لإمام الرضا عليه السلام عرض و تحليل

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

و الحمد لله و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و آله الطاهرين و بعد فان اهل البيت صلوات الله و سلامه عليهم مفتاح لكل خير و منهل لكل علم و مربع لكل خلق فاضل و مرتع لكل ضال جائع فلا ينفك ذكرههم بملأ الآفاق و سيرتهم تشرف الاخلاق و روائع افعالهم قلائد في الاعناق فما من انسان عالم سما به علمه الا و هم اساتذته أيا كان وفي أي فرع تكلم.

و قد جهل العالم قدرهم مدة من الزمن يوم كان الضلال مخيما على ربوعهم و الجهل منتشر بين اجوائهم و عندما ازيح هذا الحجاب عن اعين الناس و استبصروا بعد ضلال و جهالة عرفوا ما لأهل هذا البيت من قيمة علمية فريدة.

فكانوا عندما تسنح الفرص لنشر العلوم ينتهزونها و لا يدخرون وسعا في تعليم الجاهل و تكريم العالم و نشر العلوم على اى صعيد كان و يكفى عندما سنحت الفرصة و ثنيت الوسادة للإمام الصادق عليه السلام مدة وجيزة من عمره الشريف، ملأ الكون علوما حتى لا ترى عالما في شتى بقاع الدنيا الا و يتفخر بالانتساب الى مدرسته، سواء كان تلميذه مباشرة او غير مباشرة.

و ما انفك اهل البيت عليهم السلام اصحاب مدرسة مستقلة في ذاتها فريدة في اسلوبها عميقة في جوهرها و اصالتها فلم يخضعوا رغم شدة الظروف و حراجتها يوما الى الظلمة او يساروهم لحظة واحدة حتى قضوا ما بين قتيل و شهيد مشردين في كل بقاع الدنيا تتشرف بضم جسومهم و الناس بتقبيل ترابهم. و هكذا كانوا مصدر خير لكل ارض يحلون بها او مكان ينزلون به، و سيبقون و الى أن يأخذ الله الارض و من عليها قدوة الانام و اعلام الاسلام اليهم يقصد القاصدون و على موائدهمم الفكرية يجلس العلماء الجائعون.

و امامنا الامام الرضا(ع) الذي عاش مدرسة آبائه و اجداده بكل ظروفها و اساليبها لم يتجاوزها قيد انمله بل مطبقا لبنودها أمينا على اسرارها ناشدا لارائها و افكارها.

و كان في عصره امثولة الحياة و انشودة الزمن اليه يرجع العالم و المتعلم و السياسي و الطبيب و المهندس و هلم جرا حتى بهر العباقرة بما اعطى من علوم و حكمه و كأنه يفيض هذه العلوم افاضة دون.

و لم يسأل مسأله فلسفية او فكرية حديثة و قديمة الا و حلها و لم يناظر من قبل كبار المفكرين و الفلاسفة الا و غلبهم و كان اعلم منهم حتى في كتبهم. و كان موقفه من السلطة الغاشمة كموقف آبائه من الظلمة و الغاصبين، لم يهاون و لم يساوم و بقى يقاوم بكل ما اوتي من حول و قوة حتى عز ربه فمات مسموما غريبا مظلوما، فذهب الى ربه نقي الثوب طاهر الذيل لم يغمز في سلوكه بغمزة واحدة طوال حياته.

و قد اعترف بزهده و ورعه و علمه و منهجه كل من عاشره و سمعه و قد تأسى بسلوكه كل ابنائه في الوقوف الصلب امام تهديد الظالم و لوادي الى سفك دمائهم و لم يتنازل ناموسه و مبدئه .

هذا الكتاب

و هذا الكتاب الذي اقدمه بين يدي القاري‏ء نيتجة جهد ليس بالقليل استعرضت فيه حياة الامام الرضا عليه السلام مع تحليل لبعض المواقف الرائدة و الرائعة التي استوقفتني كثيرا و انبهرت عندما كنت اقرأ اخبارها و قد تضمنت نقاطا عديدة و عالجتها معالجه قد تكون لأول مرة حسب اطلاعي فهو حين نقف عند الحادثة لا ينقلها كقصة تاريخية بحته ليس لها ربط بالاطار العام و المضمون الفكري بل يقدم شرحا مبسطا يتلائم مع حجم الكتاب ليستفيد القارى‏ء و هو يقرأ و ليلفت انظار الناشئين الى العطاء الفكري الكبير الذي قدمه أهل البيت(ع) للمسلمين .

و كلي أمل و رجاء ان يتقبل الله منا هذا الجهد المتواضع و يدخره لنا ليوم يفر المرء من اخيه و امه و ابيه و يشفع فينا امامنا الامام علي بن موسى الرضا(ع) و اهل البيت جميعا .

اهداء

اليك يا صاحب القلم السيال، و الفكر العظيم، اليك يا عبقري العصور، و معلم الاجيال، اليك يا شهيد الاسلام في العصر الحديث، اليك يا من الهمتني العلوم و مكنتني منها، اليك سيدي ابا جعفر اقدم هذه الباقة التي اقتطفتها من روض آبائك و اجدادك لتنال شرف القول عن يديك الطاهرتين فتأخذها و نبارك فيها ليصير اسمها في سجل الخلود و لتعلم بأننا اوفياء لمدرستك و امناء على خطك و منهاجك.

ولدك البار ـ عفيف النابلسي

الإمام الرضا(ع) عرض و تحليل

مولد النور

لقد اهتم الاسلام اهتماما كبيرا بصيانة العلاقة بين الرجل و المرأة و حرص كل الحرص ان تكون هذه العلاقة على اسس متينة من الطهارة و العفة و الشرف و ركز كل التركيز على تهيئة المرأة الصالحة لأنه يرى ان المرأة السيئة و الماجنة لا تنشى‏ء جيلا هادفا و رائدا، و بما ان الاسلام ذو نظرة مستقبلية هادفة شجب كل اعمال الرذيلة و الفحشاء و رمى من وراء ذلك الى وضع النظريات التربوية الصالحة في خلق جيل اسلامي واع.

دور المراة الصالحة فى نفسية الطفل:

و الشي‏ء الطبيعى ان المرأة الصالحة بمثابة الارض الطيبة اذا زرعت بها زرعا صافيا من الزوان و حرثتها الحراثة الصحيحة و تهيأ لها الجو و المناخ الطبيعي سوف يحصد منها الانسان افضل محصول و كذلك المرأة الصالحة اذا كان زوجها صالحا و كانت العلاقة بينهما قائما على اساس من ذكر الله حتى في ساعة الخلوة بينهما سوف تكون نتيجة اللقاح الجنسي وجود الثمرات الانسانية الرائعة.

و لم يكتف الاسلام بايجاد هذه النظريات في الذهن و التصور بل خرج بها الى عالم الحقيقة من خلال سلوك القادة المبدئين من الأئمة من اهل بيت العصمة و الطهارة فمن علي(ع) حتى آخر الأئمة انهم نهجوا هذا النهج من اجل خلق جيل اسلامى طاهر بعيد عن كل معاني الفحش و الرذيلة.

تكتم، والدة الامام الرضا(ع):

و قد كانت حميدة البربرية زوجة الامام الصادق(ع) منعوتة من قبله(ع) بأنها عالمة غير معلمة و هي ام أبى الحسن موسى بن جعفروع) هذه المرأة الفاضلة المهذبة كانت قد اشترت جارية مولدة من اشراف العجم و اسمها (تكتم) (1) و كانت من افضل النساء في عقلها و دينها و اعظامها لمولاتها حميدة، حتى انها ما جلست بين يديها منذ ملكتها اجلالا لها و يروي الشيخ المفيد قصة لطيفة في شأنها و الرواية عن هشام بن احمد قال: قال لي ابو الحسن الاول اي الكاظم(ع):

هل علمت احدا من اهل المغرب قدم؟ قلت: لا فقال(ع): بلى، قدم رجل من أهل المغرب المدينة فانطلق بنا، فركب و ركبت معه حتى انتهينا الى الرجل فاذا رجل من اهل المغرب معه رقيق فقلت له: اعرض علينا، فعرض علينا سبع جوار كل ذلك يقول ابو الحسن لا حاجة لي فيها، ثم قال: اعرض علينا، فقال: ما عندي الا جارية مريضة، فقال له: ما عليك ان تعرضها؟ فأبى عليه، و انصرف ثم ارسلني من الغد اليه فقال لي: قل له كم غايتك فيها فاذا قال: لك كذا و كذا. فقل له قد أخذتها، فأتيته، فقال: ما كنت أريد ان انقصها من كذا و كذا فقلت: قد اخذتها قال هي لك و لكن اخبرني من الرجل الذي كان معك بالأمس؟ قلت: رجل من بني هاشم، قال: من أي بني هاشم؟ قلت ما عندي اكثر من هذا، فقال: أخبرك اني لما اشترتها من أقصى المغرب فلقيتنى امرأة من أهل الكتاب فقالت ما هذه الوصيفة معك؟ قلت: اشترتها لنفسي، فقالت: ما ينبغي ان تكون هذه عند مثلك. ان هذه الجارية ينبغي ان تكون عند خير أهل الارض، فلا تلبث عنده الا قليلا حتى تلد غلاما لم يولد بشرق الارض و لا غربها مثله، قال: فأتيته فلم تلبث عنده الا قليلا حتى ولد له عليا(ع). (2)

فاذا خذنا هذه الحقائق التي اجمع المؤلفون على صحتها و هي ان هذه الجارية من افضل النساء عقلا و ادبا و تمسكا بتعاليم الدين مع اقتران الامام الزاهد العابد الراكع الساجد الذي لم يعرف التاريخ اكثر منه زهدا و ورعا في الحياة صاحب هذه النفس الطاهرة التي لم تتلوث بمعصية من معاصي الله حتى في عالم التصور و التفكر اذا اقترنت بهذه المرأة المصفاة فماذا سيحدث؟

و طبيعيا سوف تنجب هذه الفاضلة كما قالت المرأة الكتابية خيرة أهل الارض علما و ورعا و زهدا و فهما و شرفا و لقد كان علي الرضا(ع) جائزا على كل شرف و فضيلة و بعيدا عن كل سفه و رذيلة من سما به الكمال و الجلال و علت به المفاخر و المناقب و تشرفت بأسمه الاعواد و المنابر فهو الشريف ابن الشريف الى نهاية الشرف و ذورته و هو رأس الفضل و منحته و هو عنوان الادب و قمته و هو تاج الفخار و عمته من لا يضاحيه في حيته بعد أبيه انسان و لا يدانيه في فصاحة سحبان قمة الفصاحة تفتحت اكمامها و تفرعت اقسامها فهو الشجرة الطاهرة الزاكية و الثمرة الناضجة الراقية و هو انشودة الحياة في هذا الوجود و افضل هذا العالم الموجود و لا غرو فهو ابن الائمة الميامين الذين طابت اصولهم و غلت فروعهم حتى احلوا المساحة الواسعة من ساحة الفخار و الهضبة العالية من مكان المجد فأورقت في ساحة العز اشجارهم و تدفقت فيها انهارهم فكانوا مجمعا لكل كمال و مكانا لكل وقار و جلال.

«موئل المجد»

لقد اهتم علماء التربية بتهيئة الاجواء المناسبة و الملائمة لنمو الشخصية الانسانية نموا طبيعيا كما اهتم علماء الطب كذلك لنمو الانسان في جسده نموا طبيعيا.

و لقد فرق العلماء بين شخصين احدهما تربية امرأة فاضلة و الآخر تربية امرأة سيئة و بين شخصين احدهما يتوفر له الغذاء المادي الكامل و الآخر الذي لا يتوفر له الا البؤس و الشقاء .

فقالوا اما الاولان فسيكونان كاملين من جميع الجوانب أي من الناحية النفسية و الجسدية و الخلقية و ما الى ذلك.

و اما الآخران فسيكونان ناقصين مشوهين خلقيا و جسديا و بالتالي ينشأ المجتمع الهزيل الضعيف لأنه يتكون من هذه الافراد المشوهة الهزيلة و لهذا تحاول هذه الفئة الانسانية المصلحة أن تحد من جشع المحتكرين ليؤمنوا لاصحاب الدخل المحدود وضعا معيشيا مقبولا ليعيش فيه اولاده عيشة غذائية ليس فيها نقص للمواد الضرورية التي يتوقف عليها نظام الحياة .

كما انهم يحاولون بذل كل مايمكنهم لخلق جيل نسوى رفيع المستوي في الخلق و الالتزام و الطهارة لتنشأ الاجيال في ظل هذه النماذج الخيرة و هي تحمل سمة اخلاقية رفيعة المستوى، و أهل البيت عليهم السلام أول من سن للناس هذه القاعدة التربوية المتكاملة في عالمي الجسد و الروح فمن ناحية نزعوا الى وضع خطة تربوية المتكاملة في عالمي الجسد و الروح فمن ناحية نزعوا الى وضع خطة تربوية ناجحة و من ناحية أخرى وقفوا المواقف الصارمة من الظلمة المستغلين اقوات الشعوب الضعيفة بينما هم يتجشأون شبعا و كظة و بطنة نرى الجانب الآخر من الوجود الانساني جماعة يتضورن جوعا و سغبا و عطشا و اذا قرأ الانسان تعاليم أهل البيت في هذين الميدانين يأخذه العجب و الانهيار من كثرة ما يجد من تعاليم قيمة في هذا الجانب و اذا كانوا قد اهتموا بالناس الى هذه الدرجة فهل يتركون اولادهم و لا يقيمون لهم المنهج الصحيح.

الشي‏ء الثابت عن الطاهرين المعصومين انهم قبل ان يعظوا الناس بشي‏ء يعملون به و بالأخص و هم قدوة الانام و معلموا البشرية.

اذا فمن يكون والده واستاذه و مربيه موسى بن جعفر المعروف بطهارة ذاته و كريم صفاته و ان يظلله جوه البيتي المضمخ بعيد الاوراد و ترنمات الدعاء و تسبيحات الصديقات و قراءة القرآن هذا الجو السحري الحاكم و الندي الكريم سوف يخلق في الانسان نفسية جديدة و روحية عالية و اخلاقية مثلى لو كان بعيدا عن سلسلة التراث الديني الرفيع و الاخلاقي البديع فكيف بمن تناقلته الاصلاب الطاهرة و الارحام المطهرة و لم يتلوث و هو في حجب الاستار بمعصية افلا يكون بعد هذا الاجواء الطاهرة فريدة عصره و وحيد دهره و امثولة الفخار و اغنية الليل و النهار و كذلك كان علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن ابى طالب عليهم السلام.

مدرسة العصمة

كل ظاهرة اجتماعية او طبيعية يجد الانسان لها تأويلا غالبا ما يرتاح اليه و الناس قد ألقت هذه الظواهر و الغت تفسيرها و ربما تستغرب عندما تسمع بالظاهرة العلمية الرائدة و الفريدة عند اهل البيت ثم لا تجد لها تعليلا ملائما في الخارج و نحن بنظرنا نقول ان عدم الاقتناع بمثل هذه الظواهر الفريدة يعود الى بعد الانسان عن الخط السماوي الاصيل .

فاذا طرحنا هذه المسألة و قلنا لهؤلاء أن اي عالم من العلماء الماضين الذين اصبحوا مضرب الامثلة في التبحر نجد في ترجمة حياته انه تتلمذ في النحو على فلان و في الادب على فلان و في الفقه على فلان و هكذا ثم يصبح بعد ذلك استاذا فيحول المشاريع العلمية بواسع ثروته و يرفدها من بحر عطائه غير ان هذه الظاهرة لا تنسجم مع حياة الائمة عليهم السلام حيث لم يعلم عن احد منهم ان تأدب على يد مؤدب واع قدير او أنه دخل مدرسة ابتدائية ثم تطورت به الى مراحلتها العليا و مع هذا فلم يوجد في العالم الاسلامى و الانسانى اعلم من هؤلاء لا في الفقه و الاسلام فحسب بل في كل العلوم الكونية.

الامام امثولة الانسانية:

و لا تفسير لهذه الظاهرة الفريدة الا انهم نماذج بشرية راقية اختصهم الله سبحانه و تعالى بواسع علمه و كانوا على جانب عظيم من الصفاء و الطهارة فاستوعبوا جميع العلوم الكونية في مدة وجيزة من الزمن و على هذا يحمل قول الامام امير المؤمنين عليه السلام: «علمني رسول الله(ص) الف باب من كل باب ينفتح الف باب». و قد ورد عن النبي (ص) رواية تفيد ان هؤلاء النماذج اعلم الناس صغارا و احلمهم كبارا لا تعلموهم فانهم اعلم منكم و انهم أطايب عترتي الخ، و الا كيف يمكن تفسير امامة الامام محمد الجواد(ع) و هو ابن تسع سنين تقريبا و قد افحم اكبر قاضي في الدولة العباسية و بحضور جميع القواد من بني هاشم و غيرهم.

من هذا المنطلق نتحدث عن علم الامام علي بن موسى الرضا(ع) لقد زف العلم زفا من نبع أبيه الفياض و استطاع و هو فى صغره ان يتقن و يحفظ كل العلوم الكونية و الاجتماعية و الاسلامية حتى اذا اصبح في ريعان شبابه قعد و فتح بيته للناس يعلمهم احكام دينهم و يجب على مسائلهم .

مناقب و مكارم من الامام(ع):

و قد روى عن الامام موسى بن جعفر انه يقول لبنيه:

هذا اخوكم علي بن موسى عالم آل محمد فأسألوه عن أديانكم و احفظوا ما يقول لكم فاني سمعت ابى جعفر بن محمد غير مرة يقول: ان عالم آل محمد لفي صلبك و ليتني ادركته فانه سمي امير المؤمنين علي. (3)

و روى عن ابراهيم بن العباس الصولي انه قال: ما رأيت الرضا سئل عن شي‏ء الا علمه و لا رأيت اعلم منه بما كان في الزمان الى وقته و عصره و كان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شي‏ء فيجيب عنه و كان جوابه كله و تمثله انتزاعات من القرآن المجيد.

و عن رجاء بن أبي الضحاك و كان قد بعثه المأمون لاشخاص الرضا قال:

ما رأيت رجلا كان اتقى لله منه و لا اكثر ذكرا له في جميع اوقاته منه و لا اشد خوفا لله عز و جل و كان لا ينزل بلدا الا و قصده الناس يستفتونه في معالم دينهم فيجيبهم و يحدثهم الكثير عن ابيه عن ابائه عن علي(ع) عن رسول الله(ص) فلما وردت على المأمون سألني عن حاله في طريقه فأخبرته بما شاهدت منه في ليله و نهاره و ظعنه و اقامته.

فقال: بلى يابن ابي الضحاك هذا خير أهل الارض و اعلمهم و أعبدهم. (4)

و عن سنن ابن ماجة كما في خلاصة تهذيب الكمال: كان سيد بني هاشم و كان المأمون يعظمه و يجله و عهد له بالخلافة و اخذ له العهد و يقول المأمون في جوابه لبني هاشم «و اما ما ذكرتم من استبصار المأمون في البيعة لأبي الحسن الرضا، فما بايع له المأمون الا مستبصرا في أمره عالما بأنه لم يبق أحد على ظهرها أبين فضلا و لا أظهر عفة و لا اورع و لا ازهد زهدا في الدنيا و لا اطلق نفسا و لا ارضى في الخاصة و العامة و لا اشد في ذات الله منه» . (5)

و عن ابى الصلت الهروي قال: ما رأيت اعلم من علي بن موسى الرضا و لا رآه عالم الا شهد له بمثل شهادتي و لقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الاديان و فقهاء الشريعة و المتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي منهم أحد الا أقر له بالفضل و أقر على نفسه بالقصور. (6)

و عنه ايضا: و لقد سمعت علي بن موسى الرضا يقول: كنت اجلس بالروضة و العلماء في المدينة متوافرون، فاذا أعبأ الواحد عن مسألة اشاروا الى باجمعهم و بعثوا الى بالمسائل فاجيب عليها و عن المأمون في حديث ولاية العهد:ما اعلم أحدا افضل من هذا الرجل على وجه الارض . (7)

و عن المناقب: لما اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضا. يقول محمد بن عيسى اليقطينى جمعت من مسائله مما سئل عنه و اجاب فيه ثمانية عشر الف مسألة، و قد روى عنه جماعة من المصنفين منهم ابو بكر الخطيب في تاريخه و الثعلبي في تفسيره و السمعاني في رسالته و ابن المعتز و غيرهم و بعد حوار علمي له مع المأمون قال علي بن الجهم: فقام المأمون الى الصلاة و اخذ بيد محمد بن جعفر و كان حاضر المجلس و تبعتهما فقال له: كيف رأيت ابن اخيك؟ فقال: عالم و لم نره يختلف الى أحد من اهل العلم. فقال المأمون ان ابن أخيك هذا من أهل بيت النبي(ص) الذين قال فيهم النبي(ص) ألا أن ابرار عترتي و أطائب أرومتي أحلم الناس صغارا و اعلم الناس كبارا، لا تعلموهم فأنهم اعلم منكم و لا يخرجونكم من باب هدى و لا يدخلونكم في باب ضلالة (8) .

و في كامل ابن الأثير: و ذلك انه اى المأمون، نظر في بني العباس و بني علي فلم يجد أحدا افضل و لا اورع و لا اعلم منه. (9)

مواريث الانبياء

لقد عاني الائمة و الصالحون من أهل البيت اشد مايعانيه انسان من ظالم و جائر، فمنذ معاوية حتى هذه اللحظة بل منذ السقيفة من هذا الوقت و هم مع اتباعهم يعانون اشد انواع الظلم و الارهاب النفسي و الجسدى.

و كان الظلم القاسي من الحكام و الملوك لعلمهم بأن هؤلاء الصفوة هم احق الناس بالامر بعد رسول الله(ص) و اولاهم من كل الجوانب و كانوا على جانب عظيم من الورع و العلم و الاحاطة الشاملة.

لكل جوانب الانسان و بالحق انهم ساسة العباد و اركان البلاد، من هذا المنطلق كان الحكام يظلمونهم و يجورون عليهم طغوا على الائمة واحد بعد الآخر و كم قتل واحد منهم غدرا و سما و هكذا الى نهاية السلسلة الدموية التي لا تزال تعيش مأسها في ظلم علمائنا الكبار تجسدت بقتل الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر و شقيقته العلوية الطاهرة بنت الهدى و باخفاء السيد موسى الصدر الذي حيكت له مؤامرة اشترك فيها اكثر من رئيس عربي و الى الآن لم تعرف عنه شيئا و عند ذلك يستطيع الانسان تفسير الظاهرة الفريدة فى نوعها في اهل البيت(ع) بأن اكثر اولادهم لا يعرف احدهم الآخر و قد تشردوا في كل بقاع الدنيا من الديلم حتى بلاد المغرب كل هذا كان سببه الخوف و الرعب اللذان بثهما الحاكم الظالم فكان لا يأمن العلوي ان يظهر نفسه و الا اخذ بالحال و الساعة و يقتل على الظن و التهمة دون محاكمة، و من هذا الباب حاول البعض اخفاء عقيدته عن الناس حتى لايتهم بالرفض او التشيع فيقتل حالا فنشأت العقائد الباطنية التي تحولت بعد ذلك الى مذهب من اخطر المذاهب الاسلامية و كان نتيجة هذا الحدث الرهيب أن تحولت الشيعة الى شيع و الفرقة الى فرق فمنهم من تحولت نتيجة الخفاء في شخصية الامام و منهم من تحولت نتيجة الخفاء في الخطة و قد يعذر احيانا بعض اتباع الائمة نتيجة لهذا الخفاء.

و المسألة كانت لا تخص الافراد العابدين بل تجاوزتها الى اعظم الشخصيات الاسمية فالإمام الصادق(ع) عند حضور اجله ما استطاع ان يوصى للامام موسى بن جعفر بعينه خوفا من بطش المنصور و لهذا أوصى لخمسه احدهم المنصور و زوجته حميدة و والي المدينة و ولديه الافطح و موسى .

و عندما علم المنصور بوفاة الصادق(ع) بعث لواليه يقول ان كان جعفر ابن محمد قد اوصى الى شخص بعينه فقدمه و اضرب عنقه فأخبره الوالي بأنه قد أوصى الى خمسة و انهم هو منهم فقال لا سبيل الى قتل هؤلاء جميعا و هكذا استطاع الامام يثاقب رأيه ان يحمي ابنه الامام موسى من المنصور و قد عمل الامام موسى بن جعفر(ع) على نفس الخطى ليحمي رسالته و منهجه الاقدس الذي أمر الله تعالى به فلم يوضح للناس جميعا عن وصية علي بل ترك الامر موقوفا على بعض المقربين من العلماء و هم بدورهم يبيتون للطائفة وجود الامام و علومه، و لقد كان الامام موسى يعاني من هارون الرشيد اشد انواع الظلم و امره و مات بتلك الميتة المريبة و بقي في السجن سبع سنين حتى خفي الامر على كثير من شيعته و محبيه و كان هذا غرض السلطة الحاكمة الابتعاد بينه و بين مواليه ليقطع حبل المودة و الألفة بينهم فيتحولون الى غيره من العلماء.

و نتيجة لما بيناه من بعد الامام عن الشيعة و غيابه عنهم سبعة سنوات و بعد ولده عنه في المدينة و عدم توفير وسيلة اعلامية كافية كان كثير منهم لا يعترف بامامة الامام علي الرضا الا بعد ان ظهر له منها الدلائل الواضحة على امامته.

النصوص العامة لإمامة الرضا(ع):

و هناك نصوص عامة تشمل الامام بعمومها و هناك نصوص خاصة تدل عليه وحده. بعض من النصوص العامة:

قال رسول الله(ص):

الائمة بعدي اثنا عشر اولهم علي بن ابى طالب و آخرهم القائم هم خلفائي و أوصيائي و أوليائي و حجج الله على امتي بعدى المقر بهم مؤمن و المنكر لهم كافر. (10)

عن عبد الله بن العباس، قال: قال رسول الله(ص):

انا سيد النبيين و علي بن ابى طالب سيد الوصيين و ان اوصيائي بعدي اثنا عشر اولهم علي بن ابيطالب(ع) و آخرهم القائم. (11)

عن عبد الله بن العباس قال: سمعت رسول الله(ص) يقول:

أنا و علي و الحسن و الحسين و تسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون. (12)

قال رسول الله(ص):

اثنا عشر من أهل بيتي اعطاهم الله فهمى و علمي و حكمتي و خلقهم من طينتي، فويل للمنكرين عليهم القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي. (13)

بعض النصوص الخاصة:

هذه النصوص العامة و عشرات امثالها تدل بشموليتها و سعتها على كل الائمة الاثني العشر و من جملتهم هذا الامام العظيم. و اكتفي من النصوص العامة بهذا المقدار تاركا المجال لمن أراد الاستقصاء و الاستقراء و اليك بعض النصوص الخاصة من قبل أبيه الامام موسى بن جعفر(ع).

روى في الكافي عن الحسين بن نعيم الصحاف انه قال: «كنت انا و هشام بن حكم و علي بن يقطين ببغداد، فقال علي بن يقطين: كنت عند العبد الصالح (أي الامام موسى بن جعفر) جالسا فدخل عليه ابنه علي الرضا فقال الامام:

يا علي بن يقطين هذا علي سيد ولدي، اما اني قد نحلته كنيتي فضرب هشام بن الحكم براحته جبهته، ثم قال: ويحك كيف قلت؟ فقال: على بن يقطين: سمعت و الله منه كما قلت: فقال هشام بن الحكم: اخبرك ان الأمر له من بعده. (14)

و روي عن معاوية بن حكيم بسنده الى ابي الحسن موسى(ع) انه قال:

ان ابني عليا اكبر ولي و ابرهم عندي و احبهم الي و هو ينظر معي في الجفر و لم ينظر فيه الا نبي او وصي نبى. (15)

روي في الكافي عن داود الرقي انه قال: قلت لأبي ابراهيم(ع):

جعلت فداك اني قد كبر سني فخذ بيدي من النار قال: فأشار الى ابنه أبي الحسن الرضا(ع) فقال: هذا صاحبكم من بعدي. (16)

و روي ايضا عن محمد بن عمر عن اسحاق بن عمار انه قال: قلت لأبي الحسن الأول (ع):

ألا تدلني الى من أخذ عنه ديني؟ فقال: هذا ابني علي ان ابي اخذ بيدي فأدخلني الى قبر رسول الله(ص) فقال: يا بني ان الله عز و جل قال: (اني جاعل في الارض خليفة) و ان الله اذا قال قولا وفى به. (17)

و في رواية ثانية رواها الكليني عن داود الرقي انه قال: قلت لأبي الحسن موسى(ع):

اني قد كبر سني و دق عظمي و اني سألت أباك(ع) فأخبرني بك فأخبرني من بعدك؟ فقال: هذا ابو الحسن الرضا. (18)

عن نصر بن قابوس انه قال: قلت لابي ابراهيم(ع):

أني سألت اباك من الذي يكون من بعدك؟ فأخبرني انك انت هو فلما توفي ابو عبد الله ذهب الناس يمينا و شمالا و قلت: فيك أنا و اصحابي فأخبرني من الذى يكون من بعدك من ولدك؟ فقال: ابني فلان (اي الرضا). (19)

و جاء في رواية داود بن سليمان انه قال: قلت لأبي ابراهيم (ع):

أني اخاف أن يحدث حدث و لا القاك فأخبرني من الامام بعدك؟

فقال: ابني فلان( يعنى ابا الحسن(ع)). (20)

و روي عن محمد بن سنان قال: دخلت على أبى الحسن موسى(ع) من قبل ان يقدم العراق بسنة و علي ابنه جالس بين يديه فنظر إلي فقال:

يا محمد اما انه سيكون في هذه السنة حركة فلا تجزع لذلك قال: قلت: و ما يكون جعلت فداك؟ فقد اقلقني ما ذكرت فقال: اصير الى الطاغية اما أنه لا يبداني منه سوء و من الذي يكون بعده، قال: قلت: و ما يكون جعلت فداك؟ قال: يضل الله الظالمين و يفعل الله ما يشاء قال : قلت: ما ذاك جعلت فداك؟ قال: من ظلم ابني هذا حقه و جحد امامته من عبدي كان كمن ظلم علي بن ابى‏طالب حقه و جحده امامته بعد رسول الله(ص) قال: قلت: و الله لئن مد الله لي في العمر لأسلمن له حقه و لأقرن له بامامته قال: صدقت يا محمد يمد الله في عمرك و تسلم له حقه و تقر له بامامته و امامة من يكون من بعده قال: قلت: و من ذاك؟ قال: محمد ابنه؟ (21)

هذا غيض من فيض و هناك روايات كثيرة في هذا المجال آثرنا تركها لأهمية ما أوردناه.

و بعد وفاة الامام موسى بن جعفر(ع) من قبل الطاغية هارون و في هذا الجو الخافق الذي كان الناس يحاسبون و يقتلون على الظن و التهمة. اظهر الامام الرضا(ع) امامته و جلس يعلن نفسه للناس و كان هذا الموقف من الصعوبة بمكان الا ان الامام اضطر لذلك لأنه وقع بين محذورين.

ـالاول: اذا ستر نفسه عن شيعته و مواليه بعد غيبة أبيه الطويلة فسوف يؤدي الى انتحار و تقلص اكيد في صفوف الشيعة و سوف يحصل كثير من الاضطرابات الفكرية و السلوكية.

ـالثاني: ان يتعرض لخطر السلطة الغاشمة و ربما يقتلونه كما قتل أبوه و عندئذ ينطفي‏ء نور النبوة و مصباح الامامة و تعود الناس الى جاهلية جهلاء غير ان الامام رأى بواسع علمه و ثاقب نظره ان هذه الخطر اهون من الخطر الاول و أن هارون اشرف على نهايتها و سوف لا يتعرض له لأن موته على يد غيره.

محاولات مخلصه:

في هذا الجو الرعيب الخافق يجلس الامام و يعرض نفسه على الناس و يبدأ يحدث الناس عن الحلال و الحرام و كل ما في الدنيا انه لشي‏ء عجب!!

امام هذا الحادث الخطير خاف بعض المخلصين من شيعته على حياته و جاؤوا اليه يطلبون اليه التريث في الاعلان لتهدأ العاصفة الرهيبة و ينحصر الموج الجنوني في حب السلطة فمن جملة هذه المحالاوت ما صدر عن صفوان الجمال و جماعة من المخصلين حيث جاؤوا اليه و قالوا له : انك اظهرت أمرا عظيما و اننا نخاف عليك من هذا الطاغي فقال الامام علي الرضا(ع):

ليجهد جهده فلا سبيل له علي. (22)

و عن محمد بن سنان قال: قلت لأبى الحسن الرضا(ع) أيام هارون، انك قد شهرت نفسك بهذا الامر و جلست مجلس ابيك و سيف هرون يقطر الدم. قال(ع):

جرأني على هذا ما قال رسول الله(ص): «ان أخذ ابو جهل من رأسي شعره فأشهدوا أني لست بنبي و انا اقول لكم: ان أخذ هرون من رأسي شعرة فاشهدوا انى لست بامام». (23)

نوايا غير مخلصة:

غير ان الجماعة الذين يعيش حب الدنيا في قلوبهم رأوا ان ظهور الامام يخرب عليهم مطامعهم و يهدم عليهم بناءهم الذي بنوه على غير اساس متين و كان حب المال قد اعمى قلوبهم فسلكوا مسلكا يظهر سوء عافيتهم و بعدهم عن منهج الحق.

و لنقرأ هذا الحوار الذي رواه لنا أبو مسروق بين الامام و بين بعض هؤلاء: دخل علي الرضا (ع) جماعة من الواقفة فيهم علي بن حمزة البطائني و محمد ابن اسحاق بن عمار و الحسين بن عمران و الحسين بن أبي سعيد المكاري فقال له علي بن ابى حمزة:

جعلت فداك اخبرنا عن أبيك(ع) ما حاله؟... فقال له: قد مضى عليه السلام. فقال له: فالى من عهد؟ فقال: الى. فقال له: انك لتقول قولا ما قاله أحد من أبائك علي بن أبي‏طالب فمن دونه، قال: لكن قد قاله خير آبائي و افضلهم رسول الله(ص)، فقال له: اما تخاف هؤلاء على نفسك؟ فقال: لو خفت عليها كنت عليها معينا، ان رسول الله(ص) أتاه ابو لهب فتهدده فقال له رسول الله(ص)، ان خدشت من قبلك خدشه فانا كذاب فكانت اول آيه نزع بها رسول الله و هي أول آية انزع لكم، ان خدشت خدشة من قبل هارون فأنا كذاب، فقال له الحسن بن مهران : قد أتانا ما نطلب ان اظهرت هذا القول، قال: فتريد ماذا؟ اتريد ان اذهب الى هارون فأقول له: اني امام و انت لست في شى‏ء؟

ليس هكذا صنع رسول الله(ص) في أول أمره انما قال ذلك لأهله و مواليه و من يثق به فقط خصهم به دون الناس وانتم تعتقدون الامامة لمن كان قبلي من أبائي وتقولون: انه يمنع علي بن موسى ان يخبر أن أباه حي(تقية) فأنى لا اتقيكم في أن اقول: اني امام فكيف اتقيكم في ان ادعى أنه حي لو كان حيا (24) .

و هكذا تصدق نبوءة الامام أخيرا و يقضي الرشيد دون أن ينال الامام بسوء.

السلوك القدوة

ـ1ـ

ان من يختاره الله و يصطفيه لقيادة البشرية لابد و ان تتوفر فيه ارفع الصفات و اعلاها و اسمى النعوت و أجلاها ليأخذ كل انسان منه بطرف فيوسم الناس بحبه و ينتفعوا في سلوكه و أئمتنا (صلوات الله و سلامه عليهم) كانوا المثل الاعلى في السلوك الانساني فلم يعرف عنهم رغم وجود الكثير من اعدائهم الذين يهتمون بالسقطات ألا انهم خيرة البشرية في كل نصر فإنهم و لم يستطع اعداءهم ان يأخذوا عليهم و لو بغلطة صغيرة لا قيمة لها و كانوا (ع) يقولون لمواليهم: كونوا زينا لنا و لا تكونوا شينا علينا

و تعالى معي ايها الأخ لنأخذ كتب التاريخ والمناقب لنصفح تاريخ هذا الامام المظلوم والغريب والقدوة ليضي‏ء لنا سلوكه الانساني الرفيع فينير لنا طريق الدرب البعيد المدى.

فعن ابراهيم بن العباس الصولي انه قال:

ما رأيت أبا الحسن الرضا جفا احدا بكلمة قط. و ما رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه. و ما رد أحدا عن حاجة يقدر عليها. و ما مد رجله بين يدى جليس له قط. و لا اتكأ بين يدي جليس له قط. و لا رأيته شتم أحدا من مواليه ومماليكه قط. و لا رأيته تفل قط . و لا رأيته يقهقه في ضحكه قط، بل مكان ضحكه التبسم. و كان اذا خلا و نصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه و مواليه حتى البواب السائس... فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدق. (25)

و نزل به ضيف و كان جالسا عنده يحدثه في بعض الليل فتغير السراج فمد الرجل يده ليصلحه فزبره ابو الحسن(ع) ثم بادره بنفسه فأصلحه ثم قال:

انا قوم لا نستخدم أضيافنا. (26)

و عن المناقب دخل الرضا الحمام فقال له بعض الناس دلكني فجعل يدلكه فعرفوه فجعل الرجل يستعذر منه و هو يطيب قلبه و يدلكه.

و من تواضعه الخلقي ما عن عمه محمد بن الفضل:

قال الرضا(ع) لبعض مواليه يوم الفطر و هو يدعو له: تقبل الله منك و منا، ثم اقام حتى اذا كان يوم الاضحى قال له: يا فلان تقبل الله منا و منك قال: فقلت له: يا ابن رسول الله قلت في الفطر شيئا و تقول في الاضحى غيره. قال: فقال: نعم اني قلت في الفطر تقبل الله منك ومنا، لأنه فعل مثل فعلي و ناسبت انا و هو في الفعل و قلت له في الاضحى: تقبل الله منا و منك لأنه يمكننا ان نضحي و لا يمكنه ان يضحي فقد فعلنا غير فعله.

و هكذا ينسجم الامام الرضا(ع) مع رسالته في الاخلاق فيجسدها عملا رساليا يتسلق به قمة الكمال الانساني و يرتفع به الى مشارف العظمة الذاتية و بهذا و مثله تعرف اصالة الايمان وسموا الذات و رفعتها.

و يحدد لنا الامام الرضا عليه السلام نظرية الاسلام في علاقات الانسان مع اخيه الانسان عمليا ببعض اللفتات الانسانية الواقعية في سلوكه التي يمكن ان نستلهم منها فكرة الغاء الاسلام للفوارق الطبيعية القائمة بين الافراد و الجماعات في مجال الحقوق العامة و رعاية كرامة الانسان و أن الفارق الذي يجب ملاحظته في هذه المجالات هو اطاعة الله و معصيته .

يقول رجل للامام: و الله ما على وجه الارض اشرف منك أبا. فقال:

التقوى شرفهم و طاعة الله احظتهم.

و قال له آخر: أنت و الله خير الناس.

فقال له: لا تحلف يا هذا، خير مني من كان اطوع لله و أتقى له و الله ما نسخت هذه الآية «و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقيكم». (27)

و قال ابو الصلت سألته:

يابن رسول الله ما شى‏ء يحكيه عنكم الناس؟ قال: و ما هو؟ قلت: يقولون انكم تدعون أن الناس لكم عبيد! فقال: اللهم فاطر السموات و الارض عالم الغيب والشهادة أنت شاهد بأني لم اقل ذلك قط و لا سمعت أحدا من آبائي قاله قط و انت العالم بما لنا من المظالم عند هذه الامة و ان هذه منها. ثم اقبل علي فقال يا عبد السلام، اذا كان الناس كلهم عبيدنا على ما حكوه فمن نبيعهم؟ قلت: يا بن رسول الله صدقت. ثم قال: يا عبد السلام أمنكر انت لما اوجب الله عز و جل لنا من الولاية كما ينكره غيرك. قلت: معاذ الله، بل انا مقر بولايتكم . (28)

فهو ينفي عن نفسه و عن آبائه ذلك الاتهام المغرض الذي يريد اعداؤهم ان يشنعوا عليهم من خلاله و قد جعله من جملة المظالم التي ارتكبتها الأمة في حقهم فانهم يرون ان جميع الناس سواسية في الحقوق العامة ما عدا حق الولاية على الخلق التي فرضها الله لهم فانه ليس لغيرهم ان يدعيها لنفسه ما عدا حق الطاعة لله في اخلص معانيها و التي غلت مراتبهم عند الله و عندالناس ما عدا هذا فالكل عبيد الله تجمعهم أب واحد و أم واحدة و رب واحد .

السواسية عند الامام(ع):

فعن عبد الله بن الصلب عن رجل من اهل بلخ.

قال: كنت مع الرضا في سفره الى خراسان فدعا يوما بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان و غيرهم.

فقلت: جعلت فداك لو جعلت لهؤلاء مائدة.

قال:

ان الرب تبارك و تعالى واحد والأب واحد و الام واحدة و الجزاء بالاعمال (29) .

فلا يرى الامام فارقا بينه و بين مماليكه و عبيده الا في العمل و فيما عداه تلغي الفروق عندما يتعلق الأمر بالحقوق العامة التي يتساوى فيها جميع الافراد فكل مخلوق لله و كل من آدم و آدم من تراب.

و حينما نرى الامام يجلس الى مائدته و من حوله مماليكه و بوابه و سائس دوابه فليس الا ليعطى الأمة درسا في الانسانية الفاضلة التي تؤمن بكرامة الانسان و ليعرض نظرية الاسلام عمليا في طبيعة السلوك الذي يجب ان يعتمده الانسان في سلوكه مع اخيه الانسان، فرفعة المقام و سمو المركز لا يستدعيان ان يحتقر الانسان من دونه فى ذلك او يشعره بوضاعة شخصيته و لو كان ذلك الانسان عبدا مملوكا ليتسبب من ذلك عقدة تباين الطبقات فتتسع الهوة بين افراد الامة و يتوزع كيانها في فصائل متنافرة يمزقها الحقد و تنهشها البغضاء. (30)

و قد اعتمد الاسلام قانون المساواة بين افراد الامة في مجال الحقوق العامة تحريرا لكرامة الانسان من التزامات الطبقية التي كانت معاشه في الواقع الجاهلي و في واقع الامم السالفة . فقد قال الله تعالى:

ان اكرمكم عندالله اتقيكم. (31)

و قال النبي(ص):

كلكم لآدم و آدم من تراب.

و قال(ص):

لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى. (32)

فعن ابراهيم بن العباس الصولي: سمعت علي بن موسى الرضا يقول:

حلفت بالعتق ألا احلف بالعتق، الا اعتقت رقبة و اعتقت بعدها جميع ما أملك ان كان يرى انه خير من هذا (و اوما الى عبد اسود من غلمان) بقرابتي من رسول الله(ص) الا ان يكون لي عمل صالح فاكون افضل به منه. (33)

و بهذا يحدد لنا الامام الخلق الاسلامى الأصيل في الحفاظ على كرامة الانسان و الغاء الامتيازات الطبقية فيما عدا العمل الصالح فهو عليه السلام لا يرى ان قرابته من النبي (ص) تعطيه امتيازا على العبد الاسود ما لم يقترن بتلك القرابة عمل صالح يكون به الفضل و الامتياز.

قال لنا ابو الحسن:

ان قمت على رؤوسكم و انتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا. و لربما دعا بعضنا فيقال: هم يأكلون، فيقول: دعوهم حتى يفرغوا. (34)

و عن نادر الخادم قال:

كان ابو الحسن اذا اكل احدنا لا يستخدمه حتى يفرغ من طعامه. (35)

هذه بعض النماذج العملية من اخلاق و انسانيته التي استمدها ميراثا نقيا يعبق بالخير و الرحمة من جده الرسول الاعظم(ص) الذي توج رسالته بشعار الاخلاق حين قال(ص):

انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق. (36)

ذلك التراث الانساني الاصيل الذي تستمد الامم قوتها من روحه وتبين عليه دعائم مجدها و تضمن به ديمومتها في البقاء.

السلوك القدوة

ـ2ـ

سلوكه في مظهره:

مما لا نزاع فيه عند أحد ممن قرأ التاريخ و عرف سيرة اهل بيت المعصم انهم ابعدالناس عن الكبرياء و التعالي على الناس و انهم كانوا بمظهرهم الخارجي يمثلون الانسان المتواضع البسيط غير انهم من ناحية اخرى يرفضون أن يفسروا الزهد على طريقة المتصوفين بتشعيث اللمة و لبس الارذل من الثياب و أكل الجشب من الطعام منهم يرون افضل الزهد اخفاء الزهد والنعم التي ينعم بها رب العباد يجب ان نظهر على المنعم عليه بشكل واضح و ملموس و الا عد غير شاكر لنعمائه سبحانه و تعالى.

و يرون ان الدنيا اذا اقبلت احق بها ابرارها لا فجارها و مؤمنوها لا منافقوها و الامام الرضا عليه السلام هو فرد من افراد هذه الثلة الطاهرة و الذي عرفه بعظيم تواضعه و كبر حلمه و واسع علمه.

قال الآبي في كنز الدرر: دخل على الرضا بخراسان قوم من الصوفية فقالوا له: أمير المؤمنين نظر فيما ولاه الله تعالى من الأمر فرآكم اهل البيت اولى الناس بالناس بأن تؤموا الناس، و نظر فيكم اهل البيت فرآك أولى الناس بالناس فرأى ان يرد الامر اليك و الأمة تحتاج الى من يلبس الخشن و يأكل الجشب و يركب الحمار و يعود المريض.

قال: و كان الرضا متكئا، فاستوى جالسا ثم قال:

كان يوسف نبيا يلبس اقبية الديباج المزردة بالذهب و يجلس على متكات آل فرعون، ويحكم ! انما يراد من الامام قسطه و عدله، اذا قال صدق و اذا حكم عدل و اذا وعد انجز ان الله لم يحرم لبوسا و لا مطعما ثم تلا قوله تعالى «قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده و الطيبات من الرزق». (37)

و قيل للامام الجواد: ما تقول في المسك؟ فقال:

ان أبي أمر فعمل له مسك في بان بسبع مأة درهم فكتب له الفضل بن سهيل يخبره: ان الناس يعيبون ذلك فكتب اليه يا فضل اما علمت ان يوسف هو نبي كان يلبس الديباج مزردا بالذهب على كراسي الذهب فكم ينقص ذلك من حكمته شيئا قال: ثم امر فعملت له غالية بأربعة الاف درهم. (38)

حقيقة الزهد والتواضع عند الامام (ع):

و بذلك يثبت الامام ان المظهر الخارجي للزهد لا علاقة له بواقع الزهد بل ربما يكون ذلك زيغا يحاول الانسان ان يلفت به لنفسه انتباه الآخرين و من هنا كان الامام الرضا و غيره من الأئمة لا يرون بأسا في الظهور بمظهر العزة في اللباس و المأكل ما دام ذلك لا يصطدم مع واقع الزهد الذي هو بناء النفس من الداخل على رفض الدنيا و فتنتها باعتبارها عرضا زائلا لا بقاء له و هذا لا يمنع من ان ينال المؤمن من طيباتها بالوجه الذي احله الله و لم يخلق الله طيبات في الدنيا لينعم بها الكافر و يحرم منها المؤمن بل المؤمن اولى بنعم الله عندما يهب نفسه لله و يبذلها في سبيله. و يحدثنا ابن عباد عن طبيعة السلوك الزهدي للامام الرضا فيقول: و كان جلوس الرضا(ع) في الصيف على حصير و في الشتاء على مسح و لبسه الغليظ من الثياب حتى اذا برز للناس تزين لهم. (39)

فهو حين يخلو لنفسه و يبتعد عن واقع الحياة العامة تنسجم روحه مع طبيعة الرفض للزيف المتمثل في بهارج هذه الدنيا و زينتها اما حين يبرز للناس فانه يتزين لهم انسجاما مع ما فطروا عليه من الاهتمام بمظاهر هذه الدنيا و التمتع بطيباتها.

و هذا السلوك الزهدي الواقعي للامام يعطينا المنال الرائع على واقعية اهل البيت في نظرتهم الصافية للحياة الخالية من كل شائبة زيف أو خداع.

السلوك القدوة

ـ3ـ

أول عرض يناله الحليم ان الناس انصاره على الجاهل و الحلم ملكة عالية يتسطيع بها صاحبها أن يضبط اعصابها حتى في امر الظروف و احلكها و اقساها و يستفيد بهذه الملكة الرائعة ان يمنع كثيرا من المشاكل الصعبة كاراقة الدماء و ما اليها.

و قد كان لأهل بيت العصمه أثر ملموس و واضح في هذا المجال للتحدث عن هذه الظاهرة الفريدة في اهل البيت(ع) لانها تستغرق وقتا طويلا و امامنا الامام الرضا قبس من هذا النور النبوي المتدفق و قد تعلم الحلم و كظم الغيظ من والده الامام الكاظم الذي كان حلمه يوزن به الجبال. و لا غرابة ان يكون الامام الرضا حليما كأبيه بل الغرابة الا يكون كذلك.

حلم الامام الرضا و تسامحه:

كان الامام موسى بن جعفر(ع) قد اوصى الى ولده الامام الرضا و جعله وليا على امواله و نسائه و أبنائه و امهات أولاده دون ان يجعل لابنائه الآخرين اي حق في التصرف بشي‏ء من بعده و كتب بذلك كتابا و ختمه و لعن من يفض ذلك الكتاب بعد ان اشهد عليه جملة من اهل بيته و اصحابه و قد نازع اخوه الامام الرضا اخاهم في وصية ابيهم و ما ترك، فعن الكافي بسنده الى يزيد بن سليط قال:

كان ابو عمران الطلحي قاضي المدينة فلما مضى موسى فدمه اخوته (اي الرضا) للطلحي. فقال العباس بن موسى: اصلحك الله و امتع بك، ان في اسفل هذا الكتاب كنزا و جوهرا و يريد ان يحتجبه و يأخذه دوننا و لم يدع أبونا شيئا الا ألجأه اليه و تركنا عالة و لولا أني اكف نفسي لاخبرتك بشي‏ء على رؤوس الملا.

فوثب اليه ابراهيم بن محمد و كان من شهود الوصية فقال: اذا و الله تخبر بما لا تقبله منك و لا تصدقك عليه ثم تكون عندنا ملوما مدحورا نعرفك بالكذب صغيرا و كبيرا و كان أبوك اعرف الناس بك لو كان فيك خير، و ان كان أبوك لعارفا بك في الظاهر و الباطن،و ما كان ليأمنك على تمرتين. ثم وثب اسحاق ابن جعفرفأخذ بتلبيبه فقال له: انك لسفيه ضعيف احمق اجمع هذا مع ما كان بالأمس منك و أعانه القوم اجمعون.

فقال ابو عمران القاضي لعلي: قم يا أبا الحسن، حسبي ما لعنني ابوك اليوم و قد وسع لك أبوك لا و الله ما أحد اعرف بالولد من والده و لا و الله ما كان أبوك بمستخف في عقله و ضعيف في رأيه.

فقال العباس للقاضي: اصلحك الله فض الخاتم واقرأ ما تحته.

فقال ابو عمران: لاأفضه حسبي ما لعنني ابوك اليوم.

فقال العباس: فأنا افضه،

فقال ذاك اليك.

ففض العباس الخاتم فاذا فيه اخراجهم و اقرار علي لها وحده و ادخاله اياهم في ولاية علي ان احبوا او كرهوا و اخراجهم من حد الصدقة و غيرها و كان فتحه عليهم بلاء و فضيحة و ذلة و لعلي خيره،... ثم ان عليا التفت الى العباس فقال: يا أخي أنا أعلم انه حملكم على هذا الغرائم و الديون التي عليكم فانطلق يا سعيد فتعين لي ما عليهم ثم اقضي عنهم و اقبض زكاة حقوقهم و خذ لهم البراءة و لا و الله لا ادع مواساتكم و بركم ما مشيت على الارض تقولوا ما شئتم.

فقال العباس: ما تعطينا الا من فضول اموالنا و ما لنا عندك اكثر.

فقال: قولوا ما شئتم فالعرض عرضكم فان تحسنوا فذاك لكم عند الله و ان تسيئوا فان الله غفور رحيم و الله انكم تعرفون ان مالي يومي هذا ولد و لا وارث غيركم فلأن حبس شيئا مما تظنون او ادخرته فانما هو لكم و مرجعه اليكم و الله ما ملكت منذ مضى ابوك رضى الله عنه شيئا الا و قد سيبته حيث رأيتم، فوثب العباس فقال و الله ما هو لذلك و لا جعل الله لك من رأي علينا و لكن حسد أبينا لنا و أرادته ما أراد مما لا يسوغه الله اياه و لا اياك و انك لتعرف اني اعرف صفوان بن يحيى بياع السابري بالكوفة و لئن جللت لاغصصنه بريقة و انت معه.

فقال علي: لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم، اما اني يا أخوتي فحريص على مسرتكم الله يعلم اللهم ان كنت تعلم اني احب صلاحهم و اني بار بهم واصل لهم رقيق عليهم اعني بامورهم ليلا و نهارا فاجزني به خيرا و ان كنت على غير ذلك فأنت علام الغيوب فأجزني به ما انت أهله ان كان شرا فشرا و ان كان خيرا فخير اللهم اصلحهم و اصلح لهم و اخسأ عنا و عنهم شر الشيطان و اعنهم على طاعتك و وفقهم لرشدك، أما انا يا أخى فحريص على مسرتكم جاهد في صلاحكم و الله على ما تقول.

فقال العباس ما اعرفني بلسانك، و ليس لمسحاتك عندي طين. (40)

بهذه الكلمات يختتم العباس حواره مع أخيه الامام الرضا رغم ان الامام كان في حواره معه رقيقا و حليما دون ان تصدر منه اي كلمة جارحة و رغم ثبوت الحق في جانب الامام و تعديهم عليه بجره الى مثل هذه المواقف غير اللائقة بمقامه و هذا ما يدل على حلم عظيم و تسامح أمام التعدي غير محدود...

و بالرغم من ان العباس تعدى طور اللياقة في مواجهته لأخيه بقوارص الكلام وتجنبه على أبيه الامام موسى بن جعفر(ع) باتهامه له بالحسد و التحيف عليهم مما يثير حفيظة الطرق المواجهة فقد بقي الامام ملتزما للموقف الحليم الهادى‏ء دون ان تستفزه حماقة أخيه او تخرج به عنه حد التوازن و ليس هذا تصنعا منه للحلم و التسامح بل هو منطلق من أصالة الخير والمحبة في نفسه التي عرف بها الأئمة عندما يواجهون التحديات من الآخرين و من جهة أخرى يحاول الامام ان يحمل الآخرين على التزام صفة الحلم و التسامح عند الاساءة كعنصر من عناصر المعاملة الطيبة بينهم معللا ذلك بأنه يزيد في عزة الانسان، لأن الحلم و التسامح عند توفر امكانية الرد و القصاص تعبر عن قوة التماسك الغضبي عند الانسان، و سيطرته على اندفاعاته النفسية حينما يواجه بالتحدي و هذا ما يبعث على التقدير و الاكبار له عن الآخرين و خصوصا اذا كان ذلك الانسان متقمصا لمسؤوليات الحكم (41) .

يقول الآبي: دخل رجل على المأمون اراد ضرب عنقه، و الرضا حاضر فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟ت فقال:

اقول: ان الله لا يزيدك بحسن العفو الا عزا. فعفا عنه. (42)

السلوك القدوة

ـ4ـ

كرم الامام و بره:

جنونات لا خلاني الله منها الشجاعة و الكرم، هذه الكلمة الخالدة لإمام الحق والهدى علي بن ابي طالب عليه السلام دلت على ان الكرم من الصفات الخلقية العالية و الكريم قريب الى الله قريب الى الناس قريب الى الجنة و البخيل بعيد عن الله بعيد عن الناس بعيد عن الجنة.

و مما لا شك فيه ان العطاء هو الذي يسير عجلة الحياة اذا ان الحياة بدون عطاء همود و ركود و جمود و قد دفع الاسلام الناس الى العطاء باسلوبين الأول الزامي و الثاني اغرائي .

ـفالالزامي يكون عندما تتوقف المسيرة الاجتماعية على المال يوجب على الاغنياء ان يدفعوا مقدار معينا في اموالهم، ثم ينفق على الفقراء فيأخذونها للسوق يشترون بها و هكذا يتحرك السوق من جديد بعد ركوده.

و القسم الثاني اى الاغرائي يعد الناس القادرين على العطاء بثواب عظيم يوم لا ينفع مال و لا بنون فمثلا يقول الاسلام ان في الجنة بابا أسمه المعروف لا يدخله الا من فعل المعروف في الدنيا و ما الى ذلك من الروايات المشجعة التي تحث الناس على الدفع بشكل تتغلب فيه موازين الحياة الاجتماعية التي تغلب عليها الطبقية يتحول بعد ذلك الى عدل و مساوات بين الناس و لم يكتف الاسلام بالاقوال من قادته العظام بل سارع هؤلاء القادة في اسلوب عملي رائع ليبرهنوا للناس جميعا عن اهمية الثواب الموعود به الناس يوم القيامة.

فمنذ رسول الله(ص) حتى آخر الائمة و هم النماذج الفضلي في العطاء و الكرم و ليس بوسعنا الآن التحدث عن بعض الخصائص فقد مر في الاجزاء الاولى عند ما تحدثنا عن سيرة الائمة ما امتازو به من عطاء و كرم.

كرمه و انعامه و تفرقة امواله(ع) للحوجين:

و اما امامنا الامام الرضا(ع) هو فرع من تلك الشجرة المعطاة و ثمرة من تلك النخلة الجنية فقد كان له دور كبير في ترغيب الناس على العطاء و عمل الخير بقوله و عمله و سلوكه العظيم .

يقول الامام في حديث له مع البزنطي:

«ان صاحب النعمة على خطر، انه يجب عليها حقوق الله تعالى فيها، و الله انه ليكون علي النعم من الله عز و جل فما أزال منها على وجل ـ و حرك يدهـ حتى اخرج الحقوق التي تجب علي فيها. قلت: جعلت فداك انت في قدرك تخاف هذا؟ قال: نعم فأحمد ربى على ما من به علي» (43) .

و عن اليسع بن حمزة قال:

كنت انا في مجلس الرضا احدثه و قد اجتمع عليه خلق كثير يسألونه عن الحلال و الحرام اذ دخل عليه رجل طوال آدم فقال له: السلام عليك ياابن رسول الله رجل من محبيك و محبي آبائك، و أجدادك، مصدرى من الحج و قد افتقدت نفقتي و ما معي ما أبلغ مرحله فان رأيت ان تنهضني الى بلدي و لله علي نعمة فاذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة.

فقال له: اجلس رحمك الله و اقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا و بقي هو و سليمان الجعفرى و خيثمة و أنا.

فقال: اتأذنون لي بالدخول؟

فقال له سليمان: قدم الله امرك.

فقام فدخل الحجرة و بقي ساعة ثم خرج و رد الباب و أخرج يده من اعلى الباب و قال اين الخراساني؟

فقال: ها أنا ذا.

فقال: اخذ هذه المأتي دينار و استعن بها في مؤنتك و نفقتك و تبرك بها و لا تصدق بها عني و اخرج فلا اراك و لا تراني. ثم خرج.

فقال سليمان: جعلك فداك لقد اجزلت و رحمت فلماذا سترت وجهك؟

فقال: مخافة ان ارى ذل السؤال في وجهه لقضائى حاجته اما سمعت حديث رسول الله(ص) المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة و المذيع بالسيئة مخذول و المستتر بها مغفور له اما سمعت قول الاول:

«متى اته يوما لا طلب حاجة، رجعت الى اهلي و وجهي بمائة». (44)

فهو يحتجب عن سائله هنا حين يقدم له العطاء لئلا ينظر لذل السؤال في وجهه و ليحتفظ السائل بعزة نفسه حين يستتر عنه وجه المعطي في حالة العطاء و يطلب منه ان يخرج لئلا يراه صونا لنفسه عن الشعور بالمنة على سائله و صونا لسائله عن تقدين الامتنان له.

و فرق بخراسان ماله كله في يوم عرفة. فقال له الفضل بن سهل:

ان هذا لمغرم: فقال: بل هو المغنم لا تعدن مغرما ما ابتعت اجرا و كرما. (45)

و عن يعقوب بن اسحاق النوبختي قال:

مر رجل بأبي الحسن فقال له: اعطني على قدر مروتك. فقال الامام: لا يسعني ذلك. فقال: على قدر مروتي. اما اذا فنعم، ثم قال. يا غلام اعطه مائتي دينار. (46)

وامتناع الامام من العطاء على قدر مروءته لأن ما يملكه لا يساوي في الانفاق مروءته.

و عن بره بالمساكين و الفقراء و رعايته لهم يحدثنا معمر بن خلاد قال: كان ابوالحسن الرضا اذا أكل أتى بصحفه فتوضع قرب مائدته فيعمد الى اطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كل شي‏ء شيئا فيوضع في تلك الصحفة ثم يأمر بها للمساكين... ثم يتلو هذه الآية فلا اقتحم العقبة ثم يقول: علم الله عز و جل ان ليس كل انسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم السبيل الى الجنة باطعام الطعام. (47)

و يروي البزنطي كتابا أرسله الامام الرضا لولده الامام ابي جعفر يجسد لنا روح العطاء و الكرم الخيرة المتأصلة في نفوس اهل البيت يقول البزنطي:

قرأت كتاب ابى الحسن الرضا(ع) الى ابى جعفر: يا ابا جعفر بلغني ان الموالي اذا ركبت اخرجوك من الباب الصغير فانما ذلك من بخل بهم لئلا ينال منك احد خيرا فأسلك بحقي عليك لا يكن مدخلك و مخرجك الا من الباب الكبير. و اذا ركبت فليكن معك ذهب و فضة ثم لا يسألك أحد الا اعطيته و من أسلك من عمومتك ان تبره فلا تعطه اقل من خمسين دينارا و الكثير اليك و من سألك من عماتك فلاتعطها اقل من خمس و عشرين دينارا و الكثير اليك أني أريد ان يرفعك الله فانفق و لا تخشى من ذي العرش افتقارا. (48)

السلوك القدوة

ـ5ـ

التربية الهادفة و الصارمة:

لم يقتصر الامام الرضا على اسلوبه و بيانه في التربية بل تعداه الى مراقبة دقيقة و سيطرة كاملة على المنهاج الحياتي ليعرف عن كثب اهمية التربية في نظر هؤلاء العظام. و اليك بعض النماذج من حياته(ع).

كفاحه مع التذير و السرف:

فعن ياسر الخادم قال:

اكل الغلمان يوما فاكهة فلم يستقصوا اكلها و رموا لها فقال لهم ابو الحسن(ع) سبحان الله ان كنتم استغنيتم فان اناسا لم يستغنوا اطعموا من يحتاج اليه. (49)

و بما أن الاوضاع المادية يومها كانت لا تسمح بترك الفاكهة الى وقت آخر اي لم يكن هناك ثلاجة تحفظها و الحر في الجزيرة العربية يفسدها و بالأخص اذا وصلت الى درجة كبيرة من النضوج و الغلمان لقصورهم لم يفكروا فيما اذا بقي منها شي‏ء الا ان يرموه للحيوانات والبهائم كبقية الفضلات. غير ان الامام نبههم الى شى‏ء مهم وهو: أنهم اذا استغنوا لأنهم في بيت الامام فليس معناه أن كل الناس اصبحت مثلهم فكم من فقير لا يستطيع شراء الفاكهة فلو اخذوا ما بقي من الفواكه و اعطوه للفقراء و المعوزين لكان افضل و احسن.

و بهذا ينفي في كلامه البطر الحاصل عند الناس الذين لا يفكرون في احد من الفقراء و المساكين .

و عن سليمان بن جعفر الجعفري قال:

كنت مع الرضا(ع) في بعض الحاجة فأردت ان انصرف الى منزلي:

فقال لى: انصرف معي فبت عندي الليلة. فأنطلقت معه فدخل الى داره مع المعتب، فنظر الى غلمانه يعملون بالطين اواري الدواب و غير ذلك و اذا معهم أسود ليس منهم. فقال: ما هذا الرجل معكم؟ قالوا: يعاوننا و نعطيه شيئا. قال: قاطعتموه على اجرته؟ قالوا: لا هو يرضى منا بما نعطيه. فاقبل عليهم يضربهم بالسوط و غضب لذلك غضبا شديدا. فقلت: جعلت فداك لم تدخل على نفسك؟ فقال: اني قد نهيتهم عن مثل هذا غير مرة ان يعمل معهم أحد حتى يقاطعوه اجرته.

و اعلم انه ما من احد يعمل لك شيئا بغير مقاطعة ثم زدته لهذا الشي‏ء ثلاثة اضعاف على أجرته الا ظن انك قد نقصته أجرته و اذا قاطعته ثم اعطيته اجرته حمدك على الوفاء فان زدته حبة عرف ذلك لك و رأى انك قد زدته. (50)

و في هذا يبين الامام عليه السلام عن اهمية العقد و الالتزام به حتى لا يخلق عقدا اجتماعية فلو انه لم يشترط معك و عمل لك و كان ذوقه يختلف عن ذوقك في التقدير سوف يطلب منك اكثر مما تطلب منه، عندئذ يقع النزاع بين الاثنين و يحصل شيئا لم يكن متوقعا بينما اذا اشترط على الفصل كما و كيفا من اول الأمرفلا يحصل في النهاية به أية نزاع.

و عن البزنطي قال:

بعث الرضا(ع) بحمار له فجئت الى صريا فمكثت عامة الليل معه فأتيت بعشاء ثم قال: افرشوا له. ثم اتيت بوسادة طبرية و مرادع و كساء فباصرني و ملحفة مروي فلما أصبت من العشاء . قال لي اتريد ان تنام؟ قلت: بلي جعلت فداك فطرح على الملحفة و الكساء ثم قال: بيتك الله في عافية و كنا على سطح فلما نزل من عندي قلت في نفسى: قد نلت من هذا الرجل كرامة ما نالها أحد قط، فاذا هاتف يهتف بي يا احمد و لم اعرف الصوت حتى جاءني مولى له. فقال : اجب مولاي... فنزلت و هو مقبل الي. فقال كفك فناولته كفي فعصرها. ثم قال: ان امير المؤمنين صلى الله عليه أتى صعصعة بن صوحان عائدا له فلما اراد ان يقوم من عنده قال: يا صعصعة بن صوحان... لا تفتخر بعيادتي اياك و انظر لنفسك فكأن الامر قد وصل اليك و لا يلهينك الأمل استودعك الله و أقرأ عليك السلام كثيرا.

ففي هذا الحديث بين الامام عليه السلام ان زيارة القائد لأحد رعيته لا يعني ان بزهدي و يفخر على الناس فيها و يفخر بأنه من خيرة الناس بل يجب عليه ان يعمل و ينظر لنفسه و يحاسبها و يهتم بشؤونها و تقيم واقعها بعيدا عن المؤثرات الخارجية.

الادب الرضوي

ليس في تاريخ الادباء و الحكماء كتاريخ اهل البيت عليهم السلام حيث انهم اثروا العالم الاسلامي و الانساني بروائع آدابهم و حكمهم و من عظيم قدرها و ابداعها و روعتها يكتبها الناس احيانا بماء الذهب ثم يحتفظون بها.

و الانسان مفطور على حب العلم و الادب و الحكمة و كلما كانت الحكم رصينة و رائعة لكان انشد اليها اكثر و لهذا رأى الناس في روائع نهج البلاغة للامام(ع) ما يغنيهم عن الرجوع لغيره من الحكماء كسقراط و بزرجمهر و هلم جرا.

و لا غرابة ان يكون للائمة مناهل البيت هذا الجواهر الثمينة في الادب و الروائع العظيمة في الحكمة و هم خريجوا مدرسة الثورة و ربائب الرسالة و الوحي.

ومن هذه الانوار العلوية و الازهار الهاشمية نور اضاء سناه و علاه و نضوع مسكه و شذاه نور الامام الرضا(ع) و عطره و طيبه و زهره.

روائع ادبية من اقوال الامام(ع):

و اليك بعض الروائع الادبية و الحكمية من اقواله، سأله رجل عن قول الله عز و جل «و من يتوكل على الله فهو حسبه».

فقال:(ع):

التوكل درجات منها ان تثق به في أمرك كله فما فعل بك كنت راضيا و تعلم انه لم يأتك خيرا و نظرا و تعلم أن الحكم في ذلك له فتوكل عليه بتفويض ذلك اليه و من ذلك الايمان بغيوب الله التي لم يحط علمك بها فوكلت علمها اليه و الى أمنائه عليها و وثقت به فيها و في غيرها (51) .

و سئل عن حد التوكل فقال(ع):

أن لا تخاف احدا الا الله. (52)

و مقصود الامام بالتوكل هنا هو التسليم لأمر الله و الرضا بقضائه. و سأله احمد بن نجم عن العجب الذي يفسد العمل.

فقال(ع):

العجب درجات منها ان يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه و يحسب انه يحسن صنعا و منها ان يؤمن العبد بربه فيمن على الله و لله المنة عليه فيه. (53)

و قال عليه السلام:

خمس من لم تكن فيه فلا ترجوه لشى‏ء من الدنيا و الآخرة، من لم تعرف الوثاقة في ارومته و الكرم في طباعه و الرصانة في خلقه و النبل في نفسه و المخافة لربه. (54)

و سئل عن السفلة: فقال(ع):

من كان له شي‏ء يلهيه عن الله. (55)

و قال(ع):

ان الله يبغض القيل و القال و اضاعة المال و كثرة السؤال. (56)

وقال(ع):

التودد الى الناس نصف العقل. (57)

و قال(ع):

لا يتم عقل امرى‏ء مسلم حتى تكون فيه عشر خصال. الخير منه مأمول، و الشر منه مأمون، يستكثر قليل الخير من غيره، و يستقل كثير الخير من نفسه، لا يسأم من طلب الحوائج اليه، و لا يمل من طلب العلم طول دهره، الفقر في الله أحب اليه من الغنى، و الذل في الله احب اليه من العز في عدوه، والخمول أشهى اليه من الشهرة. ثم قال: العاشرة و ما العاشرة قيل له: ما هي؟ قال(ع): لا يرى أحدا الا قال: هو خير مني و اتقى، انما الناس رجلان، رجل خير منه و اتقى و رجل شر منه و أدنى، فاذا القي الذي هو شر منه و ادنى قال: لعلى خير هذا باطن و هو خير له و خيري ظاهر و هو شر لي، و اذا رأى الذي هو خير منه واتقى تواضع له ليلحق به، فاذا فعل ذلك فقد علا مجده و طاب خيره و حسن ذكره و ساد أهل زمانه. (58)

و قال(ع):

الصمت باب من ابواب الحكمة ان الصمت يكسب المحبة انه دليل على كل خير. (59)

و قال(ع):

صديق كل امرى‏ء عقله و عدوه جهله. (60)

و قال(ع):

من اخلاق الانبياء التنظيف. (61)

و قال(ع):

صاحب النعمة يجب ان يوسع على عياله. (62)

و قال(ع):

اذا ذكرت الرجل و هو حاضر فكنه، و اذا كان غائبا فسمه. (63)

و قال(ع):

يأتي على الناس زمان العافية فيه عشرة اجزاء تسعة منها في اعتزال الناس و واحد في الصمت . (64)

و قال(ع):

من حاسب نفسه ربح، و من غفل عنها خسر، و من خاف أمن، و من اعتبر أبصر، و من أبصر فهم، و من فهم علم، و صديق الجاهل في تعب، و افضل المال ما وقي به العرض، و افضل العقل معرفة الانسان نفسه، و المؤمن اذا غضب لم يخرجه غضبه عن حق، و اذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، و اذا قدر لم يأخذ اكثر من حقه. (65)

و قال(ع):

من كثرت محاسنه مدح بها و استغنى التمدح بذكرها. (66)

و قال(ع):

من لم يتابع رأيك فى صلاحة فلا تصغ الى رأيه و من طلب الأمر من وجهه لم يزل و من زل لم تخذله الحيلة. (67)

و قال(ع):

ان للقلوب اقبالا و ادبارا و نشاطا و فتورا فاذا أقبلت تبصرت و فهمت و اذا أدبرت كلت و ملت فخذوها عند اقبالها و نشاطها و اتركوها عند ادبارها و فتورها. (68)

و قال(ع):

صاحب السلطان بالحذر و الصديق بالتواضع و العدو بالتحرز و العامة بالبشر. (69)

و قال(ع):

الاجل آفة الأمل و البر غنيمة الحازم و التفريط مصيبة ذي القدرة والبخل يمزق العرض و الحب داعي المكاره و أجل الخلائق و اكرمها اصطناع المعروف و اغاثة الملهوف وتحقيق أمل الأمل و تصديق مخيلة الراجي و الاستكثار من الاصدقاء في الحياة و الباكين بعد الوفاة . (70)

و قال(ع):

احسن الظن بالله فان من حسن ظنه بالله كان الله عند ظنه و من رضي بالقليل من الرزق قبل منه اليسير من العمل، و من رضي باليسير من الحلال خفت مؤونته و نعم أهله، و بصره الله داء الدنيا و دوائها و أخرجه منها سالما الى دار السلام. (71)

و قال(ع):

ليس لبخيل راحة و لا لحسود لذة و لا لملول وفاء و لا لكذوب مروة. (72)

و قال(ع):

ان الذي يطلب من فضل يكف به عياله أعظم اجرا من المجاهدين في سبيل الله. (73)

و سئل عن خيار العباد؟ فقال: الذين اذا احسنوا استبشروا، و اذا اساؤا استغفروا، و اذا اعطوا شكروا، و اذا ابتلوا صبروا، و اذا عضبوا غفروا. (74)

و قيل له: كيف اصبحت فقال: اصبحت بأجل منقوص و عمل محفوظ و الموت فى رقابنا و النار من ورائنا و لا ندري ما يفعل بنا. (75)

و قال(ع):

لا يجمع المال الا بخصال خمس: ببخل شديد و أمل طويل و حرص غالب و قطيعة الرحم و ايثار الدنيا على الآخرة. (76)

و قال علي بن شعيب دخلت علي أبي الحسن الرضا.

فقال لي: يا على من احسن الناس معاشا؟ قلت: انت يا سيدى اعلم به مني. فقال: من حسن معاش غيره في معاشه. ثم قال: يا على من اسوء الناس معاشا؟ قلت: انت اعلم. قال: من لم يعش غيره في معاشه. ثم قال: يا علي احسنوا جوار النعم فانها وحشية ما نأت عن قوم فعادت اليهم . يا علي ان شر الناس من منع رفده، و أكل وحده، و جلد عبده. (77)

و قال(ع):

عونك للضعيف افضل عن الصدقة. (78)

و قال(ع):

لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى تكون فيه خصال ثلاثة، التفقه في الدين و حسن التقدير في المعيشة و الصبر على الرزايا. (79)

و قال(ع):

كفاك ممن يريد نصحك بالنميمة ما يجد من سوء الحساب في العاقبة. (80)

و قال(ع) في تعزية الحسن بن سهل:

التهنية بآجل الثواب خير من التعزية بعاجل المصيبة. (81)

هذا غيض من فيض و قطرة من بحر هذا الامام العظيم الذي ملأ الدنيا علما و حكمة و فاض عليها ندى و ادبا و كرما.

و خير زاد لنا ان نعب من معين هذه الحكم الصافي و نتزود بها فتكثر من التجمل باخلاقها ليوم لا ينفع مال و لا بنون الا من اتى الله بقلب سليم.

الهوامش:

1)كشف الغمة، ج 2، ص .104

2)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 1، ص 17 و الارشاد، ص .308

3)البحار، ج 49، ص .100

4)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 2، ص 180ـ .182

5)البحار، ج 49، ص 211 نقلا عن كتاب الامام الرضا: محمد جواد فضل الله.

6)البحار، ج 49، ص .100

7)الارشاد للمفيد، ص .311

8)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 1، ص .204

9)الكامل في التاريخ، ج 5، ص .183

10)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 1، ص .59

11)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 1، ص .64

12)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 1، .64

13)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 1، .64

14)الكافى، ج 1، ص .311

15)الكافى، ج 1، ص .311

16)و 17)و 18)الكافى ج 1، ص .312

19)الكافى، ج 1، ص .313

20)الكافى، ج 1، ص .313

21)الكافى، ج 1، ص .319

22)الكافى، ج 1، ص .487

23)البحار، ج 49، ص .115

24)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 2، ص .213

25)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 2، ص .184

26)البحار، ج 49، ص .102

27)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 2، ص .236

28)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 2، ص .183

29)بحار الانوار، ج 49، ص .101

30)الامام الرضا، محمد جواد فضل الله، ص .46

31)الحجرات/ .12

32)الميزان، ج 18، ص .334

33)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 2، ص .237

34)و 35)البحار، ج 49، ص .102

36)المستدرك، ج 2، ص .282

37)كشف الغمة، ج 3، ص .100

38)الكافى، ج 6، ص .516

39)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 2، ص .178

40)الكافى، ج 1، ص .317

41)الامام الرضا، محمد جواد فضل الله، ص .46

42)كشف الغمة، ج 3، ص .142

43)الكافى، ج 3، ص .502

44)المناقب، ج 4، ص .361

45)المناقب، ج 4، ص .361

46)المناقب، ج 4، ص .360

47)عيون اخبار الرضا(ع)

48)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 2، ص .8

49)الكافى، ج 6، ص .297

50)الكافى، ج 5، ص .288

51)البحار، ج 75، ص .353

52)تحف العقول، ص .445

53)تحف العقول، ص .444

54)تحف العقول، ص .446

55)تحف العقول، ص .442

56)و 57)و 58)تحف العقول، ص .443

69)تحف العقول، ص .445

60)تحف العقول، ص .443

61)تحف العقول، ص .442

62)تحف العقول، ص .442

63)تحف العقول، ص .443

64)تحف العقول، ص .446

65)البحار، ج 75، ص .352

66)و 67)البحار، ج 75، ص .353

68)البحار، ج 75، ص .354

69)البحار، ج 75، ص .356

70)البحار، ج 75، ص .355

71)البحار، ج 75، ص .343

72)البحار، ج 75، ص .345

73)البحار، ج 75، ص .339

74)البحار، ج 75، ص .338

75)البحار، ج 75، ص .339

76)عيون اخبار الرضا(ع)، ج 1، ص .276

77)البحار، ج 75، ص .341

78)و 79)البحار، ج 75، ص .339

80)البحار، ج 75، ص .353

81)البحار، ج 75، ص .357

الامام الرضا عليه السلام عرض و تحليل صفحه 77

الشيخ عفيف النابلسي