و الشيء المحقق ان عبادة الامام المنتظر عليه السلام كعبادة آبائه الائمة الطاهرين، الذين وهبوا حياتهم لله تعالى، و سرى حبه فى اعماق قلوبهم، و دخائل نفوسهم و قد قطعوا معظم حياتهم صائمين فى نهارهم قائمين فى لياليهم قد أحيواها بالصلاة و الدعاء و الابتهال الى الله تعالى و قد نقل الرواة جمهرة من ادعيته الشريفة التى كان يدعو فى بعضها فى قنوته بصلاته و بعضها فى غيرها، و هى تنم عن مدى تعلقه بالله تعالى و انقطاعه اليه و فيما يلى بعض تلك الادعية.
دعاؤه في قنوت صلاته:
كان عليه السلام يدعو بهذا الدعاء الشريف فى قنوت صلاته، و هذا نصه.
«اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء و تعز من تشاء و تذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير يا ماجد يا جواد يا ذا الجلال و الاكرام يا ذا البطش الشديد يا فعال لما يريد يا ذا القول المتين يا رؤوف يا رحيم يا حى حين لا حى اسألك باسمك المخزون، المكنون، الحى، القيوم، الذى استأثرت به فى علم الغيب عندك، و لم يطلع عليه احد من خلقك، و اسألك باسمك الذى تصور به خلقك فى الارحام كيف تشاء و به تسوق اليهم ارزاقهم فى اطباق الظلمات من بين العروق و العظام و أسألك باسمك الذى الفت به بين قلوب اوليائك و الفت بين الثلج و النار لا هذا يذيب هذا و لا يطفىء هذا.
و أسألك باسمك الذى كونت به طعم المياه و أسألك باسمك الذى اجريت به الماء فى عروق النبات بين اطباق الثرى و سقت الماء الى عروق الاشجار بين الصخرة الصماء و أسألك باسمك الذى كونت به طعم الثمار و الوانها و أسألك باسمك الذى به تبدى و تعيد و أسألك باسمك الفرد الواحد، المتفرد بالوحدانية، المتوحد بالصمدانية، و اسألك باسمك الذى فجرت به الماء فى الصخرة الصماء، و سقته من حيث شئت و أسألك باسمك الذى خلقت به خلقك، و رزقتهم كيف شئت و كيف تشاء.
يا من لا تغيره الايام و الليالى ادعوك بما دعاك به نوح حين ناداك فأنجيته و من معه و الهكت قومه و ادعوك بما دعاك به ابراهيم خليلك حين ناداك فأنجيته و جعلت النار عليه بردا و سلاما و ادعوك بما دعاك به موسى كليمك حين ناداك ففلقت له البحر فأنجيته و بنى اسرائيل و اغرقت فرعون و قومه فى اليم و ادعوك بما دعاك به عيسى روحك حين ناداك فنجيته من اعدائك و اليك رفعته و ادعوك بما دعاك به حبيبك و صفيك و نبيك محمد صلى الله عليه و آله فاستجبت له، و من الاحزاب نجيته و على اعدائك نصرته، و أسألك باسمك الذى اذا دعيت به اجبت.
يا من له الخلق و الامر، يا من احاط بكل شى علما، يا من احصى كل شيء عددا، يا من لا تغيره الايام و الليالى، و لا تتشابه عليه الاصوات، و لا تخفى عليه اللغات، و لا يبرمه الحاح الملحين، اسألك ان تصلى على محمد و آل محمد خيرتك من خلقك، فصل عليهم بأفضل صلواتك، و صل على جميع النبيين و المرسلين، الذين بلغوا عنك الهدى، و عقدوا لك المواثيق بالطاعة، و صل على عبادك الصالحين، يا من لا يخلف الميعاد، انجز لي ما وعتني و اجمع لي أصحابي، و صبرهم، و انصرني على أعدائك، و أعداء رسولك، و لا تخيب دعائي، فانى عبدك و ابن أمتك، اسير بين يديك، سيدى انت الذى مننت على بهذا المقام، و تفضلت به على دون كثير من خلقك أسألك أن تصلي على محمد و آل محمد، و أن تنجز لي ما وعدتني انك أنت الصادق، و لا تخلف الميعاد، و انت على كل شيء قدير...» (1)
و حكى هذا الدعاء الشريف مدى القدرات الهائلة لله تعالى خالق الكون و واهب الحياة، فهو المكون و المبدع لجميع ما فى الكون من مخلوقات، كما حكى دعاء الامام عليه السلام طلبه للنصر من الله على أعدائه و اعداء رسوله، و ان يجمع له اصحابه ليقوم بأحياء الدين و اعلاء كلمة التوحيد.
دعاء آخر له في القنوت:
و كان الامام عليه السلام يدعو بهذا الدعاء الشريف فى قنوت بعض صلواته، و هو:
«اللهم صل على محمد و آل محمد، و أكرم أولياءك بانجاز وعدك، و بلغهم درك ما يأملونه من نصرك، و اكفف عنهم بأس من نصب الخلاف عليك و تمرد بمنعتك على ركوب مخالفتك و ستعان برفدك على فل حدك و قصد لكيدك بك و اوسعته حلما لتأخذه على جهرة و تستأصله على غرة فانك اللهم قلت و قولك الحق: *حتى إذا أخذت الارض زخرفها و ازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالامس كذالك نفصل الايات لقوم يتفكرون* (2) و قلت: *فلما آسفونا انتقمنا منهم* (3) و ان الغاية عندنا قد تناهت، و انا لغضبك غاضبون، و انا على نصر الحق متعاصبون، و الى ورود امرك مشتاقون، و لانجاز وعدك مرتقبون و لحول وعيدك باعدائك متوقعون اللهم فأذن بذلك و افتح طرقاته و سهل خروجه و وطىء مسالكه، و اشرع شرائعه، و ايد جنوده، و اعوانه و بادر بأسك القوم الظالمين، واسط سيف نقمتك على اعدائك المعاندين، و خذ بالثار أنك جواد...» (4) و أعلن الامام عليه السلام فى هذا الدعاء الشريف عن شوقه العارم الى الظهور ليقيم معالم الدين و يحيي سنة جده سيد المرسلين، صلى الله عليه وآله، و ينتقم من اعداء الاسلام و اعداء التوحيد.
الهوامش:
(1) مهج الدعوات (ص 84ـ86)
(2) سورة يونس آية .24
(3) سورة الزخرف آية .55
(4) مهج الدعوات (ص 84)
حياة الامام محمد المهدي ص 41
باقر الشريف القرشي