى الله عليه و آله و سلم) ما حملك،و حفظت ما استودعك،و حللت حلال الله،و حرمت حرام
الله،و تلوت كتاب الله،و صبرت على الأذى في جنب الله،محتسبا حتى أتاك اليقين،لعن الله
من خالفك،و لعن الله من قتلك،و لعن الله من بلغه ذلك فرضي به:أنا إلى الله منهم براء
.
ثم انكب على القبر،و قبله،و ضع خدك الأيمن عليه،ثم الأيسر،و تحول إلى عند الرأس فقف
عليه،و قل:السلام عليك يا وصي الأوصياء،و وارث علم الأنبياء،أشهد لك يا ولي الله بالبلاغ
و الأداء،أتيتك بأبي أنت و أمي زائرا عارفا بحقك،مستبصرا بشأنك مواليا لأوليائك،معاديا
لأعدائك،متقربا إلى الله بزيارتك في خلاص نفسي،و فكاك رقبتي من النار،و قضاء حوائجي
للآخرة و الدنيا،فاشفع لي عند ربك،صلوات الله عليك و رحمة الله و بركاته.
قبل القبر،وضع خديك عليه،و ارفع رأسك،و صل ست ركعات،و سلم في كل اثنتين منها،و ادع بما
أحببت إن شاء الله.
ثم تحول إلى عند الرجلين،و قل:السلام عليك يا مولاي و رحمة الله و بركاته.
و ادع هناك بما أحببت إن شاء الله (125) .
سلام الله عليه و على أخيه و ابن عمه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و على زوجته
فاطمة الزهراء (عليها السلام) و على أولاده (عليهم السلام) و أصحابه الكرام،اللهم اجعلنا
من مواليه و محبيه و ناصريه و شيعته المخلصين له،و ارزقنا زيارته في الدنيا و شفاعته
في الآخرة،يوم لا ينفع مال و لا بنون،و ارحمنا برحمتك الواسعة بحق محمد و علي و فاطمة
و الحسن و الحسين و التسعة المعصومين من ولده (عليهم السلام) يا أرحم الراحمن،آمين يا
رب العالمين.
تعليقات:
(1) مخالفة بعض المؤرخين لا تضر في هذا الاعتقاد لأن النادر كالمعدوم.
(2) الكامل في التاريخ ج 2 ص .433
(3) اعيان الشيعة ج 1 ص .530
(4) تاريخ الطبري ج 4 ص .116
(5) تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ترجمة الامام علي بن أبي طالب ج 3 ص 318 رقم .1429
(6) المصدر السابق ج 3 ص 318 رقم .1429
(7) الكافي ج 1 باب مولد أمير المؤمنين ص .452
(8) البحار ج 42 ص .199
(9) ارشاد المفيد (ره) ص 13 الفصل 2 من الباب .2
(10) و في المناقب لإبن شهر آشوب ج 3 ص 309:و كان عبد الرحمن بن ملجم التجوبي (تجوب
:قبيلة من حمير) عداده من مراد،قال ابن عباس:كان من ولد قدار عاقر ناقة صالح،و قصتهما
واحدة،لأن قدار عشق امرأة يقال لها رباب،كما عشق ابن ملجم قطاما.سمع ابن ملجم و هو يقول
:لأضربن عليا بسيفي هذا،فذهبوا به إليه (ع) فقال:«اما اسمك»؟قال:عبد الرحمن بن ملجم،قال
:«نشدتك بالله عن شيء،تخبرني؟»قال:نعم،قال:«هل مر عليك شيخ يتوكأ على عصاه و أنت في
الباب فشقك بعصاه،ثم قال:بؤسا لك لشقي من عاقر ناقة ثمود؟»قال:نعم،قال:«هل كان الصبيان
يسمونك ابن راعية الكلاب و أنت تلعب معهم؟»قال:نعم،قال:«هل أخبرتك امك أنها حملت بك
و هي طامث؟»قال:نعم،قال:«فبايع»،فبايع،ثم قال:«خلوا سبيله»،و روي أنه جاءه ليبايعه فرده
مرتين أو ثلاثا،فبايعه و توثق منه ألا يغدر و لا ينكث،فقال:و الله ما رأيتك تفعل هذا
بغيري،فقال:«يا غزوان احمله على الأشقر»،فأركبه فتمثل علي:
أريد حياته و يريد قتلي
عذيرك من خليلك من مراد
أمض يا ابن ملجم،فو الله ما ارى تفي بما قلت،و في رواية:«و الذي نفسي بيده لتخضبن هذه
من هذا».
(11) الاستيعاب بهامش الاصابة ج 2 ص .60
(12) مقاتل الطالبين لأبي الفرج ص 22،و روى عنه ابن أبي الحديد في شرح ج 6 ص 118،و المجلسي
في البحار ج 42 ص .231
(13) انظر الكامل في التاريخ ج 2 ص 434 و تاريخ الطبري ج 4 ص 110 و مروج الذهب للمسعودي
ج 2 ص 423.الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص 132.مقاتل الطالبيين ص 17.شرح ابن أبي
الحديد ج 6.ص 113،البحار ج 42 ص .228
(14) راجع المصادر السابقة.
(15) راجع المصادر السابقة.
(16) و هي قطام ابنة الشجنة على ما في (تاريخ الطبري ج 4 ص 110) و قطام بنت عاقمة على
ما في (الكامل للمبرد ص 549) .
(17) مقاتل الطالبين ص 19 و روى عنه شرح ابن أبي الحديد ج 6 ص 115 و البحار ج 42 ص
.229
(18) القينة:الأمة،المنجد.
(19) الفصول المهمة ص .132
(20) هذان البيتان في مروج الذهب ج 2 ص .423
(21) كذا في المصدر،و الصحيح (منه) .
(22) الفصول المهمة ص .133
(23) مقاتل الطالبيين ص .19
(24) تاريخ مروج الذهب ج 2 ص .424
(25) أي طلع الصبح.
(26) البحار ج 42 في حديث طويل ص 228ـ .230
(27) فرائد السمطين ج 1 ص 386 رقم .320
(28) الجريش:ما طحنته غير ناعم.
(29) البحار ج 42 ص .276
(30) السحرة بالضم:السحر الأعلى من آخر الليل.
(31) ملكتني عيني:غلبني النوم.
(32) فسنخ لي رسول الله (ص) مر لي كما تسنح الظباء و الطير.
(33) الأود:الأعوجاج.
(34) و اللدد:الخصام.
(35) نهج البلاغة لفيض الإسلام ص 156 خطبة 69،و انظر تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي
ترجمة الإمام علي بن أبي طالب ج 3 ص 295،و الاستيعاب لابن عبد البر بهامش الاصابة ج
3 ص .61
(36) مروج الذهب ج 2 ص .425
(37) البحار ج 42 ص 279،و شعره هذا:
أقول إذا ما حية أعيت الرقا،
و كان ذعاف الموت شرابها
رسنا إليها في الظلام ابن ملجم
همام إذا مال الحرب شب لهابها
فخذها علي فوق رأسك ضربة
بكف سعيد سوف يلقى ثوابها
(38) سورة العنكبوت: .45
(39) البحار ج 42 ص .280
(40) سورة طه: .55
(41) شرح ابن أبي الحديد ج 6 ص .117
(42) تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ترجمة الإمام علي بن أبي طالب ج 3 ص 303،رقم .1402
(43) الاستيعاب لابن عبد البر المالكي بهامش الاصابة ج 3 ص .59
(44) اسد الغابة ج 4 ص .38
(45) الامامة و السياسة ج 1 ص .160
(46) ينابيع الموده ص .164
(47) ارجح المطالب ص 651،نقلا عن الاحقاق ج 8 ص .795
(48) تاريخ دمشق لأبن عساكر ترجمة الامام علي (ع) ج 3 ص .303
(49) البحار ج 42 ص .282
(50 و51) راجع البحار ج 42 ص 282ـ .285
(52) في نسخة:سلمت.
(53) في نسخة بين أهل الارض.
(54) شرح ابن أبي الحديد ج 6 ص 118 و كذا في البحار ج 42 ص 231،و مقاتل الطالبين ص
.22
(55) مقاتل الطالبيين ص 22 و البحار ج 42 ص .231
(56) هذه الزيادة من البحار ج 42 ص .231
(57) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص .136
(58) رقأ الدمع:جف و انقطع.
(59) البحار ج 42 ص .288
(60) في البحار:«قال:فبكيت».
(61) نزف دم فلان:خرج منه دم كثير حتى يضعف فهو نزيف.
(62) انتمى:أي انتسب و اعتزى.
(63) أمالي الشيخ المفيد (ره) ص 351 المجلس الثاني و الاربعون ح 3 أمالي الطوسي ج 1
ص 122ـ123 و البحار ج 42 ص .204
(64) البحار ج 42 ص 205،و الآية من سورة الشورى: .23
(65) أمالي الشيخ الصدوق المجلس الثاني و الخمسون رقم .4
(66) الفصول المهمة ص .136
(67) تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ترجمة الامام علي بن أبي طالب ج 3 ص 304 رقم .1404
(68) مقاتل الطالبيين ص 23،و في شرح ابن أبي الحديد ج 6 ص 119 مع اختلاف يسير.
(69) في البحار:ج 42 ص 248«فلا تغيروا أفواههم،و لا يضيعوا بحضرتكم،فقد سمعت رسول الله
(ص) يقول:من عال يتيما حتى يستغني أوجب الله عز و جل بذلك الجنة كما أوجب الله لآكل
مال اليتيم النار».
(70) و في تاريخ الطبري«فيولي الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم».
(71) سورة المائدة: .2
(72) مقاتل الطالبيين ص 24 و تأريخ الطبري ج 4 ص 113 راجع في هذا المجال البحار ج 42
ص 250 و شرح ابن أبي الحديد ج 6 ص .120
(73) إقتباس من سورة الصافات:61،و سورة النحل: .128
(74) البحار ج 42 ص 292،و في ليلة وفاته (ع) خلاف كما مر أول هذا الفصل.
(75) أعيان الشيعة ج 1 ص .533
(76) و في تاريخ دمشق ترجمة الامام علي (ع) ج 3 ص 301 عن هارون بن معد قال:كان عند علي
(ع) مسك أوصى أن يحنط به،و قال:«فضل من حنوط رسول الله (ص) .»
(77) شرج الحجارة،نضدها و ضم بعضها إلى بعض.
(78) البحار ج 42 ص .290
(79) أعيان الشيعة ج 1 ص .533
(80) البحار ج 42 ص .294
(81) المصدر السابق ج 42 ص .295
(82) ارشاد المفيد ص 26 الفصل 6 رقم 1 من الباب .2
(83) المصدر السابق ص 27 الفصل 6 رقم 2 من الباب .2
(84) أبره:أي أصلحه.
(85) البحار ج 42 ص .295
(86) تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ترجمة الإمام علي (ع) ج 3 ص 345 رقم .1053
(87) تاريخ مروج الذهب ج 2 ص 428،و روى في الكامل في التاريخ ج 4 ص 438 و الطبري في
تاريخه ج 4 ص 116 نحوه.
(88) الدلهم:المظلم.
(89) العندم:خشب نبات يصبغ به.
(90) قتم وجهه:تغير و اسود.
(91) البحار ج 42 ص .293
(92) في بعض النسخ (فانحنى) .
(93) فرائد السمطين ج 1 ص 389 رقم .325
(94) مستدرك الصحيحين ج 3 ص 113 نقلا عن فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 3 ص .98
(95) تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ترجمة الإمام علي بن أبي طالب (ع) ج 3 ص 316 رقم
.1424
(96) فرائد السمطين ج 1 ص 389 رقم .336
(97) البحار ج 42 ص .308
(98) المصدر السابق ج 42 ص .308
(99) تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ترجمة الإمام علي ج 3 ص 336 رقم .1483
(100) المصدر السابق ج 3 ص 339 رقم .1484
(101) سورة المجادلة: .19
(102) فهز به:أي حركه.
(103) البحار ج 42 ص .296
(104) المصدر السابق ج 42 ص .298
(105) في المنجد:الحطيم يعني جدار حجر الكعبة،و قيل:ما بين الركن،و زمزم و المقام،سمي
بذلك لانحطام الناس عليه أي لازدحامهم،و هكذا المعنى يستفاد من الاحاديث أيضا ففي (البحار
ج 27 ص 178 و ج 68 ص 426) عن ميسر،عن أبي جعفر الباقر (ع) قال:«أتدرون أي البقاع أفضل
فيها عند الله حرمة»فلم يتكلم أحد منا،فكان هو الراد على نفسه،فقال:«ذلك المسجد الحرام»ثم
قال:«أتدرون أي بقعة في المسجد الحرام أفضل عند الله حرمة»فلم يتكلم أحد منا فكان هو
الراد على نفسه،فقال:«ذاك بين الركن و المقام و باب الكعبة و ذلك حطيم اسماعيل (ع) »الحديث
.
(106) تاريخ الطبري ج 4 ص 114 و الكامل في التاريخ ج 2 ص .436
(107) البحار ج 42 ص .298
(108) في نسخة:بحيرة.
(109) راجع البحار ج 42 ص .230
(110) الاستيعاب لابن عبد البر المالكي بهامش الإصابة ج 3 ص .48
(111) تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ترجمة الإمام علي (ع) ج 3 ص 330 رقم .1474
(112) تأريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ترجمة الإمام علي (ع) ج 3 ص 331 رقم .1475
(113) فرائد السمطين ج 1 ص 234 رقم .182
(114) فرائد السمطين ج 1 ص 388 رقم .323
(115) تاريخ مروج الذهب ج 2 ص .426
(116) مقاتل الطالبين ص 32.و قد ذكرنا الحديث بتمامه في فصل (علي (ع) و آية المودة)
عنه و عن أبي الطفيل.
(117) مر صدر الحديث في هذا الفصل:ما جرى بينه (ع) و بين حبيب بن عمرو.
(118) أمالي الصدوق المجلس الثاني و الخمسون رقم .4
(119) (120) المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص .317.و كذا في مقنعة المفيد ص .462
(121) المقنعة للمفيد ص .462
(122) المناقب لإبن شهر آشوب ج 3 ص 317.و كذا في مقنعة المفيد ص .422
(123) المصدر السابق ج 3 ص .317
(124) المصدر السابق ج 3 ص .318
(125) المقنعة للمفيد ص .462
الفصول المائة في حياة ابي الائمة المجلد الخامس ص 463
تأليف: السيد اصغر ناظم زاده القمي.
|