ولاية العهد

كان على المأمون بعد استقرار حكمه، و استقلاله بأمر الخلافة، أن يعهد بولاية العهد لمن بعده، جريا على سنة الخلافة التي ابتدعها معاوية حين بايع لولده يزيد بولاية العهد من بعده.

و كان عليه أن يكون دقيقا في الاختيار، انسجاما مع دقة الظروف التي عاشها في فترة خلافه مع أخيه و ما بعدها.

و ليس من السهل عليه أن يختار أيا كان من بني أبيه أو غيرهم بل لابد له من إخضاع كل خطوة يخطوها في هذا الصدد إلى حسابات دقيقة تربط بين نتائج الماضي و توقعات المستقبل، و تلائم بين الشعور الشيعي العلوى الذي يسيطر على جهة خراسان و ما والاها، و الشعور العباسى العنصري الذي يسيطر على جهة العراق و غيرها من الأطراف.

خصوصا و أن ثلة من قادته و خاصته يميلون نحو التشيع، و يذهبون إلى أحقية العلويين بالحكم دون غيرهم، و ربما يصنف في عداد هؤلاء ذو الرياستين و أخوه الحسن بن سهل، اللذان كانا من أقوى العناصر التي مهدت له باجتياز مرحلة الخطر في حرب المواجهة بينه و بين أخيه الأمين، و إن كنا نشك في هذا التصنيف و لنا رأينا في ذلك سنعرضه فيما بعد.

على أن المأمون لم يكن من السهل عليه، أن يخرج الخلافة من بنى العباس إلى غيرهم من العلويين و سواهم، بل هو رغم تشيعه نظريا لا سلوكا و منهجا فى العمل، لا يألوا جهدا في المحافظة على التراث الذي تحدر اليه من آبائه إطارا و محتوى.

و يمكننا التعرف على صدق هذه النظرية عندما نخوض في البحث عن الاسباب المعقولة التي أدت إلى فرض ولاية العهد على الامام الرضا.

ولاية العهد بين الامام و المأمون:

و عند دراستنا للدوافع التى دعت المأمون لفرض ولاية العهد على الامام الرضا، سنرى أنها كانت دوافع سياسية بعيدة المدى، أراد المأمون فيها أن يحقق لنفسه و للخلافة العباسية مكاسب ذات بعد مصلحي، و لقد كان المأمون ذكيا، في اختياره الامام الرضا لهذا المنصب، باعتباره يمثل التجمع الآخر الذي هو القوة المعارضة للحكم.

و لكن الامام الرضا كان أعرف بالمأمون و أبصر بغاياته، عندما امتنع عن قبول هذاالمنصب، بعد تمنعه أولا عن قبول منصب الخلافة، حين عرض عليه المأمون التنازل عنها، فعن الهروي أنه قال:

«و الله ما دخل الرضا في هذا الأمر طائعا، و قد حمل إلى الكوفة مكرها، ثم أشخص منها على طريق البصرة و فارس إلى مرو» (1) .

السبب في امتناع الامام من ولاية العهد:

و السبب الذي نفهمه لامتناعه، هو ادراك الامام بأن المأمون يريد أن يجعل منه ورقة مساومة بينه و بين العباسيين من جهة، و بينه و بين العلويين من جهة اخرى و بينه و بين شيعة خراسان و غيرها من جهة ثالثة.

و إلا فما هى الحكمة في اصرار المأمون على الرضا بالقبول، و تهديده له إن بقي مصرا على الامتناع؟..

و يروي في الارشاد أن المأمون خاطب الرضا في حديث ولاية العهد فقال له:

إني رأيت أن أوليك العهد ـ أي الخلافة ـ

فقال له: اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين، إنه لا طاقة لى بذلك، و لا قوة لي عليه.

قال له: فاني موليك العهد من بعدي.

فقال له اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين.

فقال له المأمون كلاما فيه كالتهدد له على الامتناع عليه و قال في كلامه:

إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة، أحدهم جدك أمير المؤمنين على بن ابى‏طالب، و شرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه، و لا بد من قبولك ما أريده منك فاني لا اجد محيصا عنه» (2)

فأجابه الامام إلى ما التمس (3)

و يروى أيضا أنه جرى بينهما حديث طويل عرض فيه المأمون على الامام الخلافة فامتنع، ثم عرض عليه ولاية العهد فامتنع أيضا فقال له:

«إنك تتلقاني أبدا بما اكرهه، و قد أمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد و إلا أجبرتك على ذلك، فان فعلت و إلا ضربت عنقك» (4)

المأمون يكشف نواياه:

و يكشف لنا المأمون عن المغزي البعيد لولاية العهد في جوابه لبني هاشم ردا على اعتراضهم في البيعة بولاية العهد للامام قال:

«و أما ما كنت أردته من البيعة لعلي بن موسى بعد استحقاق منه لها في نفسه، و اختيار مني له، فما كان ذلك مني إلا أن أكون الحاقن لدمائكم و الذائد عنكم، باستدامة المودة بيننا و بينهم، و هي الطريق أسلكها في إكرام آل أبى‏طالب و مواساتهم بالغبن بيسير ما يصيبهم منه.

و إن تزعموا: أني اردت أن يؤول اليهم عاقبة و منفعة، فإني في تدبيركم و النظر لكم و لعقبكم و أبنائكم من بعدكم، و أنتم ساهون لاهون في غمرة تعمهون لا تعلمون ما يراد بكم» (5) .

فهو لا يريد نقل الخلافة من بني العباس إلى آل أبى‏طالب، كما يتصور العباسيون، و انما أراد بعمله هذا أن يطوق بعض المضاعفات التي قد تسبب كثيرا من المتاعب للخلافة، أو بالأحرى ... إنه يريد أن يحتفظ للعباسيين بمركز القوة بسياسته هذه.

بين المأمون و النوبختي المنجم:

و يؤيد عدم جدية المأمون في البيعة للامام بولاية العهد، ما روي من أن الفضل النوبختي ـ و كان منجما و متشيعا كما قيل ـ أراد اختبار ما في نفس المأمون فكتب اليه:

إن أحكام النجوم تدل أن عقد البيعة للرضا في هذا الوقت لا يتم و أنها تدل على نكبة المعقود له.

فإن كان ظاهر المامون كباطنه، ترك عقد البيعة في ذلك الوقت، و أخره إلى وقت يكون أوفق منه.

فأجابه المأمون و حذره من أن يرجع ذو الرياستين عن عزمه على إيقاع العقد في ذلك الوقت، و أنه إذا رجع علم أن ذلك من النوبختي، و أمره بارجاع الكتاب إليه لئلا يطلع عليه أحد .

ثم بلغه أن الفضل قد تنبه أن الوقت غير صالح لعقد البيعة، لأنه كان عالما بالنجوم، فخاف النوبختي أن ينسب رجوع الفضل بن سهل عن عزمه إليه فيقتله المأمون، فركب إليه و أقنعه عن طريق النجوم، أن الوقت صالح على خلاف الحقيقة، لأنه كان أعرف منه بالنجوم، فلبس عليه حتى أقنعه. (6)

و يشعرنا هذا بأن ولاية العهد للامام، لم تكن إلا شركا نصبه المأمون لاصطياد بعض المكاسب السياسية التي توفر عليه الكثير من متاعب الحكم، و لم يكن صادقا في سلوكه مع الامام، بل هو مجرد دور مرحلي، كان عليه أن يتقنه بدقة ليخلص إلى النتائج المطلوبة.

غرض المأمون من ولاية العهد:

أما طلبه من الامام أن يقبل تقليده الخلافة، بعد أن يعلن تنازله له فلم يكن غرضه الوحيد منه، هو إظهار أئمة أهل البيت بمظهر الطالب للدنيا الراغب بما فيها، و أن زهدهم فيها و عزوفهم عنها، لعجزهم عن الوصول اليها كما هو صريح بعض الروايات (7) و عليه بنى بعضهم.

و لم يكن امتناع الامام زهدا فيها، و ابتعادا عن مسئولياتها، كيف و هو يرى نفسه أنه أحق بهذا المنصب، و أقدر على إدارته بالحق من غيره و لكنه كان واثقا من عدم تمامية هذا الأمر، و أنها لعبة بارعة من المأمون، يريد أن ينفذها على أكتاف الامام الرضا.

فالمأمون حين يعرض التنازل عن الخلافة للامام، كان يقدر أن الأمر لا يعدو عن حالتين، فإما أن يقبل الامام... و إما ان لا يقبل.

و هو علي أى من الحالتين، سيحرز انتصارا لنفسه، و للخلافة العباسية فقبول الامام لابد و أن يكون مشروطا من جانب المأمون بجعل ولاية العهد له، و بذلك يضمن شرعية خلافته بعد الامام عند جميع الفرقاء.

و إلا فالمأمون ليس بهذه المثابة من السذاجة و قصر النظر، أن يترك مركزه و يقدمه لقمة باردة للعلويين، ليصبح بعد ذلك رعية، حكمه حكم الآخرين في نظر الحكم.

و حينما يصبح المأمون وليا للعهد، يسهل عليه في حينه القضاء على الامام ليتسلم من بعده مركز الخلافة، دون أن يشعر أحد بذلك،و يكون بذلك قد أرضى طموح العلويين للحكم، و أقنع شيعتهم بشرعية خلافته.

و للمأمون أسالبيه الخاصة في القضاء على خصومه، و سنذكر فيما بعد الاسلوب الغامض الذي اتبعه في القضاء على ذي الرياستين الفضل بن سهل و قلته لقتلته رغم اعترافهم بأنه هو الذي دفعهم لاغتياله.

و عدم قبول الامام للخلافة سيعرضه للنقد الواسع من قبل شيعته و أتباعه كما يتصور المأمون ـ لاعتقادهم بأن الخلافة حق له، و عليه أن يقبل ذلك و لكن أصحاب الإمام كانوا بمثابة من الوعي السياسى، بنحو لا تنطلي عليهم خدعة المأمون هذه و أحبولته.

كما أنه سيكون معذرا له عند كافة الفرقاء في عدم تسليم الأمر لأهله و أنه حاول ذلك فلم يفلح و بذلك يكون قد قطع ألسنة الخلاف على نفسه من الجهة الشيعية المعارضة.

اكراه الامام على قبول ولاية العهد:

و بعد أن تعذر على المأمون إقناع الامام بالتنازل عن الخلافة و تسليمها له طلب منه قبول ولاية العهد، و أن يكون هو الخليفة من بعده،و يمتنع الامام مرة أخرى باصرار، و يستعين المأمون عليه ببعض خاصته، رغم عدم اقتناع هؤلاء بالفكرة، و نفورهم منها، و في تصورهم أن المأمون جاد في طلبه هذا فعن الارشاد:

و ذكر جماعة من أصحاب الأخبار و السير من أيام الخلفاء أن المأمون لما أراد العقد للرضا على بن موسى (ع)، و حدث نفسه بذلك، أحضر الفضل ابن سهل، و أعلمه بما قد عزم عليه من ذلك، و أمره بالاجتماع مع أخيه الحسن (8) بن سهل على ذلك، ففعل... و اجتمعا بحضرته، فجعل الحسن يعظم ذلك عليه و يعرفه ما في إخراج هذا الأمر من أهله عليه.

فقال له المأمون: إني عاهدت الله، أنني إن ظفرت بالمخلوع أخرجت الخلافة إلى أفضل آل أبى‏طالب، و ما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض.

فلما رأى الفضل و الحسن عزيمته على ذلك، أمسكا عن معارضته فأرسلهما إلى الرضا، فعرضا عليه ذلك فامتنع منه، فلم يزالا به حتى أجاب فرجعا إلى المأمون ، فعرفاه اجابته فسر به. (9)

و ذكر نحوه أبو الفرج إلا أنه قال: فأرسلهما إلى علي بن موسى الرضا فعرضا ذلك عليه، فلم يزالا به و هو يأبى ذلك و يمتنع منه، إلى أن قال له أحدهما: إن فعلت و إلا فعلنا بك و صنعنا، و تهدده!.

ثم قال له أحدهما: و الله أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد (10) ».

علم الامام بنوايا المأمون:

و لقد كان الامام الرضا على علم مسبق بنوايا المأمون، بوعيه النافذ للظروف التي دعت المأمون إلى تقليده ولاية العهد، و مطمئن إلى عدم تمامية هذا الأمر له.

فقد ذكر المدائني عن رجاله قال:

«لما جلس الرضا في الخلع بولاية العهد، فأقام بين يديه الخطباء و الشعراء و خفقت الألوية على رأسه، فذكر بعض من حضر ممن كان يختص بالرضا أنه قال: كنت بين يديه في ذلك اليوم، فنظر إلي مستبشرا بما جرى فأومأ إلي أن أدن.

فقال لي من حيث لا يسمعه غيري: لا تشغل قلبك بهذا الأمر و لا تستبشر له، فإنه شي‏ء لا يتم. (11)

مع أحمد أمين:

و قبل أن أعرض للاسباب الواقعية، لرواية ولاية العهد، بحسب الفهم التاريخي لظروفها، أود أن أشير إلى أن سطحية بعض الباحثين في فهم التاريخ أو تعصبهم المذهبي ـ كما هو الأرجح ـ دعاهم لأن يرجعوا السبب الذي حمل المأمون على البيعة للامام الرضا بولاية العهد إلى :

«أن الأئمة العلوية تزعم كل حين أنهم اذا ولوا أمور الرعية، ساسوها بالعدل المطلق، و فرق كبير بين الدعوى و الواقع، و قد شكا المأمون من هذا، فقد رأى أن الأئمة يختفون عن الأعين، و يرتكبون من الاثم و لا من يراهم، و يعرف قيمتهم، فقال: إن من الخير للناس أن تظهر هذه الأئمة حتى يعرفوا زلاتهم، و لا يقدسوهم هذا التقديس، علما بأنهم إذا ظهروا على مسرح الحياة و بان للناس كيف يحكمون، و كيف يرتكبون ما حرم الله، سقطوا من أعينهم، و لكن ما داموا مضطهدين مختفين مكتفين بالدعوة، بقى العطف عليهم في الناس، و لذلك اعتزم أن يول بعده عليا الرضا...» (12)

هذا ما ذكره الاستاذ أحمد امين، و ليس مثل هذا القول بالبعيد عليه و هو الذي عرف بتحيزه و عصبيته، و مناوئته لفكرة التشيع، و التبعية لأهل البيت...

ملاحظات

و الذي نلاحظه عليه هنا:

1 ـ إن تجربة الحكم العلوي، التي عاشتها الأمة أيام خلافة الامام على(ع) تثبت بأن أهل البيت أولى بسياسة الرعية من غيرهم، لأن هدفهم في الحكم إقامة المجتمع العادل، و أخذ الأمة بسياسة العدل المطلق على ما جاءت به الرسالة المحمدية.

2 ـ أن الشيعة عندما ترى أولوية أهل البيت بالحكم، فانما تقصد بذلك خصوص الأئمة الاثني عشر دون غيرهم.

و لنا أن نتساءل أي أثم أو محرم اقترفه أحد الأئمة من أهل البيت بعيدا عن عيون الناس؟

و أين هي النصوص التاريخية التي تثبت ذلك؟

و لعل موقف أهل البيت من الحكومات الظالمة في الدورين الاموي و العباسى، و مناوئتهم لها يعبتره أحمد أمين إثما و جريمة؟

3 ـ و قد ولى المأمون عليا الرضا ولاية العهد... فما هي الآثام التي اقترفها الامام، و المحرمات التي ارتكبها فأسقطته من أعين الناس؟

و ما الذي اكتشفه أحمد امين و اسلافه من سيرة الامام بعد توليه العهد؟ والتى يحرص أن يظهرها بمظهر السوء، بغضا لأهل البيت، و انتصارا لأمية.

4 ـ أما ما يريد أن يسوقه مثلا لدعم استنتاجه من سلوك الحكم الفاطمي في مصر أو غيره من أجهزة الحكم العلوية، المتخللة في العصور العباسية المختلفة و عدم امتيازها عن أجهزة الحكم الأخرى من الأموية و العباسية، سلوكا و منهجا.. فهو غير واقعي، لأن الشيعة لا تدعي شرعية هذه الحكومات و لا تدين لها بالولاء ما دامت بعيدة عن المنهج الرسالى الصحيح، الذي دعا اليه النبي(ص) و أهل بيته من بعده.

و أيا كان فان صدور مثل هذا من أحمد أمين لا يعد أمرا غريبا، و له من تعصبه الهزيل، و انحرافه عن أهل البيت، عذره فيما قال:

كراهة الامام لولاية العهد:

و لقد عبر الامام عن كراهته لولاية العهد، من خلال بعض التصريحات التي توحي بما كان يعتمل في أعماقه من المرارة و الألم، و من خلال بعض الحالات الانفعالية المعبرة عن الجهد النفسي الذي كان يعاني منه.

فهو لا يستطيع أن يفعل أي شى‏ء، إزاء إصرار الحكم العنيد عليه بالقبول بالامر الواقع، دون أن يملك لنفسه حرية اختياره الرأي و الحركة.

كما أن الامام كان على علم مسبق بأن ولاية العهد، ليست سوى خطوة مرحلية في حركة الحكم العباسي، اقتضتها ظروف تلك الفترة.

و حين يبلغ الحكم غايته... تبدأ النهاية.

و يضيق الامام نفسيا بهذا الاستغلال المغلف لشخصيته، و يظهر ذلك منه في لحظات انفعال مريرة، فقد روى ياسر الخادم فقال:

كان الرضا إذا رجع يوم الجمعة من الجامع، و قد أصابه العرق والغبار رفع يديه و قال: اللهم إن كان فرجي مما أنا فيه بالموت فعجل لي الساعة و لم يزل مغموما مكروبا، حتى قبض صلوات الله عليه. (13)

و قد انغلق على أصحاب الامام تعليل قبوله بولاية العهد، و إن كانوا في أنفسهم مطمئنين إلى سلامة موقف الامام في ذاته من الخلل، و هم في نفس الوقت يشعرون بالمعاناة التي يعيشها الامام في أعماقه.

و كانت إجابات الامام على تساؤلاتهم المتكررة مثيرة في التعبير عن الواقع السياسي الذي فرض ولاية العهد فقد روى محمد بن عرفة قال:

قلت للرضا: يابن رسول الله... ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟

فقال: ما حمل جدي أمير المؤمنين على الدخول في الشورى (14) .

و قال له رجل: أصلحك الله، كيف صرت إلى ما صرت إليه من المأمون؟ و كأنه أنكر عليه ذلك .

فقال له أبو الحسن: يا هذا أيهما أفضل النبي أو الوصى؟

قال: لا... بل النبي.

قال: فأيهما أفضل مسلم أو مشرك؟

قال: لا... بل مسلم.

قال: فان العزيز عزيز مصر كان مشركا، و كان يوسف نبيا، و إن كان المأمون مسلم و أنا وصي، و يوسف سأل العزيز أو يوليه حين قال «و اجعلني على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم» و أنا أجبرت على ذلك. (15)

و عن ياسر الخادم قال: لما ولي الرضا العهد سمعته و قد رفع يديه إلى السماء و قال: اللهم إنك تعلم أني مكره مضطر، فلا تؤاخذني كما لم تؤاخذ عبدك و نبيك يوسف حين وقع إلى ولاية مصر» (16) .

و يكفينا هذه الروايات في عرض وجهة نظر الامام بالنسبة لولاية العهد فهو في موقف يبرز لنا مأساته بالدعاء لله في أن يفرج عنه ما هو فيه من الكرب و الضيق.

وفي موقف آخر... يوازن بين موقفه، و موقف جده أمير المؤمنين في دخوله بالشورى.

و في موقف ثالث يوازن بين موقفه، و موقف النبي يوسف، في توليه لمنصب ولاية مصر لدى فرعون، و لكنه في نفس الوقت، يكشف لنا عن الفارق بين الموقفين فموقف يوسف كان اختياريا و بطلب منه، أما موقفه فكان في ظرف سلب الاختيار.

و بعد هذا لا يبقى مجال للشك في عدم اقتناع الامام بجدية الموقف، و عدم موافقته مبدئيا عليه.

الدوافع السياسية لولاية العهد:

و يمكننا تلخيص الأسباب التي دعت المأمون لعقد ولاية العهد بما يأتي:

1 ـ إرضاء الرأي العام الشيعي، الذي كان يسيطر على جهات خراسان وما والاها، و الذي كان له الفضل في إرساء حكم المأمون، و انتصاره على أخيه الأمين، و بذلك يضمن شرعية خلافته، عندما يقبل الامام بولاية العهد، باعتبار أن قبول الامام بذلك إقرار و اعتراف بشرعية خلافة المأمون و هذا ما يضمن له استقرار الولاء و الطاعة في تلك الجهات، و في نظري أن هذا من أهم الأسباب التي دعوت المأمون لذلك، لانقطاع حجة الخصوم التقليدين للحكم به، في انتقاضهم على الخلافة التي يعتقدون بزيفها و عدم شرعيتها.

و من هنا لا ينرى هناك أي معارضة للبيعة للامام، بل على العكس، فقد كانت مصدرا الابتهاج و الرضى، في مختلف الأوساط.

و ليس ببعيد أن يكون المأمون قد أحس بشي‏ء يدور في الخفاء للوثوب عليه و تسليم الأمر للعلويين، فاراد تطويق تلك التحركات الغامضة، باشراك الامام معه في واجهة الحكم بجعله ولي عهده.

و ربما يساعد ذلك على العطف الذي كانت تبديه، خراسان إزاء العلويين و ميلها إليهم، خصوصا بعد المعاناة التي تحملها العلويون من حكم الخلافة العباسية و اضطهادها لهم، و قتلهم و تشريدهم في البلاد بصورة تدعو للمرارة و الألم.

و يؤيد واقعية هذا السبب بعض الفقرات المعبرة في جواب المأمون لبني هاشم يقول:

«و إن تزعموا أني اردت أن يؤول اليهم عاقبة و منفعة، فاني في تدبيركم و النظر لكم و لعقبكم من بعدكم، و انتم ساهون لاهون تائهون، في غمرة تعمهون لا تعلمون ما يراد بكم».

و الذي توحيه هذه الكلمات الغامضة في محتوها ـ بعد تصريحه أولا بأن البيعة للامام الرضا كانت بعد استحقاق منه لها في نفسه ـ أن المأمون كان يشعر بخطورة الوضع السياسي من حوله، و يخشى من انفلات الزمام من يده بعد أن كانت القاعدة الشعبية العامة، تدين بالولاء للعلويين، يضاف إلى ذلك تغلغل الفكرة العلوية في بعض عناصر القيادتين السياسية و العسكرية.

و يمكننا ان نتعرف على هذه الحقيقة، من التقبل العفوي العام، لعقد ولاية العهد للامام، و إن كانت هناك معارضة، فصوتها يتلاشي في زحام أصوات التأييد الساحق.

فالمأمون لا يريد أن يؤول الأمر للعلويين، و إنما يريد أن يطوق الازمات التي ربما تنسف فيما بعد ملك بني العباس، لو تركت الأحداث تتحكم بالاوضاع على طبيعتها.

2 ـ تلافي الوقوع في صدام مع العلويين، الذين كانوا يهددون الحكم العباسي بثوراتهم و تمردهم في مختلف الأدوار، و يفترضون أن العباسيين قد سرقوا الحكم منهم، بعد أن كانت الدعوة التي قاموا بها ضد الأمويين، باسم الرضا من آل محمد.

خصوصا و أن المأمون يريد أن يضمن لحكمه السلامة من الاضطرابات و الكوارث، التي قد تضعف مركزه في الحكم، و هو لا يزال في صراعه مع بغداد عاصمة الخلافة، و ليس من المصادفة أن تكون ولاية العهد في أبان ذلك الصراع.

على أن العلويين قد نجحوا في كسب عطف الرأي العالم الاسلامي و احتفظوا به إلى جانبهم، و أوضح دليل على ذلك، الاستجابة الواسعة التي كانت تحرزها ثوارتهم في مختلف الاوساط العامة.

كل ذلك كان بسبب الاضطهاد العنيف و الملاحقة القاسية، و القتل و التشريد و أنواع التعذيب و التنكيل، التي كانوا يعانونها من جهاز السلطة الحاكم، و قد شهد المأمون نفسه بذلك في جوابه لبني هاشم كما ذكرنا لك آنفا.

على أن المأمون في جوابه لبني هاشم يؤيدنا في جعل هذا السبب أحد موجبات البيعة بولاية العهد للامام. يقول في كتابه كما أسلفنا:

«فما كان ذلك مني إلا أن أكون الحاقن لدمائكم، و الذائد عنكم باستدامة المودة بيننا و بينهم، و هي الطريق أسلكها في إكرام آل أبى‏طالب بمواساتهم بالفي‏ء بيسير ما يصيبهم منه».

فهو حين يعقد ولاية العهد للامام، يريد بذلك... إطفاء جذوة الثورة في نفوس العلويين و أتباعهم، و إبعاد شبح الخطر بمعارضتهم مع العباسيين، و مزاحمتهم على السلطة، و فعلا فقد تم له ما أراد.

3 ـ تحذير العباسيين مما ابدوه نحوه، من الخيانه لعهده، و الحنث بميثاقه و اظهاره لهم بان تمردهم عليه ،و عصيانهم له و خلعهم اياه من ولاية العهد لا يعجزه عن التمكن منهم و السيطرة عليهم، و بعد هذا: إخراج الخلافة من بيتهم و جعلها في خصومهم العلويين.

و لعل طبيعة الجو النفسي المتأزم، بين المأمون و العباسيين في بغداد تفرض موقف التحدي فيما بينهما، و لا يملك المأمون إزاء هذه الحالة ما يرغم به أنوفهم و يهز به مشاعرهم في العمق، غير التلويح لهم بنقل الخلافة منهم إلى خصومهم العلويين، الذى يمثلون نقطة الضعف في نفوس العباسيين.

و لم يجد المأمون سلاحا يهزه في وجوههم أقوى من هذا السلاح في مواجهة تحدياتهم التي كادت أن تنسف مركزه، عندما اجتمعت كلمتهم عليخلعه إستجابة منهم لدعوة أخيه الأمين.

تحدى العباسيين للمأمون:

و قد ظهر أثر هذا التحدي العنيف في تصرف العباسيين بعد هذا، فقد عمدوا إلى خلعه مرة أخرى، في عملية تحد مضاد، و تحذير له بان الأمر ليس من السهولة بنحو يمكنه فيها من إخراج الخلافة منهم و جعلها في خصومهم، و أن بإمكانهم أن يفرضوا من يشاؤون من بينهم،و لو كان من أبعد الناس سلوكا عن مركز الخلافة.

و فعلا فقد نصبوا إبراهيم بن المهدي، الذي يلقب بابن شكلة، و أحد كبار المغنين في أيام الحكم العباسي و بايعوا له بالخلافة، و تبعهم الناس بذلك.

استخفاف العباسيين بمنصب الخلافة:

و من المؤسف جدا أن ما فعله العباسيون كان عملية استخفاف مروعة بمنصب الخلافة الاسلامية، و تجن صريح على أقدس مركز إلهي بعد النبوة و هو ما يدلل على الاسعاف الرهيب الذي وصلت اليه الروح الاسلامية في الاوساط العامة عندما تقلبت تنصيب هذا الانسان الخليع كخليفة يدين له المسلمون بالطاعة و الولاء.

المأمون يتراجع و يعتذر:

و قد أثار رد الفعل هذا مخاوف كبيرة في نفس المأمون، ظهرت في كتابه لهم بعد وفاة الامام الرضا، و تحركه نحو العراق، فعن إبن الأثير:

«فلما توفي ـ الرضا ـ كتب المأمون إلى الحسن بن سهل يعلمه موت علي و ما دخل عليه من المصيبة بفقده، و كتب إلى أهل بغداد، و بني العباس و الموالي، يعلمهم موته، و أنهم إنما نقموا ببيعته و قد مات، و يسألهم الدخول في طاعته... فكتبوا إليه أغلظ جواب». (17)

و لعل تحدي العباسيين للمأمون بهذا العنف، و مخاوف المأمون من استمرارهم على التمرد و العصيان، يقرب للمؤرخ أن يختار، أن المأمون احتال للقضاء على الامام الرضا، ليتخلص من غضب العباسيين و غيرهم من أهالى بغداد الذين نقموا بيعة الرضا و تمردوا على المأمون من أجلها.

الشك في اخلاص المأمون:

و لو كان المأمون مخلصا في إرجاع الحق لأهله، و جادا في موقفه من ولاية العهد فلماذا لم يجعل ولاية العهد من بعده و بعد وفاة الامام الرضا(ع) في ولده محمد الجواد(ع) الذي يفترص فيه أنه خليفة أبيه، و قد شهد المأمون بعلمه و دينه و تقدمه على سائر بنى هاشم؟

أو أن المأمون لا يريد أن يدخل في تجربة ممثالة قد تنسف مركزه، و تؤدي به إلى مهاوي السقوط و الانهيار..؟

أو أنه قد استنفذ الغرض الذي من أجله بايع للامام الرضا بولاية العهد و ليس فعلا ما يستدعي الدخول في تجربة أخرى؟

4 ـ تحديد موقف الامام الرضا،و منعه من الدعوة لنفسه، بعد قبوله بولاية العهد وبهذا يضمن المأمون لنفسه، خنق عنصر المنافسة الذي كان يعاني من هاجسه أسلافه من الخلفاء، و الذي يدلل عليه سلوكهم القاسي مع الأئمة.

المأمون يفرض الرقابة على الامام:

و لم يكتف المأمون بذلك، بل طوق الامام برقابة صارمة، يرصد بها جمع تحركاته الداخلية و الخارجية، كما حدد له بطريق غير مباشر اتصالاته مع الآخرين فقد روى الريان بن الصلت في حديث:

«أن هشام بن إبراهيم الراشدي، كان من أخص الناس بالرضا، من قبل أن يحمل، و كان عالما أديبا لبيبا، و كانت أمور الرضا تجري من عنده و على يده، و يصير الأموال من النواحي كلها إليه قبل حمل أبى الحسن، فلما حمل أبوالحسن، إتصل هشام بن ابراهيم بذى الرياستين و أدناه، فكان ينقل اخبار الرضا إلى ذي الرياستين و المامون، فحظي بذلك عندهما، و كان لا يخفى عليهما من أخباره شيئا.

فولاه المامون حجابة الرضا، و كان لا يصل إلى الرضا إلا من أحب، و ضيق على الرضا، فكان من يقصد من مواليه لا يصل إليه، و كان لا يتكلم الرضا في داره بشي‏ء إلا أورده هشام على المامون و ذى الرياستين..» (18)

دوافع المأمون لفرض الرقابة:

و الذي دعا المامون لاتخاذ هذا الاجراء القاسي، هو مخاوفه الكبيرة من أن يتحرك الشعور العلوي الذي يغلب على واقع خراسان، في محاولة انقلابية على الحكم، يؤيدها الامام الرضا، و بتحبيذ منه، و هو أمر لا نستبعد منطقيا وقوعه.

انضباط اتباع الائمة:

و لعل المامون يعرف مدى تقيد أتباع الأئمة في تحركاتهم بائمتهم، و أنهم لا يمكن أن يباشروا أي عمل ما لم يكن ذلك عن توجيه مسبق منهم، حتى ياخذ ذلك العمل صفته الشرعية لديهم.

و لهذا لم يكن المامون بحاجة الى فرض رقابة عامة على تحركات القاعدة العلوية التي تدين بالطاعة و الولاء للامام، بقدر ما هو بحاجة إلى فرض رقابة دقيقة على تصرفات الامام و اتصالاته.

و للتاكد من هذا السلوك الذي اعتمده الشيعة في ارتباطهم العملي بائمتهم يحسن بنا أن نورد هنا كمثل على ذلك ما رواه لنا الريان بن الصلت:

فقد ذكر أن إبراهيم بن هشام العباسى، كان ينال من الامام و يتنقص منه، فذكر ذلك للرضا و طلب منه أن يجيزه في القضاء عليه، فمنعه الامام من ذلك بشدة.

ثم قال: له: إن الفضل بن سهل هو ذا يوجهني إلى العراق في أمور له و العباسي خارج بعدى بأيام إلى العراق، فترى أن أقول لمواليك القميين، أن يخرج منهم عشرون أو ثلاثون رجلا، كأنهم قاطعوا طريق أو صعاليك فاذا اجتاز بهم قتلوه، فيقال قتله الصعاليك؟

فسكت فلم يقل لي نعم، و لا لا...

فلما صرت إلى الحوان، بعثت فارسا إلى زكريا بن آدم، و كتبت إليه ان هاهنا امورا لا يحتملها الكتاب، فإن رأيت أن تصير إلى مشكوة في يوم كذا و كذا لأوافيك بها إن شاء الله فوافيت و قد سبقني إلى مشكوة فأعلمته الخبر و قصصت عليه القصة و أنه يوافي هذا الموضع يوم كذا و كذا.

فقال: دعنى و الرجل... فودعته و خرجت.

و رجع الرجل إلى قم، و قد وافاها معمر... فاستشاره فيما قلت له:

فقال له معمر: لا ندري سكوته أمر أو نهي؟ و لم يأمرك بشي‏ء، فليس من الصواب أن تتعرض له، فأمسك عن التوجه إليه زكريا،و اجتاز العباسي بالجادة و سلم منه...» (19) .

و رغم عدم تصريح الامام للريان بشي‏ء و سكوته، بعد منعه بشدة أولا مما يشعر بموافقته على الخطة التي اقترحها الريان للقضاء على العباسى:

رغم ذلك. فان زكريا بن آدم لم يقدم على أي عمل إلا بعد أن استشار معمر في ذلك، فأشار عليه بعدم التحرك، لأن سكوت الامام لا يعلم أنه أمر أو نهي.

و هذا ما يكشف لنا عن الدقة المتناهية في التقيد بأوامر الأئمة و توجيهاتهم.

هذه هي الأسباب الواقعية التي يمكن القطع بان بعضها أو جميعها، هي التي دعت المأمون لعقد ولاية العهد للامام بحسب الفهم التاريخي لظروف تلك الفترة التي كان يمر بها الحكم .

تعليلات ساذجة لولاية العهد:

و من السذاجة أن نقول: أن الداعي له هو وفائه بنذره، إن أظفره الله بالمخلوع أن يجعل الخلافة في أفضل آل أبى‏طالب، كما ذهب إليه الصدوق(ره) فمثل هذا القول إن صدر عن المأمون، كما تقدم ذلك في جوابه للفضل و أخيه الحسن بن سهل فإنما هو لتعمية الأمر على الآخرين .

و مثله ما ذكر من أن السبب فى ذلك هو كشف واقع الأئمة بالنسبة للزهد في الدنيا، و أن إظهارهم ذلك إنما هو من جهة عدم تمكنهم منها.

و لكن المأمون أعرف بواقع الأئمة من غيره، و أبصر بحقيقتهم، و هو يعلم ان مثل ذلك لن يؤثر على موقفهم و موقعيتهم في نفوس الناس.

على أن تولي منصب الخلافة لا يعتبر في نظر الأمة مخالفا لواقع الزهد اذا كان الهدف منه إقامة المجتمع العادل، و أخذ الأمة بسياسة العدل المطلق.

على أن الأئمة و أتباعهم يعتبرون أن الحكم حق لهم اغتصبه الآخرون، و بعد هذا فأي منافاة بين الزهد و تولي مهام الحكم، و إلا لكان ذلك قادحا في زهد الامام على(ع)، و غيره من الخلفاء الذين عرفوا بهذه الصفة.

و أخيرا فان هذه الأسباب التي‏ذكرناها تبرز لنا بوضوح الوجه الآخر للمأمون الذي يكشف عن الخلفية الواقعية لسياسته ذات العبد الغامض، في تركيبة ولاية العهد.

تساؤلات:

و إذا كان المأمون فعلا جادا في عرضه للامام الرضا بالتنازل له عن الخلافة أو تقليده ولاية العهد، فعلينا أن نجيب على بعض التساؤلات التي لا يمكن الاعتقاد بجدية المأمون في عرضه إلا بعد الاجابة عليها:

1 ـ لماذا يأمر المأمون رسوله أن يذهب الى المدينة ليأتيه بالامام مخفورا؟

2 ـ لما حدد له الطريق على أن يكون المرور من البصرة فالاهواز ففارس فمرو؟

3 ـ اذا كان المامون معتقدا لأحقيقة الامام بالخلافة.. فلماذا لم يخطب باسمه و يدعو له دون أن يجشمه عناء السفر إلى مرو بذلك الوضع الخاص؟

4 ـ لماذا أرجعه عن صلاة العيد بعد أن كان قد دعاه إلى ذلك باصرار؟

و هذه التساؤلات قد تبدوا ساذجة و سطحية، و لكنها من العمق بنحو تدخل في اعتبار المؤرخ عند ما يريد أن يقيم ظروف الحادث و ملابساته.

المأمون هو المقترح لولاية العهد:

و الذي يظهر لنا من ملاحظة الظروف السياسية العامة... و وعي‏المأمون السياسي المشوب بالحذر و الدقة، أن المأمون هو المقترح لكفرة ولاية العهد كما تنص عليه الرواية السابقة، و قد حاول الفضل بن سهل دفعه عنها، عندما أعظم له سوء النتائج التي تترتب عليها، و لكنه أذعن أخيرا أمام إصرار المأمون.

استبعاد كون الفضل هو المقترح لها:

و من البعيد أن يكون الفضل بن سهل هو صاحب الفكرة، خصوصا و أنه من صنائع آل برمك و أتباعهم (20) ، الذين عرفوا بانحرافهم البارز عن العلويين فكيف يشير على المأمون بولاية العهد للرضا؟ إلا أن تكون طبيعة الجو السياسي العام للخلافة تقتضي التجاوز عن حدود القضايا المذهبية .

و يذهب ابن الأثير في تاريخه إلى تشيع الفضل، و أنه هو الذي أشار على المأمون بالعهد لعلي بن موسى الرضا. (21)

و ربما روي ذلك في بعض الأخبار، فعن أبو علي الحسين بن أحمد السلامي في كتابه تاريخ خراسان: أن الفضل بن سهل أشار على المأمون بجعل علي بن موسى الرضا ولي عهده (22) ، و قد اختار هذا الرأي جماعة من المؤرخين.

و يروى السلامي أيضا أن الفضل بن سهل قال حين استخلف المأمون يوما لبعض من يعاشره:

أين يقع فعلي فيما أتيته من فعل ابي مسلم فيما أتاه؟

فقال: إن أبا مسلم حولها من قبيلة إلى قبيلة، و أنت حولتها من أخ إلى أخ و بين الحالتين ما تعلمه.

قال الفضل: فإني أحولها من قبيلة إلى قبيلة... ثم أشار على المأمون بجعل علي بن موسى الرضا ولي عهده، فبايعه و أسقط بيعة المؤتمن. (23)

و عن عبد الله بن طاهر قال: أشار الفضل بن سهل على المأمون أن يتقرب إلى الله عز و جل و إلى رسوله بصلة رحمه بالبيعة لعلي بن موسى، ليمحو بذلك ما كان من أمر الرشيد فيهم، و ما كان يقدر على خلافه في شى‏ء، فوجه من خراسان برجاء بن أبى‏الضحاك و ياسر الخادم ليشخصا محمد بن جعفر، و علي بن موسى بن جعفر و ذلك في سنة مائتين... (24)

المأمون يؤكد انه صاحب الفكرة:

و في مقابل ذلك يحدثنا الريان بن الصلت قال:

«أكثر الناس في بيعة الرضا من القواد و العامة و من لا يحب ذلك، و قالوا:

إن هذا من تدبير الفضل بن سهل ذي الرياستين، فبلغ المامون ذلك، فبعث إلى في جوفي الليل فصرت اليه.

فقال: يا ريان بلغني أن الناس يقولون: إن بيعة الرضا كانت من تدبير الفضل بن سهل ذي الرياستين.

فقلت: يا أمير المؤمنين يقولون هذا.

قال: ويحك يا ريان: أيجسر أحد أن يجى‏ء إلى خليفة قد استقامت له الرعية و القواد و استوت له الخلافة، فيقول له إدفع الخلافة من يدك إلى غيرك أ يجوز هذا في العقل؟

قلت له: لا و الله يا أمير المؤمنين، ما يجسر على هذا أحد.

قال: لا و الله ما كان كما يقولون و لكن ساخبرك بسبب ذلك.

ثم يذكر بعد ذلك أن السبب هو معاهدته لله إن أظفره بالمخلوع، و أفضى الأمر إليه أن يضع الأمر في موضعه الذي أراده الله. (25)

التعليل التاريخي لنسبة الفكرة للفضل:

و نحن اذا لاحظنا سلوك الامام مع الفضل و رأيه فيه و تحذيره للمأمون من تسليمه قيادة حكمه له، لا يمكننا إلا أن نرجح الرأي القائل بان ولاية العهد هي من بنات أفكار المامون و من تدبيره السياسى، و ليس الفضل ممن يجهل مركز الامام و قوة نفوذه عندما يكون إلى جانب المأمون، و ليس هو من السذاجة بمكان حتى يورط نفوذه القوي في جهاز المامون في مواجهة غير متكافئة مع نفوذ أقوى منه.

و ما رواه البعض من أنه هو الذي أشار على المامون بذلك، فيمكن أن يعزي الى أن أي حدث يطرأ في جهاز أي حكم ينسب غالبا لصاحب النفوذ القوي في ذلك الجهاز الذي يتحمل أمام الرأي العام مسؤولية أي عمل يصدر عن الحكم.

و لقد كان الفضل في النظر العام صاحب النفوذ الأوسع، و الكلمة الأقوى لدى الخليفة المامون، و حينما يعز المأمون على عقد ولاية العهد للامام، يخال الناس أن ذلك منطلق عن إشارة الفضل الذي أخضع المامون لجميع تصرفاته و فرض السيطرة التامة على جميع أعماله.

و لذا نرى أنه لما ورد كتاب الحسن بن سهل على عيسى بن محمد بن خالد يعلمه فيه بان المامون بايع للرضا بولاية العهد، و أمره بطرح السواد و لبس الخضرة، و يامر من قبله من الجند و القواد و بني هاشم بالبيعة له، و أن ياخذ أهل بغداد بذلك جميعا.

قال بعضهم: نبايع و نلبس الخضرة.

و قال بعضهم: لا نبايع و لا نلبس الخضرة، و لا نخرج هذا الأمر من ولد العباس، و إنما هذا دسيس من الفضل بن سهل. (26)

و ليس اتهام أهل بغداد للفضل إلا لأنه صاحب النفوذ الأقوى في الحكم و لا نستبعد أن تكون إشاعة فكرة إشارة الفضل على المامون بذلك منطلقة من إيحاء الفضل نفسه، ليحفظ بها مركزه عند الرأي العام، باعتباره صاحب النفوذ الأقوى على تصرفات الخليفة، و هو عندما يسأل أحد أصحابه عن رأيه في المقارنة بين فعله و فعل أبي مسلم، يتبجح بانه سينقل الخلافة من قبيلة إلى قبيلة كما فعل أبو مسلم، ليوحى لمحدثه بانه يملك القوة على التصرف بالخلافة كيف شاء، و أن ولاية العهد كانت باشارته هو دون غيره.

الفضل يحاول الوقيعة بين الامام و المأمون:

و فعلا يحاول الفضل أن ينقل الخلافة من قبيلة إلى قبيلة ليرضى بذلك غروره، و ليحقق طموحه في أن يكون أبا مسلم الثاني، فيدخل على الرضا و معه هشام بن عمرو و يقول له:

يابن رسول الله جئتك في سر داخل لي المجلس، فاخرج الفضل يمينا مكتوبة بالعتق و الطلاق و ما لا كفارة له و قالا له:

إنا جئناك لنقول كلمة حق و صدق، و قد علمنا أن الامرة إمرتكم و الحق حقكم يابن رسول الله، و الذي نقول بالسنتنا، عليه ضمائرنا، و إلا نعتق ما نملك، و النساء طوالق، و علي ثلاثون حجة راجلا أنا، على أن نقتل المأمون، و نخلص لك الامر، حتى يرجع الحق إليك، فلم يسمع منهما و شتمهما، و لعنهما.

و قال لهما: كفرتما النعمة، فلا تكون لكما سلامة، و لا لي إن رضيت بما قلتما...

فلما سمع الفضل منه مع هشام علما أنهما اخطئا، فقصدا المامون بعد أن قالا للرضا أردنا بما فعلنا أن نجربك.

فقال لهما الرضا: كذبتما فان قلوبكما على ما أخبرتماني، إلا أنكما لم تجداني نحو ما أردتما.

فلما دخلا على المامون قالا: يا أمير المؤمنين إنا قصدنا الرضا و جربناه و أردنا أن نقف على ما يضمره لك فقلنا و قال.

فقال المامون: وفقتما.

فلما خرجا من عنده قصده الرضا و أخليا المجلس، و أعلمه ما قالاه و أمره أن يحفظ نفسه منهما، فلما سمع ذلك من الرضا علم أن الرضا هو الصادق.

التحليل الموضوعي للمحاولة:

و لو صح هذا الخبر لكان دليلا يبرز لنا البعد السياسى الدقيق لتحرك خطر يحاول الفضل أن يحرز فيه انتصارا لنفسه، و ثارا لموقعه الذي أخذ يبتعد عن مركز القوة، بعد عقد ولاية العهد للامام الرضا، و الفضل في موقفه هذا إما أن يكون جادا في عرضه أو يكون متصنعا .

و لنفرض أنه جاد، فما هو غرضه من هذا العرض؟

و الذي يمكن أن نفهمه تفسيرا للموقف هو أن الفضل يريد بهذا أن يشرك الامام في حبك خيوط المؤامرة على المامون و اغتياله، و عندما تنتقل الخلافة للامام باعتباره ولي عهده، يتمكن الفضل من امتلاك زمام الحكم، و فرض سيطرته على السلطة، جاعلا من اشتراك الامام في المؤامرة وثيقة إدانة له يهدده بها فيما لو حاول الامام الحد من نفوذه.

أو أنه بعد قضائه على المأمون، يسهل عليه القضاء على الامام الرضا عليه السلام باعانة من القوى المعارضة لتولي الامام الخلافة.

و لو كان الفضل فعلا صادقا في عرضه بنقل الخلافة إلى البيت العلوي و القضاء على المامون، و مقتنعا بواقعية الفكرة، فاي ضرورة تدعوه لاستشارة الامام في ذلك، فانه بعد القضاء على المامون تنتقل الخلافة إلى الامام عفويا و بدون أي مانع باعتباره وليا للعهد.

و لنفرض أنه متصنع في عرضه كما حاول الفضل أن يؤكده بعد رد الامام له، فالهدف الذي يرمي اليه من وراء ذلك واضح، إذ إنه بذلك يريد أن يعكر صفو العلاقات القائمة بين الامام و المامون، و فى نفس الوقت ليثبت للمامون اخلاصه و حرصه على سلامة الحكم.

الامام يفوت على الفضل تحقيق هدفه:

و قد فوت الامام عليه أن يحقق الهدف الذي يرمي اليه على أي من الوجهين حملنا موقف الفضل، و كان تأكيد الامام الرضا للمأمون بصدق الفضل في عرضه سببا قويا ينضم للأسباب الأخرى التي دعت المأمون بعد هذا أن يقضي على الفضل.

و لعلنا بعد هذا يمكننا أن نقتنع بأن فكرة ولاية العهد ناشئة عن شعور المأمون بالذات بضرورتها الملحة، لاقتناص بعض المكاسب السياسية التي يهم الحكم إحرازها.

كما أننا يمكننا أن نقتنع بأن تشيع الفضل بن سهل أمر لا شاهد له و إن أصر عليه كثير من المؤرخين، إذ الصاق فكرة التشيع مردها إلى ما نقل من إن الفضل كان المحرك الأول للمأمون على جعل ولاية العهد للرضا، و لكننا نختار العكس ، لعدم ثبوت ذلك بما قربناه في هذا التحليل للمواقف.

المأمون يبعث بطلب الامام:

بعد أن قيم المأمون الوضع العام لسياسة حكمه الذي طوقته الأحداث إبتداء من انتقاض بغداد عليه و خلعه من ولاية العهد، و مرورا بالتجمع الشيعي العلوي الذي يحيط بقاعدة حكمه في خراسان، و انتهاء بالثورات العلوية في العراق و الحجاز و اليمن، بدا له أن يعالج نقطة الضعف هذه بتحرك سياسى بارع و مقبول يكون بمثابة عملية إلهاء للعلويين و شيعتهم من أهل خراسان، و في نفس الوقت تهديد مرعب للتجمع العباسي في بغداد يضمن لمركزه النفوذ و السيطرة على جميع الفرقاء، و لا يتم ذلك الا بجعل ولاية العهد للامام علي بن موسى الرضا و كان أن أرسل إلى الامام يستدعيه إلى مرو و قد امتنع الامام عن ذلك و جرت بينهما مراسلات كثيرة حتى تمكن المأمون أخيرا من اقناعه بالمجي‏ء بأساليبه الخاصة فأرسل إليه من يصحبه في طريقه و هو رجا بن أبى الضحاك أو الجلودي كما عن المفيد و أبى الفرج، و لا يذكر التاريخ شيئا عن هذه الرحلة، إلا بعض النتف التي لا تعطينا صورة واضحة عن طبيعتها و خصوصياتها .

المأمون يحدد الطريق:

و كان المأمون قد أمر الرسول أن يسير به مع جملة من آل أبى‏طالب، على طريق البصرة فالأهواز و فارس آخذا في اعتباره أن الطريق الآخر، و هو الكوفة فالجبل فكرمنشاه فقم مناطق تجمع الشيعة و قوتهم، و ربما يهزهم الحماس عندما يجدون الامام بينهم، فيحبسونه عندهم، و يورطون الحكم في مضاعفات خطيرة قد تتسبب باضعافه و انهياره.

الامام في نيشابور:

و حين دخل نيشابور نزل في محلة يقال لها القزويني، فيها حمام، و هو الحمام المعروف اليوم بحمام الرضا، و كانت هناك عين قد قل ماؤها فأقام عليها من أخرج مائها حتى توفر، و اتخذ من خارج الدرب حوضا ينزل إليه بالمراقي إلى هذه العين، فدخله الرضا و اغتسل فيه، ثم خرج منه فصلى على ظهره.

حديث سلسلة الذهب:

و عن تاريخ نيشابور كما في الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي: أن الامام لما دخل إلى نيشابور في سيره إلى مرو كان في قبة مستورة بالسقلاط، على بغلة شهباء، و قد شق نيشابور، فعرض له الامامان الحافظان للأحاديث النبوية و المثابران على السنة المحمدية، أبو زرعة الرازى، و محمد بن أسلم الطوسي و معهما خلائق لا يحصون من طلبة العلم، و أهل الأحاديث و الدراية، فقالا:

أيها السيد الجليل و ابن السادة الأئمة، بحق آباءك الأطهرين، و أسلافك الأكرمين، إلا ما أريتنا وجهك الميمون المبارك، و رويت لنا حديثا عن آبائك عن جدك محمد(ص) نذكرك به فاستوقف البغلة، و أمر غلمانه بكشف المظلة عن القبة، و أقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة، فكانت له ذؤابتان على عاتقه، و الناس كلهم قيام على طبقاتهم، ينظرون إليه و هم ما بين صارخ و باك و متمرغ فى التراب، و مقبل لحافر بغلته، و علا الضجيج فصاحت الأئمة و العلماء و الفقهاء معاشر الناس إسمعوا و وعوا و انصتوا لسماع ما ينفعكم، و لاتؤذونا بكثرة صراخكم و بكائكم، و كان المستملي أبو زرعة محمد ابن أسلم الطوسي، فقال علي بن موسى الرضا:

حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه على زين العابدين عن أبيه الحسين شهيد كربلاء عن أبيه علي بن أبى‏طالب أنه قال:

حدثنى حبيبي وقرة عيني رسول الله(ص) قال: حدثنى جبرئيل قال: سمعت رب العزة سبحانه و تعالى يقول:

«كلمة لا إله الا الله حصنى، فمن قالها دخل حصني، و من دخل حصني أمن من عذابى...».

ثم أرخى الستر على القبة و سار.. فعدوا أهل المحابر و الدوي الذين كانوا يكتبون، فاتوا على عشرين ألفا.

قال ابو نعيم فى الحلية بعد روايته لهذا الحديث هذا حديث ثابت مشهور بهذا الاسناد، من رواية الطاهرين، عن آبائهم الطيبين، و كان بعض سلفنا من المحدثين... إذا روى هذا الاسناد قال: لو قرء هذا الاسناد على مجنون لأفاق...الامام يواصل رحلته الى مرو:

ثم واصل الامام رحلته حتى بلغ مرو، فأنزله المأمون منزلا كريما و أحاطه بروائع التجلة و الاحترام و صنوف التقدير و الاعظام، و يبدأ المأمون حينها بتنفيذ مخططه الذي أعده لولاية العهد.

الامام يشترط:

و أخيرا قبل الامام بولاية العهد، و لكنه اتخذ من الحكم موقفا سلبيا مثيرا فهو يشترط أن لا تناط به أي مسؤولية من المسؤوليات العامة و الخاصة التي تتعلق بالحكم و أجهزته، و يقبل المأمون ذلك منه على مضض، و لكنه في بعض الفترات يحاول أن يزج بالامام في خضم بعض المسؤوليات، و لكن الامام يمتنع مذكرا إياه بلزوم الوفاء بشرطه.

يقول الامام للمأمون عندما أقنعه بالقبول: و أنا أقبل ذلك على ان لا أولي أحدا و لا أعزل أحدا و لا أنقض رسما و لا سنة، و أكون في الأمر من بعيد مشيرا، فرضي منه بذلك (27) .

ثم في موقف آخر يحاول المأمون أن يقحم الامام في مسؤوليات الحكم قال معمر بن خلاد، قال لي أبو الحسن الرضا:

قال لي المأمون: يا أبا الحسن أنظر بعض من تثق به توليه هذه البلدان التي قد فسدت علينا .

فقلت له: تفي لي و أفي لك، إنما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر و لا أنهي و لا أعزل و لا أولي، و لا أسير حتى يقدمني الله قبلك، فوالله إن الخلافة شي‏ء ما حدثت به نفسي، و لقد كنت بالمدينة أتردد في طرقها على دابتي، و إن أهلها و غيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم، فيصيرون لي كالأعمام، و إن كتبي لنافذة في الأمصار و ما زدتني في نعمة هي علي من ربي.

فقال: أفي لك... (28) .

تحليل الموقف السلبي للامام من تحمل المسؤولية:

و لابد لنا من جلاء بعض الغموض الذي يكتنف هذا الموقف السلبي للامام إزاء الحكم، فلماذا يرفض التعاون مع المأمون في إنفاذ مهام الدولة؟

و علينا قبل أي شى‏ء أن نقيم نظرة الامام للحكم و شرعيته في ظل قيادة المأمون، و إيحاءات الفضل بن سهل و نظرائه من الزعماء و القادة.

و بالطبع لم تكن نظرته لذلك نظرة ايجابية، لاعتقاده بعدم شرعيته مادام الحكم بعيدا عن قيادته باعتباره الامام الأصيل المنصوص عليه من صاحب الرسالة بموجب إخبارات يتلقاها إمام عن إمام.

و لهذا نرى الانكار من أصحابه شاملا لتوليه منصب ولاية العهد، الذي يعتبر اعترافا ضمنيا بشرعية الخلافة القائمة، و نرى التبرير المقبول لديهم من الامام بأنه مكره و بأن هذا المنصب الذي فرض عليه لن يغير من موقفه شيئا إراء الحكم، فهو لم يدخل فيه إلا دخول خارج منه (29) و إن الذي حمله على قبول ذلك ما حمل جده أمير المؤمنين على الدخول في الشورى (30) .

و لو شاء الامام الرضا أن يشارك المامون في تحمل أعباء مسؤولية الحكم لكان ذلك بمثابة اعتراف بشرعية تركيبة الحكم، و إقرار لجميع التصرفات التي تصدر عن أجهزته العليا، و لكنه آثر أن يلتزم دور المشير من البعيد حفاظا على المصلحة الاسلامية التي يجب عليه رعايتها.

على أن الامام لا يريد أن يعطي للمأمون حق الوصاية على تصرفاته و أعماله و لا أن يكون المنفذ لرغباته و مطامحه، فهو لا يطمع أن يكون صاحب الموقف الأقوى فى الحكم، أو المسيطر على أجهزته، حتى يعطى للمأمون ما أعطاه الفضل به سهل و غيره، الذين كانوا يتزاحمون على التودد له، و التزلف اليه، و تنفيذ رغباته مهما كانت، ليكون لهم السبق في امتلاك المركز الأقوى في جهاز الحكم.

و لنفرتض أن الامام قبل بمبدأ المشاركة في إدارة الحكم، فان ذلك سيعرضه لمواجهة شاملة و حادة مع الآخرين الذين يعتبرون الامام الرضا عنصرا غريبا عن أجهزتهم سلوكا و منهجا و إطارا و محتوى، و قد يدفع بهم بعيدا عن دائرة الحكم خصوصا و أنه لا يمكن أن يرتضي جميع تصرفاتهم التي يمكن أن يتجاوز أكثرها الحد المقرر له في المجال الشرعي.

و ربما يتسبب عن هذه المواجهة تعريض موقف الامام لمضاعفات خطرة قد تؤثر على كيانه و شخصيته تاريخيا، و لو بافتعال أدوار رخيصة من وراء الكواليس، يلصقونها به ليثيروا عليه نقمة الحكم و يشوهوا الطابع القدسي الذي يحمله له الآخرين.

و هل ينقص هؤلاء أساليبهم الخاصة في إضفاء ضباب من الشك على تحركات الامام و تمييع تصرفاته أمام الخليفة المأمون؟

و ذلك الانسان الذي رفع المأمون إلى سدة الخلافة، بعد أن قلب نظام الحكم في بغداد و أطاع بالأمين بما يملكه من قدرات سياسية و عسكرية، يعجزه أن يخطط للقضاء على الامام الرضا، أو ينال من شخصيته ليضمن لنفسه البقاء في مركز القوة.

و الواقع أنه بقدر على ما كان المأمون ذكيا و بارعا في فرض ولاية العهد على الامام الرضا، بقدر ما كان الامام واعيا لموقفه و بصيرا بالعواقب عندما ابتعد عمليا عن مواطن المسؤولية .

الاحتفال بولاية العهد:

و عندما قبل الامام ولاية العهد، أراد المأمون أن يحتفل بهذا الحدث الكبير فجلس للخاصة في يوم الخميس، و خرج الفضل بن سهل و أعلم الناس برأي المأمون في على بن موسى الرضا، و أنه قد ولاه العهد، و سماه الرضا و أمرهم بلبس الخضرة و العود لبيعته في الخميس، على أن يأخذوا رزق سنة.

فلما كان ذلك اليوم ركب الناس على طبقاتهم من القواد و الحجاب و القضاة و غيرهم في الخضرة، و جلس المأمون و وضع للرضا وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه و فرشه، و أجلس الرضا عليها في الخضرة، و عليه عمامة و سيف، ثم أمر ابنه العباس بن المأمون أن يبايع له أول الناس، فرفع الرضا يده فتلقى بظهرها وجه نفسه، و ببطنها وجوههم.

فقال له المأمون: إبسط يدك للبيعة.

فقال له الرضا: ان رسول الله(ص) هكذا كان يبايع:

فبايعه الناس و يده فوق أيديهم، و وضعت البدر، و قامت الخطباء و الشعراء فجعلوا يذكرون فضل الرضا، و ما كان من المأمون في أمره.

ثم دعا أبو عباد بالعباس بن المأمون، فوثب فدنا من أبيه فقبل يده و أمره بالجلوس، ثم نودي على محمد بن جعفر بن محمد فقال له الفضل بن سهل:

قم.. فقام و مشى حتى قرب من المأمون، و وقف و لم يقبل يده، فقيل له إمض فخذ جائزتك، و ناداه المأمون إرجع يا أبا جعفر إلى مجلسك، فرجع.

ثم جعل أبو عباد يدعو بعلوي و عباسي فيقضيان جوائزهما حتى نفذت الأموال.

ثم قال المأمون للرضا إخطب و تكلم فيهم.

فحمد الله و أثنى عليه و قال: لنا عليكم حق برسول الله، و لكم علينا حق به، فإذا أنتم أديتم إلينا ذلك، وجب علينا حق لكم.

و لا يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس، و أمر المأمون فضربت الدراهم فطبع عليها إسم الرضا .

و زوج إسحاق بن موسى بن جعفر، بنت عمه اسحاق بن جعفر بن محمد و أمره أن يحج بالناس، و خطب للرضا فى بلده بولاية العهد... (31)

و أمر ان يخطب للرضا فى جميع الأقطار و الدعاء له باعتباره ولي عهد المسلمين.

مدائحه:

و قد مدحه الشعراء بمديح رائع اثبت منه أبيات لأبي نؤاس هي أروع ما قيل فيه، فقد لامه الناس على عدم مدحه للرضا(ع) فقال في ذلك:

قيل لي أنت أشعر الناس طرا

في فنون من الكلام النبيه

لك من جوهر الكلام بديع

يثمر الدر في يدي مجتنيه

فعلام تركت مدح ابن موسى

و الخصال التي تجمعن فيه

قلت لا استطيع مدح إمام

كان جبريل خادما لابيه

فقال له المأمون: أحسنت... و وصله من المال بمثل الذي وصل به كافة الشعراء و فضله عليهم .

و كان أبو نؤاس شيعي المذهب، و قد رويت عنه أساطير من المجون لنا فيها رأي خاص ينزه الشاعر عما ألصق به.

و خرج أبو نؤاس ذات يوم من داره، فبصر براكب قد حاذاه فسأل عنه و لم ير وجهه، فقيل له إنه على بن موسى الرضا فأنشد يقول:

إذا أبصرتك العين من بعد غاية

و عارض فيك الشك أثبتك القلب

و لو أن قوما يمموك لقادهم

نسيمك حتى يستدل بك الركب

و نظر مرة إلى الامام و هو خارج من عند المأمون على بغلة له، فدنا منه أبو نؤاس فسلم عليه و قال: يابن رسول الله قد قلت فيك أبياتا فاحب أن تسمعها مني، قال هات... فأنشأ :

مطهرون نقيات ثيابهم

تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

من لم يكن علويا حين تنسبه

فما له فى قديم الدهر مفتخر

فالله لما برا خلقا فأتقنه

صفاكم و اصطفاكم أيها البشر

و أنتم الملأ الأعلى و عندكم

علم الكتاب و ما جاءت به السور

فقال الرضا: قد جئتنا بأبيات ما سبقك اليها أحد.

ثم قال: يا غلام هل معك من نفقتنا شي‏ء؟

فقال: ثلاث مائة دينار.

فقال أعطها اياه.

ثم قال: لعله استقلها، يا غلام سق إليه البغلة (32) .

أما دعبل شاعر أهل البيت فلم أطلع له على مديح للرضا بالمناسبة و إنما الذي نقلته لنا كتب التاريخ قصيدته التائية المشهورة، التي صور لنا فيها المآسى الرهيبة التي عاني فيها أهل البيت مرارة الظلم و الطغيان من خلفاء زمانهم و أجهزة حكمهم الجائرة.

و كأن دعبل في قصيدته يريد أن يستفز عواطف الأمة، ليوقظ فيها حسن الولاء لأهل البيت، و الانتصار لهم على أعدائهم و الغاصبين لحقهم، بعرضه الرائع لسلسلة المآسي الدامية، التي روعوا بها في مختلف أدوار الحكم الاموى و العباسي، و مطلع القصيدة:

تجاوبن بالارنان و الزفرات

نوائح عجم اللفظ و النطقات

ثم يستعرض فيها الوقائع التي مرت بأهل البيت من حين وفاة النبي(ص) مرورا بأحداث السقيفة، و موقف الأمة من الخلافة، و انتهاءا بنكبة الامام موسى بن جعفر، ثم يخلص إلى مدح أهل البيت، و استعراض خصائصهم و مميزاتهم، و لقد تأثر الامام الرضا لبيتين في القصيدة، و ظهر عليه ذلك بوضوح فعندما قال دعبل:

أرى فيئهم في غيرهم متقسما

و أيديهم من فيئهم صفرات

بكى الامام و قال: صدقت يا خزاعى... و قد أصاب فيه دعبل الوتر الحساس للمحنة التي يعاني منها أهل البيت، و حينما قال:

إذا وتروا مدوا إلى واتريهم

أكفا عن الأوتار منقبضات

جعل الامام يقلب كفيه و يقول: أجل منقبضات.

و القصيدة من روائع الشعر العربى، في سهولة التعبير، و واقعية العرض و جودة السبك، و حسن الأداء.

و لما انتهى دعبل أجازه الرضا ـ كما يقول في الأغاني ـ بعشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه، و خلع عليه خلعة من ثيابه، فأعطاه بها أهل قم ثلاثين ألف درهم فلم يبعها، فقطعوا عليه الطريق فأخذوا منه.

فقال لهم: إنها تراد لله عز و جل، و هى محرمة عليكم، فحلف أن لا يبيعها أو يعطونه بعضها فيكون في كفنه.

فاعطوه فرد كم كان في أكفانه.

و كتب قصيدته (مدارس آيات) فيما يقال عن ثوب و أحرم فيه، و أمر بأن يكون في كفنه، و لم يزل دعبل مرهوب اللسان، و يخاف من هجائه الخلفاء.

قال ابن المدبر: لقيت دعبلا... فقلت له: أنت أجسر الناس حيث تقول في المأمون:

إني من القوم الذين سيوفهم

قتلت أخاك و شرفتك بمقعد

رفعوا محلك بعد طول خموله

و استنقذوك من الحضيض الأوهد

فقال لي: يا أبا إسحاق إني أحمل خشبتى منذ أربعين سنة و لا أجد من يصلبني عليها... (33) .

قصة طريفة:

و من طريف ما ينقل: أن دعبل انصرف من مرو بعد أن أنشد الرضا قصيدته التائية.. فمر في طريقه على مياه فوهان، فاعترض القافلة اللصوص و أخذوها بأسرها، و كتفوا أهلها و كان دعبل فيمن كتف، و ملك اللصوص القافلة، و جعلوا يقسمونها بينهم، فقال رجل من القوم متمثلا بقول دعبل في قصيدته:

أرى فيئهم في غيرهم متقسما

و أيديهم من فيئهم صفرات

فسمعه دعبل فقال له: لمن هذا البيت؟

فقال لرجل من خزاعة يقال له دعبل بن علي.

قال دعبل: فأنا دعبل قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت.

فوثب الرجل إلى رئيسهم و كان يصلي على رأس تل و كان من الشيعة فأخبره فجاء بنفسه حتى وقف على دعبل.

فقال له: أنت دعبل؟

فقال نعم.

فقال له: أنشد القصيدة ـ فأنشدها فحل كتافه و كتاف جميع القافلة و رد اليهم جميع ما أخذوا منهم كرامة لدعبل. (34)

و هذه القصة و إن كنا لا نعلم موقعها من الصحة، و لكنها على أي حال قصة معبرة عن المغزى الواقعي الذى يرمى إليه هذا البيت.

المعارضون لولاية العهد:

لقد كانت ولاية العهد مصدر رعب يشوبه السخط و الغضب من قبل العباسيين و أتباعهم، و ظهر أثر ذلك في خلع المأمون من الخلافة في بغداد و انتقاض الأمر عليه مما سبب له متاعب كبيرة .

كما أن هناك جملة من خاصته و قادته، رفضوا إقراره على خطوته هذه و صرحوا بخلافه له و أصروا على ذلك، حتى اضطر ـ كما قيل ـ لاعتقالهم أخيرا خشية أن يفسدوا عليه خطته و من هؤلاء ثلاثة نفر و هم: الجلودي و علي بن أبى‏عمران (كذا) و ابن مؤنس و يروي الصدوق أنهم قتلوا بعد ذلك (35) ، و إن كانت بعض الشواهد التاريخية تقضي بخلاف ذلك، فقد ذكر الطبري و ابن الأثير في أحداث سنة 205 أن المأمون ولى يزيد بن عيسى الجلودي قتال الزط في اليمن (36) ، و مثله اليعقوبي.

بحث تاريخي:

و نستبعد أن يكون الجلودي الذي قتله المأمون غير الجلودي الذي تولى قتال الزط و ربما يكون المأمون لم يقتله بشفاعة الرضا(ع).

و من الغريب أن يتمرد هؤلاء القادة على إرادة المأمون، و يصرون على تمردهم و خلافهم إلى حد ضرب الأعناق، و من هنا لا يسعنا أن نجزم بصدق هذه الرواية بحسب الموازين المألوفة في فهم التاريخ.

و يذكر الصدوق... رواية قتلهم بصورة هي أقرب إلى مسرحية، أتقن واضعها توزيع أدوار البطولة فيها على عناصرها.

و من القريب أن يكون علي ابن ابي عمران الذي ذكره الصدوق في عداد هؤلاء الثلاثة، هو عبد العزيز بن عمران، الذي سيأتي انه قتل مع آخرين بأمر من المأمون لاتهامهم بوجود علاقة لهم، في حادثة اغتيال الفضل بن سهل.

المعارضة الصامتة:

و هناك بعض العناصر ممن لم يرق لها تنصيب الامام لولاية العهد، و إخراج الأمر من بني العباس، و لكنهم خضعوا للأمر الواقع على دخيلة سيئة في نفوسهم تمشيا مع رغبة الحكم التي ليس بامكانهم تسجيل موقف مضاد معه.

و لكنهم لم يستطيعوا التماسك في موقفهم أخيرا، بل أبانوا ما في نفوسهم من مراره إزاء هذا التصرف الغير المسؤول من الحكم على حد تصورهم.

فقد حج بالناس إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى، و دعا للمأمون و لعلي بن موسى من بعده بولاية العهد، فوثب إليه حمدويه بن علي بن عيسى بن موسى بن عيسى بن ماهان فدعا إسحاق بسواد ليلبسه فلم يجده، فأخذ علما أسود فالتحف به و قال:

أيها الناس: إني قد بلغتكم ما أمرت به، و لست أعرف إلا أمير المؤمنين و الفضل بن سهل، ثم نزل... (37)

و هذه الحادثة تدلنا على وجود معارضة خفية و صامتة، لا تريد الدخول في معركة تحديد المواقف مع الحكم، مضافا إلى المعارضة التي اتخذت موقفها السلبي من الحكم علنا، كما حدث في بغداد و غيرها.

و علي إى... فان هؤلاء الرافضين بولاية العهد، لم يدركوا الباعث للمأمون على إثارتها في تلك الظروف السياسية القلقلة التي كان يعيشها الحكم العباسى و لم يكن المأمون إنسانا ساذجا حتى يعطى لهؤلاء كلمة السر التي أقفل عليها نفسه، حتى يبلغ منتهى الشوط الذي خطط من أجله.

صلاة العيد:

و من مظاهر ولاية العهد التي لم يقدر لها أن تتم صلاة العيد، التي أصر المأمون على الامام ان يؤدي مراسيمها بنفسه، لو عكة ألمت به أو غير ذلك، فقد روى فى الارشاد عن على بن ابراهيم، عن ياسر الخادم، و الريان بن الصلت جميعا قالا:

لما حضر العيد، و كان قد عقد للرضا الأمر بولاية العهد، بعث المأمون إليه في الركوب الى العيد، و الصلاة بالناس و الخطبة لهم فبعث إليه الرضا قد علمت ما كان بيني و بينك من الشروط في دخول الأمر، فاعفني من الصلاة بالناس.

فقال له المأمون: إنما أريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس، و يعرفوا فضلك.

و لم تزل ـ الرسلـ تترد بينهما فى ذلك، فلما ألح عليه المأمون، أرسل إليه: إن أعفيتني فهو أحب إلى، و إن لم تعفني خرجت كما خرج، رسول الله(ص) و أمير المؤمنين علي بن أبى‏طالب (ع) فقال له المأمون: أخرج كيف شئت.

و أمر القواد و الحجاب و الناس أن يبكروا إلى باب الرضا.

قال: فقعد الناس لأبي الحسن الرضا في الطرقات و السطوح، و اجتمع النساء و الصبيان ينتظرون خروجه، و صار جميع القواد و الجند إلى بابه فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس.

فاغتسل أبو الحسن و لبس ثيابه و تعمم بعمامة بيضاء من قطن، ألقى طرفا منها على صدره، و طرفا منها بين كتفيه، و مس شيئا من الطيب، و أخذ بيده عكازة.

و قال لمواليه: افعلوا مثلما فعلت.

فخرجوا بين يديه و هو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق، و عليه ثياب مشمرة، فمشى قليلا و رفع رأسه إلى السماء و كبر و كبر مواليه معه ثم مشى حتى وقف على الباب، فلما رأوه القواد و الجند على تلك الصورة سقطوا كلهم عن الدواب إلى الأرض، و كان أحسنهم حالا من كان معه سكين قطع بها شرابة جاجيلته (و هي من النعل تتخذ من الجلد) و نزعها و تحفى و كبر الرضا على الباب و كبر الناس معه، فخيل إلينا أن السماء و الحيطان تجاوبه، و تزعزت مرو بالبكاء و الضجيج لما رأوا أبا الحسن و سمعوا تكبيره.

ارجاع الامام:

و بلغ المأمون ذلك..

فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلي على هذا السبيل أفتتن به الناس، و خفنا كلنا على دمائنا، فأنفذ اليه أن يرجع.

فأنفذ اليه المأمون: قد كلفناك شططا و أتعبناك، و لسنا نحب أن تلحقك مشقة فارجع، و ليصل بالناس من كان يصلى بهم على رسمه.

فدعا أبو الحسن بخفه فلبسه و ركب و رجع، و اختلف أمر الناس في ذلك اليوم، و لم ينتظم في صلاتهم.

تحليل لأسلوب الامام في صلاة العيد:

و هكذا أراد الامام أن يعطي لصلاة العيد معناها الروحي الكبير و يفصلها عن مظاهر الزيف التي التصقت بها من قبل الخلفاء الحاكمين، الذين كانوا يستغلونها لعرض قوتهم التي يتمتعون بها و لتركيز حس الهيبة و العظمة لهم في نفوس الجماهير.

و لم يكن هذا المظهر الرائع الذي حاول الامام أن يعيد به للتشريع أصالته بالشي‏ء المألوف عند تلك الجماهير، و كانت المفاجاة الرائعة، أن تنصهر عواطف تلك الجموع، بموقف الامام المتمرد على التقاليد المتبعة للخلفاء، في مثل هذه المواقف.

و يعيش الناس في تلك اللحظات انطلاقة روحية سامية، تعمق في نفوسهم حس الايمان و تبتعد بهم عن مظاهر الزيف.

و لقد كان هذا الموقف الرسالي للامام دعوة صريحة للأمة، إلى تقييم الأجهزة التي تتحكم بارواحها و مقدراتها، وايحاء لها بالزيف الذي تتسم به مظاهر الحكم و بعدها عن واقع رسالة الاسلام.

و من هنا نرى الفضل يسرع ليحذر المأمون من حراجة الموقف، و ينذره بافتتان الناس و اقلابهم على الحكم إن هو لم يرجع الامان عن الصلاة، و يتاثر المأمون بتحذير الفضل، فيرسل من يطلب من الامام أن يرجع إلى منزله.

من اساليب الامام في الدعو:

و للامام أسلوبه الخاص في الدعوة، فهو يستغل بعض المواقف المثيرة كي يشعر الناس بفساد الحكم و جهازه، بعد أن لم تكن له حرية الحركة مما فرضه عليه المأمون و وزيره الفضل به سهل من الرقابة الصارمة على جميع تصرفاته و أقواله.

و من جملة تلك المواقف الرسالية، اشتراطه في قبول ولاية العهد، أن لا يكون له أمر أو نهي و لا أن يعزل أو يولي أحدا، و لا يتصرف أي تصرف في شؤون الحكم، و هو ما يشعر بعدم صلاحية الحكم للتعاون معه مما يثير التساؤلات من حوله.

و أخيرا...

هذه هي قصة ولاية العهد... و قد حاولت أن أكون وفيا مع التاريخ في عرضها بجميع ملابساتها و تطوراتها دون أن يكون لي هدف من وراء ذلك سوى تبرئة ساحة الامام الرضا من بعض شوائب الاتهام، و التي ربما تتعرض اليها بعض النفوس، و التي تقف في فهمها للتاريخ في حدود قوالب النصوص دون أن تحاول ملاحظة المادة الأساسية في دراسة التاريخ... و هي تقييم الظروف العامة، و الظواهر السياسية التي تطغى على واقع الحكم، و المؤثرات الاجتماعية التي ربما يكون لها علاقة في تحديد بعض المواقف، و اتخاذ بعض الخطوات التي تمليها ضرورة الحكم .

وحبذا لو يتسنى للتاريخ من يدرس قصته الطويلة، على أساس تحليل المواقف و تقيم الظروف، و عندها سينجلى ضباب الغموض عن كثير من مشاهده و صوره، و نكون أكثر واقعية في حكمنا على الأحداث.

الهوامش:

1)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .141

2)الارشاد، ص 290، و مثله في مقاتل الطالبين لأبي الفرج، ص .375

3)المقاتل، ص .375

4)علل الشرائع، ج 1، ص .266

5)البحار، ج 49، ص 208 عن كتاب نديم الفريد لابن مسكويه.

6)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .148

7)علل الشرائع، ج 1، ص .226

8)الظاهر أن الحسن بن سهل كان يومها في العراق، واليا من قبل المأمون عليها، و لا نعرف وجها لذكر الحسن في هذه الرواية، إلا أن يكون المأمون قد استدعاه خصيصا لاستشارته بعقد ولاية العهد للإمام الرضا، كما احتمل ذلك السيد الأمين في الأعيان، إلا ان رسالة الفضل لأخيه الحسن بعقد ولاية العهد كما يروي ذلك ابن الأثير و الطبري و غيرهما من المؤرخين تنفي ذلك و لعل زيادة من الراوي جهلا بالحال أو أنها قد زيدت عليه، و هذه آفة الروايات .

9)الارشاد، ص .291

10)مقاتل الطالبين، ص .375

11)الارشاد، ص .291

12)المهدي و المهدوية من سلسلة أقرأ، ص 61 و 62 أحمد أمين.

13)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .141

14)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .167

15)تفسير العياشى، ج 2، ص 180، سورة يوسف آية . 55

16)امالي الصدوق، ص .72

17)إبن الأثير، ج 5، ص .193

18)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .153

19)قرب الاسناد، ص .200

20)و في سنة تسعين و مائة أسلم الفضل بن سهل على يد المأمون، و قيل بل أسلم أبوه سهل على يد المهدي و كان محبوسا، و قيل أسلم الفضل و أخوه الحسن على يد يحيى بن خالد البرمكي، فاختاره يحيى لخدمة المأمون فلهذا كان الفضل يرعى البرامكة و يثني عليهم ـ إبن الأثير، ج 5، ص .123

21)نفس المصدر.

22)عنه عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .165

23)نفس المصدر، ج 2، ص .165

24)نفس المصدر، ص .147

25)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .151

26)الطبري، ج 8 ص 555، حوادث سنة .201

27)علل الشرائع، ج 1، ص .266

28)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .167

29)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .139

30)نفس المصدر، ج 2، ص .140

31)الارشاد، ص 291، مقاتل الطالبين، ص 375 ـ .376

32)عيون أخبار الرضا، ج ص 143 ـ و ربما يشك البعض في نسبة هذا الشعر لأبي نؤاس، باعتبار أن وفاته كانت قبل ولاية العهد للامام الرضا بثلاث سنين على أقل الروايات فقد قيل أنه توفي سنة 195 و قيل سنة 198 و قيل غير ذلك، و المفروض أن ولاية العهد كانت في سنة 201، و معه يقطع بأنه لم يدرك المناسبة، و لم يقل بها شيئا.

و هناك احتمالات:

1 ـ أن يكون القائل لهذا الشعر هو أبو نؤاس الشاعر المعروف، و لكنه قاله في غير هذه المناسبة، و هو غير بعيد، خصوصا بعد الاتفاق على نقل الشعر له.

2 ـ أن يكون القائل له هو أبو نؤاس آخر، و هو المعروف بأبي نؤاس الحق الذي كان من أصحاب الامام الهادي(ع) و هو أبو السري سهل بن يعقوب بن إسحاق، و كان يتخالع و يتطيب مع الناس و يظهر التشيع على الطيبة فيأمن على نفسه، فلما سمع عنه الامام الهادي ذلك لقبه بأبي نؤاس الحق، و قال: يا أبا السري. أنت ابو نؤاس الحق، و من تقدمك أبو نؤاس الباطل... الكنى و الالقاب، للقمى، ج 1، ص .170

و لكن الذي ينبغي إثباته هو أن أبا نؤاس الحق قد أدرك زمان الامام الرضا، و لا شاهد لدينا على ذلك، و ربما يكون عده من أصحاب الامام الهادي(ع) دون من تقدمه من الأئمة شاهدا على العكس، و عليه يكون الاحتمال الأول أقرب. و الله اعلم.

33)الأغاني، ج 20، ص 69 ـ .81

34)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .264

35)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 159 ـ .164

36)ابن الأثير، ج 5، ص .197

37)عيون أخبار الرضا، ج 2، ص .44

الامام الرضا تاريخ و دراسة صفحه 103

محمد جواد فضل الله