تعتبر الغيبة من خصائص الامام الثانى عشر (عج الله فرجه الشريف) و التى ورد التأكيد عليها فى الروايات المروية عن اهل بيت عليهم السلام منها:
ـ مارواه عبدالعظيم الحسنى عن الامام محمد الجواد عليه السلام عن آبائه عن اميرالمومنين عليه السلام انه قال: (للقائم منا غيبة امدها طويل كأنى بالشيعة يجولون جولان النعم فى غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه الا فمن ثبت منهم على دينه و لم يقس قلبه لطول غيبة امامه فهو معى فى درجتى يوم القيامة).
ثم قال:
(ان القائم منا اذا قام لم يكن لاحد فى عنقه بيعة، فلذلك تخفى ولادته و يغيب شخصه) (1)
ـ وروي عن الامام السجاد عن ابيه عن جده على بن ابى طالب عليه السلام انه قال:
(و ان للقائم منا غيبتين؛ احداهما أطول من الاخرى فلا يثبت على امامته الا من قوى يقينه و صحت معرفته) (2)
و من اجل ان نتعرف على سر الغيبتة و مغزاها لابد و ان نلقى نظرة على سيرة الائمة الاطهار عليهم السلام و تاريخهم. فنحن نعلم ان اكثر الناس بايعوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و آله ابابكر و بعده عمر و بعده عثمان. و قد حدث تمرد على عثمان فى اواخر حكمه نتيجة للكثير من الاختلالات التى نشأت من التمييز المنحرف فقتلوه و من ثم بايعوا اميرالمؤمنين عليا عليه السلام.
و قد سكت الامام الذى هو الخليفة المنصوب من قبل الله و الرسول صلى الله عليه و آله خلال فترة الخلفاء الثلاثة رعاية لمصالح الامة الاسلامية الجديدة و لم ينطق بشيء الا ما يتم به الحجة و فى الوقت نفسه لم يتخلف ـ لحظة ـ عن تقديم الخدمات و الجهود لما فيه مصلحة الاسلام و المسلمين و لكن فترة خلافته استغرقت كلها فى محاربة اصحاب الجمل و معاوية و الخوارج و اخيرا استشهد بيد احد الخوارج.
و قد توفى الامام الحسن عليه السلام مسموما بأمر من معاوية و بعد موت معاوية تربع على عرش الحكم الاموى ابنه يزيد الذى لم يكترث حتى بمظاهر الاسلام و كان من المتوقع ان يتعرض الاسام للابادة و الدمار نتيجة لهذه المسيرة الهابطة و لذلك لم يجد الامام الحسين عليه السلام مناصا من النهوض و اعلان الثورة و انقذ (باستشهاده مظلوما ـ الاسلام من خطر الابادة، حيث بعث فى المسلمين الواعي و اليقظة بيد انه لم تتوفر الظروف الاجتماعية لاقامة الدولة الاسلامية العادلة و من هنا قام سائر الائمة الاطهار عليهم السلام بتثبيت الاصول العقائدية و ترسيخ و نشر المعارف و الاحكام الاسلامية و تربية النفوس الموهلة و تهذيبها و حيثما تسمح الظروف كانوا يحرضون الناس ـ سرا ـ على محاربة الظالمين و اجبابرة و الطواغيت، و يزرعون فيهم الامل بتحقيق الدولة الالهية العالمية و اخيرا استشهدوا ـ جميعاـ واحدا بعد الاخر.
و على كل حال، تمكن الائمة الاطهار عليهم السلام خلال قرنين و نصف من عرض الحقائق الاسلامية و بيانها للناس بالرغم من مواجهتهم الكثير من التحديات و المشاكل و المتاعب الشديدة و قد بينوا بعضا منها للناس عامة و بعضها بينوها لخصوص شيعتهم و خواص اصحابهم و بذلك انتشرت المعارف الاسلامية بمختلف ابعادها و جوانبها فى الامة و ضمن ـ بذلك ـ بقاء الشريعة المحمدية و قد تشكلت ـ خلال ذلك ـ هنا و هناك فى البلاد الاسلامية بعض الجماعات التى اندفعت لمحاربة الحكام الجائرين و امكنهم ـ و لو بصورة محدودة ـ منع الجبابرة و الطواغيت من التمادى فى غيهم و جورهم و عبثهم.
و لكن الذى كان يثير فزع الحكام الظالمين و قلقهم اكثر هو الوعد بظهور الامام المهدى عليه السلام الذى كان يهدد وجودهم و كيانهم و من هنا فرض المعاصورن منهم للامام الحسن العسكرى عليه السلام رقابة مشددة عليه ليقتلوا اي طفل يولد له و قد استشهد الامام عليه السلام نفسه بأيديهم و هو فى ريعان شبابه و لكن شاءت الارادة الالهية ان يولد المهدى عليه السلام و ان يدخر لخلاص البشرية و نجاتها و لهذا السبب لم يوفق للقائه خلال حياة ابيه ـ و حتى الخامسة من عمره ـ الا افراد قليلون من خواص الشيعة بيد ان الامام عليه السلام ارتبط بالناس بعد وفاة ابيه بوساطة نواب اربعة كلفوا بمهمة النيابة الخاصة (3) واحدا بعد الاخر و بعد ذلك بدأت (الغيبة الكبرى) التى ستستمر الى مدة غير معلومة حتى اليوم الذى يتم فيه اعداد البشرية لتقبل الحكومة الالهية العالمية و حينئذ سيظهر الامام عليه السلام بأمر من الله ـ تبارك و تعالى ـ.
اذن فالسر فى غيبته هو الحفاظ عليه من ايدى الجبابرة و الجائرين. و قد اشير فى بعض الروايات الى حكم اخرى منها امتحان الناس و اختبار مدى استقامتهم و ثباتهم بعد اتمام الحجة عليهم . و الملاحظ ان الناس لم يحرموا ـ تماما ـ من عطاءات الامام عليه السلام خلال الغيبد و كما ورد فى الروايات فأنه كالشمس خلف الغيوم حيث يستفاد من نورها و شعاعها (4) و قد وفق الكثير من الافراد للقاء الامام عليه السلام و ان ظهر بصورة رجل مجهول و استفادوا منه الكثير فى قضاء حوائجهم و معالجة مشاكلهم المادية و المعنوية و يعتبر بقاؤه حيا عاملا كبيرا و مؤثرا فى زرع الطمأنينة و شيوع الامل بين الناس ليحاولوا أصلاح انفسهم و اعدادها لظهوره.
الهوامش:
(1) الاسراء / 72
(2) الحج / 46
(3) طه /124 ـ 126
(4) البقره /200 و آل عمران /77 و الاسراء 18 و الشورى 20 و الاحقاف / .20
دروس فى العقيدة الاسلامية ص 352
حمد تقي مصباح اليزدى