المعالم البارزة في حياة الإمام الصادق (ع)
بسم الله الرحمن الرحيم
و المعالم الهامة البارزة في حياة الامام الصادق(ع) وجدتها من منظار بحثنا تتلخص بما
يلي:
1 ـ تبيين مسألة الامامة و الدعوة إليها.
2 ـ بيان الاحكام و تفسير القرآن وفق ما ورثته مدرسة اهل البيت(ع) عن رسول الله(ص).
3 ـ اقامة تنظيم سري ـ ايديولوجي ـ سياسي.
و طريقة بحثنا أن ندرس كل واحد من هذه المعالم، و نضع في النهاية فهرسا لنشاطات الامام،
و أن يكون ذلك قدر المستطاع باسلوب المؤرخين لا باسلوب المحدثين.
.1 تبيين مسألة الامامة و الدعوة إليها
هذا الموضوع يشكل أبرز خصائص دعوة أئمة أهل البيت، منذ السنوات الاولى التي اعقبت رحيل
النبي الاكرم(ص)، كانت مسألة إثبات إمامة أهل البيت(ع) تشكل طليعة الدعوة في كل أعصار
الامامة. هذه المسألة نشاهدها أيضا في ثورة الحسين بن على عليه السلام، و نشاهدها بعد
ذلك أيضا في ثورات أبناء أئمة أهل البيت مثل زيد بن على. و دعوة الامام الصادق(ع) لم
تخرج عن هذا النطاق أيضا.
قبل أن نستعرض وثائق هذا الموضوع، يجب علينا أن نعرف أولا مفهوم «الامام» في الفكر الاسلامى،
و ما معنى الدعوة إلى الامامة.
كلمة «الامامة» تعني في الاصل القيادة بمعناها المطلق و في الفكر الاسلامي تطلق غالبا
على مصداقها الخاص، و هو القيادة في الشؤون الاجتماعية، الفكرية منها و السياسية.
و اينما وردت في القرآن مشتقات لكلمة الامامة (امام،أئمة) فيراد بها هذا المعنى الخاص
لقيادة الامة. ففي بعض المواضع يقصد بها القيادة الفكرية و في مواضع اخرى يراد بها القيادة
السياسية، او الاثنين معا.
بعد رحيل النبي(ص) و ظهور الانشقاق الفكري و السياسي بين المسلمين اتخذت كلمة الامامة
و الامام مكانة خاصة لأن مسألة القيادة السياسية شكلت المحور الاساس للاختلاف. و الكلمة
كان لها في البداية مدلول سياسى اكثر من أي مدلول آخر، ثم انضمت اليها بالتدريج معان
أخرى، حتى أصبحت مسألة «الامامة» تشكل في القرن الثاني أهم مسائل المدارس الكلامية ذات
الاتجاهات الفكرية المختلفة، و كانت هذه المدارس تطرح آراءها بشأن شروط الامام و خصائصه،
أي شروط الحاكم في المجتمع الاسلامي، و هو معنى سياسي للامامة.
إن الامامة في مدرسة اهل البيت ـ التي يرى أتباعها أنهم يمثلون أنقى تيار فكري إسلامي
ـ لها نفس المعنى، و نظرية هذه المدرسة بشأن الامامة تتلخص فيما يلي:
الامام و الزعيم السياسي في المجتمع الاسلامى يجب أن يكون منصوبا من الله، باعلان من
النبي، و يجب أن يكون قائدا فكريا و مفسرا للقرآن و عالما بكل دقائق الدين و رموزه،
و يجب أن يكون معصوما مبرأ من كل عيب خلقي و أخلاقي و سببي و يجب أن يكون من سلالة طاهرة
نقية الى غير ذلك.
و بذلك فان الامامة كانت في العرف الاسلامي خلال القرنين الاول و الثاني تعني القيادة
السياسية، و فى العرف الخاص بأتباع أهل البيت تعني، اضافة الى القيادة السياسية، القيادة
الفكرية و الاخلاقية ايضا.
فالشيعة تعترف بامامة الفرد حين يكون ذلك الفرد متمتعا بخصائص هي ـ اضافة الى قدرته
على ادارة الامور الاجتماعية ـ مقدرته على التوجيه و الارشاد و التعليم في الحقل الفكري
و الديني، و التزكية الخلقية. و إن لم تتوفر فيه هذه المقدرة لا يمكن أن يرقى الى مستوى
«الامامة الحقة» و ليس بكاف ـ في نظرهم ـ حسن الادارة السياسية و الاقتدار العسكري و
الفتوحات و امثالها من الخصائص التي كانت معيارا كافيا لدى غيرهم.
فمفهوم الامامة لدى اتباع أهل البيت ـ اذن ـ يتجه إلى اعطاء إمامة المجتمع صفة قيادة
ذلك المجتمع في مسيرته الجماعية و الفردية. فالامام رائد مسيرة التعليم و التربية و
قائد المسيرة الحياتية. و من هنا كان «النبي»(ص) إماما أيضا، لانه القائد الفكري و السياسي
للمجتمع الذي اقام دعائمه. و بعد النبي تحتاج الامة الى امام يخلفه و يتحمل عبء مسؤولياته،
(بما في ذلك المسؤولية السياسية). و يعتقد الشيعة أن النبي نص على خلافة علي بن أبي
طالب عليه السلام، ثم تنتقل الامامة بعده الى الائمة المعصومين من ولده. (1)
و لا بد من الاشارة الى أن تداخل المهام الثلاث للامامة: القيادة السياسية، و التعليم
الديني، و التهذيب الاخلاقي و الروحي في الامامة الاسلامية ناشىء من عدم وجود تفكيك
بين هذه الجوانب الثلاثة في المشروع الاسلامي للحياة البشرية. فقيادة الامة يجب أن تشمل
قيادتها في هذه الحقول الثلاثة أيضا. و بسبب هذه السعة و هذه الشمولية في مفهوم الامامة
لدى الشيعة كان لابد أن يعين الامام من قبل الله سبحانه.
نستنتج مما سبق أن الامامة ليس، كما يراها اصحاب النظرة السطحية، مفهوما يقابل «الخلافة»
و «الحكومة» أو منصبا منحصرا بالامور المعنوية و الروحية و الفكرية، بل إنها في الفكر
الشيعي «قيادة الامة» في شؤون دنياها و ما يرتبط بذلك من تنظيم للحياة الاجتماعية و
السياسية (رئاسة الدولة) و ايضا في شؤون التعليم و الارشاد و التوجيه المعنوي و الروحي
و حل المشاكل الفكرية و تبيين الايديولوجية الاسلامية «القيادة الفكرية».
و هذه المسألة الواضحة أضحت مع الاسف غريبة على أذهان اكثر المعتقدين بالامامة. و لذلك
نرى من الضروري عرض بعض النماذج من مئات الوثائق القرآنية و الحديثية في هذا المجال
:
في كتاب «الحجة» من «الكافي» حديث عن الامام علي بن موسى الرضا (ع) يذكر فيه بالتفصيل
ما يرتبط بمعرفة الامام و وصفه و يتضمن معاني عميقة و رائعة.
من ذلك ما ورد بشأن الامامة بأنها: هي منزلة الانبياء و إرث الاوصياء ان الامامة خلافة
الله، و خلافة الرسول، و مقام أمير المؤمنين(ع) و ميراث الحسن و الحسين(ع) ان الامامة
زمام الدين، و نظام المسلمين، و صلاح الدنيا، و عز المؤمنين، ان الامامة أس الاسلام
النامي، و فرعه السامي، بالامام تمام الصلاة و الزكاة و الصيام و الحج و الجهاد و توفير
الفىء و الصدقات، و امضاء الحدود و الاحكام، و منع الثغور و الاطراف. (2)
و حول الامام انه:
«النجم الهادى، و الماء العذب، و المنجي من الردى، و السحاب الماطر، و مفزع العباد في
الداهية، و أمين الله في خلقه، و حجته على عباده، و خليفته في بلاده، و الداعي الى الله،
و الذاب عن حرم الله، و نظام الدين، و عز المسلمين و غيظ المنافقين، و بوار الكافرين»
. (3)
كل ما كان يمارسه النبي(ص) من مسؤوليات و مهام يتحملها علي(ع) و الأئمة من ولده. (4)
و في رواية أخرى عن الامام الصادق(ع) نرى تأكيدا على إطاعة «الاوصياء» و توضح الرواية
أن الاوصياء هم نفسهم الذين عبر عنهم القرآن بأولي الامر. (5)
إن مئات الروايات المتفرقة في الابواب المختلفة تصرح أن مفهوم الامام و الامامة في الفكر
الشيعي ما هو الا القيادة و ادارة شؤون الامة المسلمة، و أن أئمة أهل البيت(ع) هم الاصحاب
الحقيقيون للحكومة. و تدل جميعا بما لا يقبل الشك على أن أئمة أهل البيت(ع) في ادعائهم
الامامة كانوا لا يقتصرون بالمطالبة على المستوى الفكري و المعنوي بل كانوا يطالبون
بالحكومة ايضا. و دعوتهم على هذا النطاق الواسع الشامل انما هي دعوة لحركة سياسية عسكرية
لاستلام السلطة.
هذه الحقيقة ظلت خافية على الباحثين في العصور التالية (6) ، بينما كانت في فهم اصحاب الائمة و المعاصرين لهم من أوضح الحقائق حتى إن «الكميت» في
احدى قصائده الهاشميات يصف أئمة أهل البيت بأنهم ساسة يقودون الناس بطريقة تختلف تماما
عن الطريقة التي يمارسها الحكام الظلمة الذين يعاملون الناس كالبهائم. (7)
نعود الى الموضوع الاصلي و هو أن بيت القصيد في دعوة الامام الصادق(ع) و سائر أئمة أهل
البيت كان يدور حول «الامامة» و لإثبات هذه الحقيقة التاريخية، أمامنا روايات متضافرة
تنقل بوضوح و صراحة عن الامام الصادق(ع) ادعاءه الامامة. و كما سنوضح فيما بعد، أن الامام
حين يعلن دعوته هذه كان يرى نفسه في مرحلة من الجهاد تستدعي أن يرفض بشكل مباشر صريح
حكام زمانه و أن يعلن نفسه بأنه صاحب الحق الواقعي و صاحب الولاية و الامامة. و مثل
هذا التصدي يعنى عادة اجتياز سائر المراحل الجهادية السابقة بنجاح. و لا بد أن يكون
الوعي السياسي و الاجتماعي قد انتشر في قاعدة واسعة، و أن الاستعداد محسوس بالقوة في
كل مكان، و أن الارضية الايديولوجية قد توفرت في عدد ملحوظ من الافراد، و ان جمعا غفيرا
آمن بضرورة إقامة حكومة الحق و العدل، و أن يكون القائد ـ أخيرا ـ قد اتخذ قراره الحاسم
بشأن هذه المواجهة الساخنة. و بدون هذه المقدمات فان اعلان إمامة شخص معين و قيادته
الحقة للمجتمع أمر فيه تعجل و لا جدوى منه.
المسألة الاخرى التي لا بد من التركيز عليها في هذا المجال هي أن الامام ما كان يكتفي
في بعض الموارد باثبات إمامته و حسب، بل يذكر الى جانب اسمه أسماء أئمة الحق من أسلافه
ايضا، أي إنه يطرح في الحقيقة سلسلة ائمة أهل البيت بشكل متصل غير قابل للتجزئة و الانفصال
.
هذا الموقف يشير إلى ارتباط جهاد أئمة أهل البيت و تواصله من الأزمنة السابقة الى عصر
الامام الصادق(ع) ان الامام الصادق(ع) يقرر امامته باعتبارها النتيجة الحتمية المترتبة
على إمامة اسلافه، و بذلك يبين جذور هذا الدعوة و عمقها في تاريخ الرسالة الاسلامية
و ارتباطها بصاحب الدعوة الرسول الاكرم عليه أفضل الصلاة و السلام. و لنعرض بعض نماذج
دعوة الامام:
أروع رواية في هذا الباب عن «عمرو بن أبي المقدام» و فيها تصوير لواقعة عجيبة.
في يوم التاسع من ذي الحجة اذا اجتمع الحجاج في عرفة لأداء، منسك الوقوف، و قد توافدوا
على هذا الصعيد من كل فج عميق... من أقصى خراسان حتى سواحل الاطلنطي. الموقف حساس و
خطير، و الدعوة فيه تستطيع أن تجد لها صدى فى أقاصى العالم الاسلامي، الامام انضم الى
هذه الجموع الغفيرة المحتشدة، ليوصل اليها كلمته، يقول الراوي: رأيت الامام قد وقف بين
الجموع و رفع صوته عاليا ليبلغ أسماع الحاضرين و لينتقل الى آذان العالمين و هو ينادى
:
«أيها الناس، إن رسول الله كان الامام ثم كان علي بن ابىطالب، ثم الحسن ثم الحسين ثم
علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم...» فينادي ثلاث مرات لمن بين يديه، و عن يمينه و عنى
يساره و من خلفه، اثني عشر صوتا. (8)
و رواية اخرى عن «ابى الصباح الكناني» أن الامام الصادق(ع) يصف نفسه و أئمة الشيعة بأن
لهم «الانفال» و «صفو المال».
عن ابى الصباح قال: قال لي ابو عبد الله (ع) «يا أبا الصباح نحن قوم فرض الله طاعتنا،
لنا الانفال و لنا صفو المال، و نحن الراسخون في العلم، و نحن المحسودون الذين قال الله
في كتابه...» (9) .
و «صفو المال»: هو من الاموال ذات القيمة الرفيعة في غنائم الحرب، و كان لا يقسم كما
تقسم الغنائم بين المجاهدين، كي لا يستأثر به أحد دون آخر، و يكون كرامة كاذبة لأحد
من الناس، بل إنه يبقى لدى الحاكم الاسلامي يتصرف به لما يحقق مصلحة عامة المسلمين.
و كان الحكام الظلمة يستأثرون بهذا المال و يجعلونه مختصا بهم غصبا. و الإمام يصرح بان
«صفو المال» يجب أن يكون لهم و هكذا الانفال. و هذا يعني أنه يعلن نفسه بصراحة حاكما
شرعيا للمسلمين مسؤول عن استثمار هذه الاموال وفق ما يراه تحقيقا لمصلحة الامة.
و في حديث آخر يذكر الامام الصادق(ع) اسماء اسلافه من الأئمة واحدا واحدا و يشهد بإمامتهم
و بوجوب طاعتهم، و حين يصل الى نفسه يسكت، و المخاطبون يعلمون جيدا أن ميراث العلم و
الحكم بعد الامام الباقر وصل الى الامام الصادق. و بذلك يعلن الامام حقه فى قيادة الامة
باسلوب يجعله مرتبطا بجده على بن ابىطالب(ع) (10) . و في ابواب كتاب الحجة من «الكافي» و كذلك في الجزء 47 من «بحار الانوار» أحاديث كثيرة
من هذا القبيل تتحدث بصراحة أو بكناية عن ادعاء الامامة و الدعوة اليها.
و لإثبات هذه الحقيقة التاريخية أمامنا شواهد عن شبكة منظمة لدعوة الامام في جميع أرجاء
العالم الاسلامي، و الوثائق الكثيرة المتوفرة في هذا المجال تجعل وجود هذه الشبكة أمرا
حتميا لا مراء فيه. و هذه الشواهد تبلغ من الكثرة و الوثوق بحيث يمكن أن نستدل بها على
موضوعنا استدلالا قاطعا، و لو لم يتوفر حديث صريح واحد في هذا المجال.
نحن في هذا المجال أمام ظواهر تاريخية ثابتة:
1 ـ ثمة ارتباط منظم فكري و مالي بين الائمة(ع) و اتباعهم، و كانت الاموال تحمل من اطراف
العالم الى المدينة، و كذلك الاسئلة الدينية تتقاطر عليها.
2 ـ اتساع الرقعة الموالية لآل البيت(ع) خاصة في البقاع الحساسة من العالم الإسلامى
.
3 ـ تجمع عدد غفير من المحدثين و الرواة و الخراسانيين و السيستانيين و الكوفيين و البصريين
و اليمانيين و المصريين حول الامام.
فهل إن هذه الظواهر المنسجمة المتناسبة مع بعضها قد حدثت بالصدقة؟
و لابد أن نضيف أن هذه الظواهر حدثت في ظل سيطرة سياسية كانت جادة كل الجد في الغاء
حتى اسم علي و آل علي عليه السلام، بل و سب علي على المنابر، و تسليط انواع البطش و
الارهاب على أتباعهم. فكيف أمكن في مثل هذا الجو خلق قاعدة شعبية عريضة موالية لآل البيت
تطوي آلاف الاميال للوصل الى الحجاز و المدينة لتتلمذ على أئمة أهل البيت عليهم السلام
و تأخذ عنهم فكر الاسلام في الحياة الفردية و الاجتماعية، و تتحدث معهم في موارد كثيرة
و عن مسائل الثورة على الوضع الفاسد، أو بعبارة الروايات، تتحدث معهم عن مسائل القيام
و الخروج؟!!
فلو كان دعاة أهل البيت يقتصرون في حديثهم على علم الأئمة و زهدهم، فلماذا يدور الحديث
في وسط هؤلاء الاتباع دائما عن الثورة المسلحة؟
ألا يدل على هذا على وجود شبكة منظمة للدعوة إلى إمامة أهل البيت بالمعنى الكامل للامامة
أي الفكرية و السياسية؟
و هنا يطرح سؤال عن سبب سكوت التاريخ عن وجود مثل هذه الشبكة المنظمة في دعوة أهل البيت
(ع)، لماذا لم يذكر التاريخ صراحة شيئا عنها؟
و الجواب ما أشرنا اليه سابقا، يمكن في التزام أصحاب الأئمة بالمبدأ الحركي الحكيم المسمى
بالتقية، الذى يحول دون نفوذ أي عنصر أجنبي في تنظيم الامام. كما يمكن أيضا في عدم استطاعة
الحركة الجهادية الشيعية من تحقيق أهدافها و من استلام زمام الحكم.
لو أن بني العباس لم يستولوا على السلطة لبقيت دون شك كل نشاطاتهم السرية و ذكريات دعوتهم
مرها و حلوها حبيسة في الصدور دون أن يعلم بها أحد و دون أن يسجلها التاريخ.
و مع ذلك، ليست قليلة هي الروايات التي تصرح الى حد ما بوجود دعوة واسعة لامامة أهل
البيت. و نكتفي برواية تقول:
قدم رجل من أهل الكوفة الى خراسان، فدعا الناس الى ولاية جعفر بن محمد(ص) ففرقة أطاعت
و أجابت، و فرقة جحدت و انكرت، و فرقة ورعت و وقفت... ثم تقول الرواية: فخرج من كل فرقة
رجل فدخلوا على ابى عبد الله عليه السلام فكان المتكلم منهم، الذي ورع و وقف. فقال:
أصلحك الله قدم علينا رجل من أهل الكوفة فدعا الناس الى طاعتك و ولايتك، فأجاب قوم و
أنكر قوم و ورع قوم و وقفوا. قال الامام(ع): فمن أي الثلاث أنت؟ قال: من الفرقة التي
ورعت و وقفت. قال: فأين كان ورعك ليلة كذا و كذا (و ذكره بسقوطه في موقف شهواني). فارتاب
الرجل. (11)
الداعية كما ترى من أهل الكوفة، و منطقة الدعوة خراسان، و اسم الرجل مكتوم، و دعوته
الى إمامة جعفر بن محمد الصادق(ع) و ولايته و طاعته.
ثمة وثائق أخرى تبين محتوى دعوة ائمة اهل البيت(ع) و شيعتهم الى الامامة تعرضها المناقشات
و المجادلات بينهم و بين خصومهم السياسيين (الامويين و العباسيين). هذه المنازعات كانت
تدور احيانا بلغة الاستدلال الكلامي و الديني، و أحينا بلغة الادب الرفيع المتمثل بالشعر،
و كان كل الحجاج يقوم على أساس إثبات حق الامامة السياسية، و الحكم لأئمة اهل البيت
(ع)، و مقارعة المتربعين ظلما و غصبا على كرسي حكومة المسلمين ان عصر الامام الصادقـ
لمعاصرته حركة بني العباس و انتصار هذه الحركة ـ كان مفعما بهذا اللون من الحجاج.
كان شعراء بني العباس يحاولون اثبات حق الحكم لبني العباس استنادا الى نفس الادلة التي
يقدمها عادة الطامعون الى السلطة و المتشبثون بكرسي الحكم. و يقف شعراء الشيعة مقارعين
لحججهم مستدلين على زيف الحكم العباسي من منطق اسلامي يقوم على أساس رفض الظلم و الاجرام
و الخيانة بحق الامة الاسلامية.
و للحجاج الشعري بين العباسيين و العلويين أهمية في هذا المجال، لما كان ينهض به الشعر
آنئذ من دور كبير في التعبير عن العواطف و الافكار، و لما كان يؤديه في القاعدة الشعبية
من تأثير. يذكر صاحب كتاب «العباسيون الاوائل» دور الادب في القرنين الاول و الثاني
فيقول:
«... كان الادب يؤثر في النفوس و يكسب عواطف الناس و ميولهم الى هذه الفئة أو تلك، و
كان الشعراء و الخطباء بمثابة جريدة العصر يعبر كل منهم عن رأي سياسي و يدفاع عن حزب
معين، مبرزا الدليل تلو الدليل على صحة دعواه، مفندا آراء الخصوم بكلام مؤثر و أسلوب
بليغ». (12)
شعراء البلاط العباسي كانوا يجتهدون في اثبات حق العباسيين في الخلافة باعتبار ارتباطهم
بالنبي عن طريق العمومة، مستدلين على ذلك بأن الارث لا ينتقل الى أبناء البنت مع وجود
الاعمام. فالخلافة بعد النبي من حق العباس عم النبي و من بعده أبناؤه من بني العباس
.
قال مروان بن أبي حفصة:
أنى يكون و ليس ذاك بكائن
لبني البنات وراثة الاعمام
و قال ابان بن عبد الحميد اللاحقي:
فأبناء عباس هم يرثونه
كما العم لابن العم في الارث قد حجب
و من جانب آخر انبرى الشعراء العلويون منطلقين من عاطفة الشعور بالظلم للرد على هذه
الادلة، بنفس المنطق، و أحيانا بمنطق آخر للاستدلال على حق أئمة أهل البيت في الامامة،
من ذلك استدلالهم بحديث غدير خم كقول السيد الحميري:
من كنت مولاه فهذا له
مولى فلم يرضوا و لم يقنعوا
و يرد شاعر آخر على استدلال الشاعر العباسي بشأن وراثة الاعمام فيقول:
لم لا يكون و ان ذاك لكائن
لبني البنات وراثة الاعمام
للبنت نصف كامل من ماله
و العم متروك بغير سهام
ما للطليق و للتراث و انما
صلى الطليق مخافة الصمصام (13)
و يرى دعبل أن كل ما حل باهل البيت(ع) من مصائب إنما هو لانهم ورثوا النبي، فتكالب على
هذا الارث الطامعون و اضروا بمن له الحق في الامامة:
أضر بهم ارث النبي فأصبحوا
تساهم فيهم خيفة و منون
دعتهم ذئاب من أمية و انتحت
عليهم دراكا أزمة و سنون
و عاثت بنو العباس في الدين عيثة
تحكم فيها ظالم و خؤون
و سموا رشيدا ليس فيهم لرشده
و ها ذاك مأمون و ذاك أمين
فما قبلت بالرشد منهم رعاية
و لا للولي بالامانة دين
و ليس من العسير على الباحث في العصر العباسي الاول أن يجد مئات النماذج من المحاورات
و المناظرات السياسية بلغة الشعر في هذا المجال. و كان شعراء الشيعة و خصومهم يقيمون
الحجج على دعواهم. و ليس من المهم أن نعرف في هذه المواجهة مقدار صحة هذه الحجج و استقامتها،
و لكن من المهم أن نعرف المحور الذي يدور حوله النزاع، و الحق الذي يدعيه الجانبان.
هناك حق يدعيه كل جانب و هذا الحق هو وراثة رسول الله(ص) في الحكم و في قيادة المسلمين
.
ليس النزاع بين الجانبين العلوي و العباسي في وراثة الخصال الاخلاقية و المعنوية و الفكرية
للنبي(ص)، ليس الخلاف في أحقية هذا أو ذاك في وراثة هذه الخصال. لان هذه الخصال لا تشكل
حقا يتنازع عليه فريقان. النزاع حول «حق» يدعيه الجانبان. و قد رأينا أن الشعراء في
زمن الامام الصادق يدافعون عن حق الامام في قيادة الامامة المسلمة و في حكم المجتمع
الاسلامي، و يخوضون حربا ضد من لسيت لهم صلاحية حكومة المسلمين، و لذلك شواهد كثيرة
في شعر القرن الثاني الهجري.
و قبل أن نختم هذا القسم من المناسب أن نشير الى لغة حجاج أخرى هى لغة الرسائل. هذه
الرسائل الاحتجاجية كانت تتضمن من جهة أهداف الفرقاء بشكل واضح دون لبس، و كانت تجد
لها من جهة أخرى صدى شعبيا بعد انتشار مضمونها، و تأثيرا قويا على الانصار و الخصوم
. نذكر من ذلك رسالة محمد بن عبد الله بن الحسن ذي النفس الزكية الى المنصور العباسي
. هذا العلوي الثائر يذكر بصراحة و وضوح أنه يطلب نزع الخلافة من خصومه لتكون في ابناء
علي، يقول:
«و إن أبانا عليا كان الوصي و كان الامام فكيف ورثتم ولايته و ولده أحياء» (14) ؟!
و يبدو أن هذا الاستدلال أورده العلوي ردا على استدلال العباسيين في وراثتهم الخلافة،
لأن بني العباس لم تكن لهم حجة سوى هذا الارث المزعوم، فأراد أن يسد عليهم الطريق و
يرد عليهم بنفس منطقهم. و يلاحظ في العبارة أن ذا النفس الزكية يركز على إمامة علي انطلاقا
من فهمه لمعنى الامامة، ثم يركز على طبيعة دعوة البيت العلوي التي يمثلها هذا الثائر
.
2 ـ بيان الاحكام و تفسير القرآن وفق ما ورثته مدرسة أهل البيت(ع) عن رسول الله(ص)
هذا النشاط يمكن ملاحظته أيضا في حياة امام الصادق(ع) بشكل متميز عما نراه في حياة بقية
أئمة آل البيت، حتى سمي فقه الشيعة باسم «الفقه الجعفرى». حتى الذين يغضون الطرف عن
النشاط السياسي للامام الصادق يجمعون على أن الامام كان يدير اوسع حوزة فقهية أو واحدة
من أوسع الحوزات الفقهية في زمانه. و الذي بقي مستورا عن أعين أغلب الباحثين في حياة
الامام هو المفهوم السياسي و الهجومي لهذا اللون من نشاطات الامام و هذا ما سنتعرض له
الآن.
لابد أن نذكر أولا أن منصب الخلافة في الاسلام له خصائص متميزة تجعل الحاكم متميزا عن
الحكام في أنظمة الحكم الاخرى. فالخلافة ليست جهازا سياسيا فحسب، بل هي جهاز سياسي ـ
ديني. و اطلاق لقب الخليفة على الحاكم الاسلامى يؤيد هذه الحقيقة، فهو خليفة رسول الله
(ص) في كل ما كان يمارسه الرسول من مهام دينية و مهام قيادية سياسية في المجتمع.
و الخليفة في الاسلام يتحمل المسؤوليات السياسية و المسؤوليات الدينية معا. هذه الحقيقة
الثابتة دفعت الخلفاء الذين جاءوا بعد الخلفاء الاولين و الذين كانوا ذوي حظ قليل فى
علوم الدين، أو لم يكن لهم منه حظ أصلا، دفعتهم الى سد هذا النقص عن طريق رجال دين مسخرين
لهم فاستخدموا فقهاء و مفسرين و محدثين في بلاطهم ليكون جهازهم الحاكم جامعا للجانبين
الديني و السياسي.
و الفائدة الاخرى من وجود وعاظ السلاطين في الجهاز الحاكم هي إن الحاكم الظالم المستبد
كان قادرا متى ما أراد أن يغير و يبدل أحكام الدين وفقا للمصالح. و كان هؤلاء المأجورون
يقومون بهذه العملية ارضاء لأولياء نعمتهم تحت غطاء من الاستنباط و الاجتهاد ينطلي على
عامة الناس.
الكتاب و المؤرخون المتقدمون ذكروا لنا نماذج فظيعة من اختلاق الحديث و من التفسير بالرأى
كانت يد القوة السياسية فيها واضحة، و سنشير الى جانب منها في اقسام حديثنا التالية
. هذا العمل الذي اتخذ غالبا في البداية (حتى أواخر القرن الهجري الاول) شكل وضع رواية
أو حديث، راح تدريجيا يأخذ طابع الفتوى.
و لذلك نرى في أواخر عصر بني أمية و أوائل عصر بني العباس ظهور فقهاء كثيرين استفادوا
من أساليب رجراجة في اصول الاستنباط ليصدروا الاحكام وفق أذواقهم التي كانت في الواقع
أذواق الجهاز الحاكم.
هذه العملية نفسها أنجزت أيضا في حقل تفسير القرآن، فالتفسير بالرأي اتجه غالبا الى
إعطاء مفاهيم عن الاسلام لا تقوم على أساس سوى ذوق المفسر و رأيه المستمد من ذوق الجهاز
الحاكم و إرادته.
من هنا انقسمت العلوم الاسلامية: الفقه و الحديث و التفسير منذ أقدم العصور الاسلامية
الى تيارين عامين:
التيار الاول: تيار مرتبط بجهاز الحكومة الظالمة الغاصبة، و يتميز بتقديم الحقيقة في
موارد متعددة قربانا على مذبح «المصالح» التي هي في الواقع مصالح الجهاز الحاكم، و يتميز
ايضا بتحريف أحكام الله لقاء دراهم معدودات.
و التيار الثاني: التيار الاصيل الامين الذي لا يرى مصلحة أرفع و أسمى من تبيين الاحكام
الالهية الصحيحة، و كان يصطدم شاء أم أبى في كل خطوة من خطواته بالجهاز الحاكم و وعاظ
السلاطين، و لذلك اتجه منذ البدء اتجاها شعبيا في اطار من الحيطة و الحذر.
انطلاقا من هذا الفهم نعرف بوضوح أن اختلاف «الفقه الجعفري» مع الفقهاء الرسميين في
زمن الامام الصادق لم يكن اختلافا فكريا عقائديا فحسب، بل كان اختلافا يستمد وجوده من
محتواه الهجومي المعارض أيضا.
أهم أبعاد هذا المحتوى إثبات خواء الجهاز الحاكم و فراغه من كل مضمون ديني و عجزه عن
ادارة الشؤون الفكرية للامة، و بعبارة اخرى عدم صلاحيته للتصدي لمنصب «الخلافة» والبعد
الأخر تشخيص موارد التحريف في الفقه الرسمي... هذه التحريفات القائمة على أساس فكر «مصلحي»
في بيان الاحكام الفقهية و مداهنة الفقهاء للجهاز الحاكم. و الامام الصادق بنشاطه العلمي
و تصديه لبيان أحكام الفقه و المعارف الاسلامية و تفسير القرآن بطريقة تختلف عن طريقة
وعاظ السلاطين قد اتخذ عمليا موقف المعارضة تجاه الجهاز الحاكم. الامام بنشاطه هذا قد
يلغي كل الجهاز الديني و الفقهي الرسمي الذي يشكل أحد أضلاع حكومة الخلفاء، و يفرغ الجهاز
الحاكم من محتواه الديني.
ليس بأيدينا سند ثابت يبين التفاوت الجهاز الاموي الى هذا المحتوى المعارض لما قام به
الامام الصادق(ع) من نشاط علمي فقهي. و لكن أغلب الظن أن الجهاز الحاكم العباسي و خاصة
في زمن المنصور الذي كان يتمتع بحنكة و ذكاء و تجربة اكتسبها من صراعه السياسي الطويل
مع الحكم الاموى قبل وصوله الى السلطة. كان يعني المسائل الدقيقة في نشاطات البيت العلوي
. و كان الجهاز الحاكم العباسي يفهم الدور الفاعل الذي يستطيع أن يؤديه هذا النشاط العلمي
بشكل غير مباشر.
و التهديدات و الضغوط و المضايقات التي كانت تحيط بنشاطات الامام الصادق(ع) التعليمية
و الفقهية من قبل المنصور المنقولة الينا في روايات تاريخية كثيرة ناتجة من هذا الالتفات
الى حساسية المسألة. و هكذا اهتمام المنصور بجمع الفقهاء المشهورين في الحجاز و العراق
في مقر حكومته ـ كما تدل على ذلك النصوص التاريخية العديدة ـ فانه ناشىء عن هذا الالتفات
أيضا.
في حديث الامام و تعاليمه لاصحابه و مقربيه كان يستدل الى «خواء الخلفاء و جهلهم» ليستدل
على أنهم في نظر الاسلام لا يحق لهم أن يحكموا.
و نحن نشهد هذا المضمون الهجومي على الجهاز الحاكم بوضوح و صراحة في دروسه الفقهية.
يروى عنه قوله عليه السلام: «نحن قوم فرض الله طاعتنا وانتم تأتمون بمن لا يعذر الناس
بجهالته» (15) .
أي إن الناس انحرفوا بسبب جهل حكامهم و ولاة امورهم، و سلكوا سبيلا غير سبيل الله. و
هؤلاء غير معذورين لدى الله. لأن اطاعة هؤلاء الحكام كان عملا انحرافيا. فلا يبرر ما
يستتبعه من وقوع في الانحرافات (16) .
في تعليمات الأئمة عليهم السلام قبل الامام الصادق و بعد نرى أيضا تركيزا على ضرورة
اقتران القيادة السياسية بالقيادة الفكرية و الايديولوجية. ففي رواية عن الامام علي
بن موسى الرضا عليه السلام عن جده الامام الباقر(ع) قال: إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت
في بنى اسرائيل، أينما دار التابوت دار الملك (تأمل بدقة المعنى الرمزي في التعبير)
و أينما دار السلاح فينا دار العلم... و في رواية اخرى: حيثما دار السلاح فينا فثم الامر
(الحكم) (17) .
و يسأل الراوي الامام: فيكون السلاح مزايلا (مفارقا) للعلم؟
قال الامام: لا. أي إن قيادة المجتمع المسلم يجب أن تكون في من بيده السلاح و العلم
معا.
الامام إذن يرى أن علم الدين و فهم القرآن بشكل صحيح شرط من شروط الامامة، و من جهة
أخرى فهو بنشاطه العلمي و جمع عدد غفير من مشتاقي علوم الدين حوله، و تعليمه الدين بشكل
يختلف تماما عن الطريقة المعتادة لدى العلماء و المحدثين و المفسرين المرتبطين بجهاز
الخلافة، يثبت عمليا أصالةالمحتوى الدينى لمدرسته و زيف الظاهر الديني الذى يتقمصه جهاز
الخلافة و من لف لفه من علماء بلاطه. و عن هذا الطريق المهاجم المتواصل العميق الهادىء
يضفي على جهاده بعدا جديدا.
و كما ذكرنا من قبل، فان الحكام العباسيين الاوائل الذين قضوا سنين طوالا قبل تسلمهم
السلطة في نفس أجواء الجهاد العلوي و الى جانب انصار العلويين، كانوا على علم بكثير
من الخطط والمنعطفات، و كانوا متفهمين للدور التهاجمي الذي يؤديه هذا النشاط فيالفقه
و الحديث و التفسير أكثر من أسلافهم الامويين. و قد يكون هذا السبب هو الذي دفعالمنصور
العباسي في مواجهاته مع الامام الصادق(ع) أن يمنع الامام زمنا من الجلوس في حلقات التدريس
و عن تردد الناس عليه. حتى إن المفضل بن عمر يقول «ان المنصور قد كان هم بقتل ابى عبدالله
(ع) غير مرة فكان اذا بعث اليه و دعاه ليقتله فاذا نظر اليه هابه و لم يقتله غير انه
منع الناس عنه و منعه من القعود للناس و استقصى عليه اشد الاستقصاء حتى انه كان يقع
لاحدهم مسألة في دينه في نكاح أو طلاق أو غير ذلك فلا يكون علم ذلك عندهم و لا يصلون
اليه فيعتزل الرجل و أهله. فشق ذلك على شيعته و صعب عليهم...» (18) .
3 ـ إقامة تنظيم سري سياسي ـ ايديولوجي
مر بنا أن الامام الصادق(ع) قاد في أواخر العصر الاموي شبكة إعلامية واسعة استهدفت الدعوة
الى إمامة آل علي(ع) و تبيين مسألة الامامة بشكلها الصحيح، و هذه الشبكة نهضت بدور مثمر
و ملحوظ في أقاصي بقاع العالم الاسلامي و خاصة في عراق العرب و خراسان لنشر مفاهيم الامامة
.
و نشير هنا الى جانب صغير من هذه المسألة. مسألة التنظيمات السرية في الحياة السياسية
للامام الصادق(ع) و باقي الأئمة من أهم المسائل و اكثرها حساسية، و هي في الوقت نفسه
من أغمض فصول حياتهم و أشدها ابهاما.
و كما ذكرنا لا يمكن أن نتوقع وجود وثائق صريحة في هذا المجال، حيث لا يمكن أن نتوقع
من الامام أو أحد أصحابه أن يعترف صراحة بوجود هذه التظيمات السياسية ـ الفكرية. فهذا
ممما لا يمكن الكشف عنه. الشيء المعقول هو أن الامام ينفي بشدة وجود مثل هذا التنظيم
السري، و هكذا أصحابه و يعتبرون ذلك تهمة و سوء ظن فيما لو تعرضوا لاستجواب جهاز السلطة
. هذه هي خاصية العمل السري، و الباحث في حياةالأئمة ايضا من حقه أن لا يقتنع بوجود مثل
هذا التنظيم دون دليل مقنع. اذن فلا بد أن نبحث عن القرائن و الشواهد والحوادث التي
تبدو بسيطة لا تلفت نظر المطالع العادي، لنبحث عن دلالاتها في هذا المجال، بهذا اللون
من التدقيق في حياة الائمة خلال قرنين و نصف القرن من حياتهم يستطيع الباحث أن يطمئن
إلى وجود مثل هذه التنظيمات التي تعمل تحت قيادة الأئمة.
ما المقصود بالتعظيم؟ ليس المقصود به طبعا حزبا منظما بالمفهوم المعروف اليوم، و لا
يعني وجود كوادر منظمة ذات قيادات اقليمية مرتبطة ارتباطا هرميا، فلم يكن شيء من هذا
موجودا و لا يمكن أن يوجد، المقصود بالتنظيم وجود جماعة بشرية ذات هدف مشترك تقوم بنشاطات
متنوعة تتجهنحو ذلك الهدف و ترتبط بمركز واحد و قلب نابض واحد و دماغ مفكر واحد، و تسود
بين أفرادها روابط عاطفية مشتركة.
هذه الجماعة كانت في زمن علي(ع) (أي خلال السنوات الخمس و العشرين بين وفاة الرسول الاكرم
و بيعته للخلافة) كان يجمعها الايمان بأحقية الامام علي(ع)في الخلافة، و كانت تعلقم
وفاءها الفكري و السياسي للامام، غير أنها كانت تحذو علي(ع) في عدم إثارة ما يزلزل المجتمع
الاسلامي الوليد، كما كانت تنهض بما كان ينهض به الامام علي في تلك السنوات من مهام
رسالية تستهدف صيانة الاسلام و نشره و محاولةالحد من الانحرافات. و اتخذت لولائها هذا
اسم «شيعة علي». و من وجوهههم المشهورة: سلمان و عمار و ابوذر و ابي بن كعب و المقداد
و حذيفة و غيرهم من الصحابة الاجلاء.
و لدينا شواهد تاريخية تثبت أن هؤلاء كانوا يشيعون بين الناس فكرهم بشأن إمامة علي(ع)
بشكل حكيم. و عملهم هذا كان مقدمة لالتفات الناس حول الامام و اقامة الحكم العلوي.
بعد أن استلم الامام علي مقاليد الامور سنة 35 هـ كان حول الامام علي صنفان من الناس
صنف عرف الامام و مكانته و فهم معنى الامامة و آمن بها، و هم شيعته الذين تربوا على
يد الامام بشكل مباشر أو غير مباشر، و عامة الناس الذين عاشوا أجواء تربية الامام و
نهجه و لكنهم لم يكنونوا مرتبطين فكريا و روحيا بالجماعة التي رباها الامام تربية خاصة
.
و لذلك نجد بين اتباع الامام صنفين من الافراد بينهما تفاوت كبير. صنف يضم عمارا و مالكا
الاشتر و حجر بن عدي و سهل بن حنيف و قيس بن سعد و امثالهم، و صنف من مثل ابي موسى الاشعرى
و زياد بن أبيه و نظرائهم.
بعد حادثة صلح الامام الحسن(ع) كانت الخطوة الهامة التي اتخذها الامام نشر فكر مدرسة
اهل البيت و لم شتات الموالين لهذا الفكر، إذا تيحت الفرصة لحركة أوسع بسبب اضطهاد السلطة
الاموية، و هكذا كان دائما، فالاضطهاد يؤدي الى انسجام القوى المضطهدة و تلاحمها و تجذرها
بدل تبعثرها و تشتتها. و اتجهت استراتيجية الامام الحسن(ع) الى تجميع القوى الاصيلة
الموالية،و حفظها من بطش الجهاز الاموي، ونشر الفكر الاسلامي الاصيل في دائرة محدودة
و لكن بشكل عميق، و كسب الافراد الى صفوف الموالين و انتظار الفرصة المؤاتية للثورة
على النظام و تفجير أركان و احلال الحكم العلوي مكانه.. و هذه الاستراتيجية في العمل
هي التى جعلت الامام الحسن امام خيار واحد و هو الصلح.
و من هنا نرى أن جمعا من الشيعة برآسة مسيب بن نجبة و سليمان بن صرد الخزاعي يقدمون
على الامام الحسن بعد حادثة الصلح في المدينة حيث اتخذها الامام قاعدة لعمله الفكري
و السياسي بعد عودته من الكوفة، و يقترحون عليه إعادة قواهم و تنظيماتهم العسكرية و
الاستيلاء على الكوفة و الاشتباك مع جيش الشام، و الامام يستدعي هذين الاثنين من بين
الجمع و يختلي بهما و يحدثهما بحديث لا نعرف فحواه، يخرجان بعد بقناعة تامة بعدم جدى
هذه الخطة و حين يعود الاثنان الى من جاء معهما يفهمانهم باقتضاب أن الثورة المسلحة
مرفوضة و لا بد من العودة الى الكوفة لاستئناف نشاط جديد فيها (19) .
هذه حادثة مهمة لها دلالات كبيرة حدثت ببعض المؤرخين المعاصرين الى اعتبار ذلك المجلس
الحجر الاساس في إقامة التنظيم الشيعي.
و الواقع أن الخطوة الاولى لاقامة التنظيم الشيعي لو كانت حقا قد اتخذت في ذلك البقاء
بين الامام الحسن (ع) و الرجلين القادمين من العراق، فان مثل هذه الخطوة قد أوصى بها
الامام عليه السلام من قبل حين أوصى المقربين من اصحابه بقوله: «لو قد فقدتموني لرأيتم
بعدي أشياء يتمنى أحدكم الموت مما يرى من الجور و العدوان و الأثرة و الاستخفاف بحق
الله و الخوف على نفسه، فاذا كان ذلك:
ـ فاعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا.
ـ و عليكم بالصبر و الصلاة.
ـ و التقية.
و اعلموا أن الله عز و جل يبغض من عباده (التلون) لا تزولوا عن (الحق و اهله) فان من
استبدل بنا هلك، و فاتته الدنيا و خرج منها آثما» (20) .
هذا النص الذي يرسم بوضوح الوضع المأساوي في العصر الاموي، و يوجه المؤمنين الى التلاحم
و التعاضد و التنسيق و الانسجام يعتبر أروع وثيقة من وثائق الجهاز التنظيمي في حركة
آل البيت(ع) و هذا المشروع التنظيمي يتبلور في شكله العملي في اللقاء بين الامام الحسن
(ع) و اثنين من الشيعة الخلص. و مما لا شك فيه أن أتباع أهل البيت لم يكونوا جميعا مطلعين
على هذا المشروع الدقيق. و لعل هذا يبرر ما كان يصدر من بعض صحابة الامام الحسن(ع) من
اعتراض و انتقاد. و كان المعترضون يواجهون قول الامام ما مضمونه: «... من يدري، لعله
اختبار لكم و نفع زائل لاعدائكم...».
و في هذه الاجابة إشارة خفية الى سياسة الامام و تدبيره. (21)
خلال الاعوام العشرين من حكومة معاوية بكل ما احاط فيها البيت العلوي من إعلام مكثف
مضاد بلغ درجة لعن الامام أمير المؤمنين(ع) على منابر المسلمين، و بكل ما شهدتها من
انسحاب الامامين الحسن والحسين(ع) من ساحة النشاط العلني المشهود، لا نرى سببا في انتشار
فكر أهل البيت و اتساع القائدة الشيعية في الحجاز و العراق سوى وجود هذا التنظيم و لنلق
نظرة على الساحة الفكرية في هذه المناطق بعد عشرين عاما من صلح الامام الحسن(ع).
في الكوفة نرى رجال الشيعة من ابرز الوجوه و أشهرها. و في مكة و المدينة بل و في المناطق
النائية نرى أتباع أهل البيت مثل حلقات مترابطة يعرف بعضها ما يلم بالبعض الآخر.
حين يستشهد بعد اعوام أحد رجال الشيعة و هو «حجر بن عدي» ترتفع أصوات الاعتراض في مناطق
عديدة من البلاد الاسلامية رغم الارهاب المفروض على كل مكان، و يبلغ الحزن و الاسى بشخصية
معروفة في خراسان أن يموت كمدا بعد إعلان الاعتراض الغاصب. (22)
و بعد موت معاوية ترد على الامام الحسين(ع) آلاف الرسائل تدعوه أن يأتي الى الكوفة لقيادة
الثورة. و بعد استشهاد الامام يلتحق عشرات الآلاف بمجموعة «التوابين»، أو ينخرطون في
جيش المختار و ابراهيم بن مالك ضد الحكم الاموي.
و من حق الباحث في التاريخ الاسلامي أن يسأل عن العوامل الكامنة وراء شيوع هذا الكفر
و التحرك الموالي لآل البيت(ع) هل يمكن أن يتم دون وجود نشاط مكثف محسوب منظم متحد في
الخطة و الهدف؟!
الجواب: لا طبعا. فالاعلام الهائل الذي وجهته السلطة الاموية عن طريق مئات القضاة و
الولاة و الخطباء لا يمكن احباطه و إفشاله دون إعلام مضاد مخطط مرسوم ينهض به تنظيم
منسجم موحد غير مكشوف. و قبيل وفاة معاوية تزايد نشاط هذا الجهاز العلوي المنظم و تصاعدت
سرعة عمله. حتى إن والي المدينة يكتب الى معاوية ما مضمونه: «اما بعد فان عمر بن عثمان
(عين والي المدينة على الحسين(ع)) اخبرنا بان رجلا من العراق و بعض شخصيات الحجاز يترددون
على الحسين بن علي و تدور بينهم احاديث حول رفع راية التمرد و العصيان... فاكتبوا لنا
ما ذا ترون». (23)
بعد واقعة كربلاء و شهادة الحسين(ع) تضاعف النشاط التنظيمي لشيعة العراق على أثر الصدمة
النفسية التي أصيبوا بها في مقتل الحسين، حيث بوغتوا بهذه الجريمة التي سلبتهم قدرة
الالتحاق بركب الحسين و أهل بيته في كربلاء.
و كان هذا التحرك مؤطرا بالالم و الحسرة و الاسف.
يقول الطبري: فلم يزل القوم في جميع آلة الحرب و الاستعداد للقتال و دعاء الناس في السر
من الشيعة و غيرها الى طلب بدم الحسين فكان يجيبهم القوم بعد القوم و الثغر بعد الثغر،
فلم يزالوا كذلك حتى مات يزيد بن معاوية (24) .
و حقا ما تقوله مؤلفة جهاد الشيعة إذ تعلق على قول الطبري بالقول:
و ظهرت جماعة الشيعة بعد مقتل الحسين كجماعة منظمة، تربطها روابط سياسية و آراء دينية،
لها اجتماعاتها و زعماؤها ثم لها قواتها العسكرية، و كانت جماعة «التوابين» اول مظهر
لذلك كله (25) .
و يبدو من دراسة أحداث التاريخ و رأي المؤرخين في تلك البرهة الزمنية أن الشيعة كانوا
يتولون مسؤولية القيادة و التخطيط، أما القاعدة العريضة الساخطة على بني امية فكانت
أوسع من المجموعة الشيعية المنظمة، و كانت هذه القاعدة تنضم الى كل حركة ذات صبغة شيعية
.
من هنا فان المتحركين ضد بني امية، و إن رفعوا شعارات شيعية، لا ينبغي أن نتصورهم جميعا
بأنهم في عداد الشيعة أي في عداد الجهاز التنظيمي لائمة أهل البيت.
إنطلاقا مما سبق أود التأكيد على أن اسم الشيعة بعد شهادة الامام الحسين(ع) عليه السلام
أطلق فقط على المجموعة التي كانت لها علاقة وثيقة بالامام الحق تماما كما كان الحال
في زمن امير المؤمنين(ع).
هذه المجموعة هي التي عمدت بعد صلح الامام الحسن الى تأسيس التنظيم الشيعي بأمر الامام،
و هي التي نشطت في كسب الافراد الى التنظيم و دفع أفراد اكثر، لم يرتفعوا في الفكر و
النضج العملي الى مستوى الانخراط في التنظيم، نحو التيار العام للحركة الشيعية.
و الرواية التي اوردناها عن الامام الصادق(ع) في بداية هذا الحديث و التي تذكر أن عدد
المؤمنين بعد حادثة عاشوراء لم يتجاوز الثلاثة أو الخمسة إنما تقصد أفراد هذه المجموعة
الخاصة... أي هؤلاء الذين كان لهم الدور الرائد الواعي في مسيرة حركة التكامل الثورية
العلوية.
و على اثر النشاط المتستر الهادىء الذي قام به الامام السجاد(ع) توسعت قاعدة هذه المجموعة،
و الى هذا يشير الامام الصادق في الرواية المذكورة: «ثم لحق الناس و كثروا» و سنرى أن
عصر الامام السجاد و الامام الباقر و الامام الصادق(ع) شهد تحرك هذا الجمع تحركا اثار
الرعب و الفزع في قلوب الحكام الظالمين، و دفع هؤلاء الحكام الى ردود فعل قاسية.
و بعبارة موجزة فان اسم الشيعة في القرنين الاول و الثاني الهجريين و في زمن الائمة
عليهم السلام ما كان يطلق على عامة محبي اهل البيت(ع) أو المؤمنين فقط بحقهم و بصدق
دعوتهم من دون اشتراك في مسيرتهم الحركية. بل إن الشيعة كانوا يتميزون بشرط أساسي و
حتمي و هو عبارة عن الارتباط الفكري و العملي بالامام و الاشتراك في النشاط الفكري و
السياسي، بل و العسكري الذي يقوده لإعادة الحق الى نصابه و اقامة النظام العلوي الاسلامي
. هذا الارتباط هو نفسه الذي يطلق عليه قاموس التشيع اسم «الولاية».
جماعة الشيعة كانت تطلق في الواقع على أعضاء حزب الامامة. هذا الحزب كان يتحرك بقيادة
الامام، و كان يتخذ من الاستتار و التقية خندقا له مثل كل الاحزاب و التنظيمات المضطهدة
التي تعيش في جو الارهاب هذه خلاصة النظرة الواقعية لحياة الأئمة، و خاصة الامام الصادق
(ع) و كما ذكرنا من قبل لا يمكن أن يكون لمثل هذه المسألة دلائل صريحة، إذ لا يمكن أن
نتوقع من بيت سري أن يحمل لافتة تقول: «هذا بيت سري»! و كذلك لا يمكن أن نطمئن الى النتيجة
دون قرائن حاسمة.
من هنا ينبغي أن نتتبع القرائن و الشواهد و الاشارات.
من العبارات العميقة التي تلفت نظر الباحث المدقق في الروايات المرتبطة بحياة الائمة،
أو في كلام مؤلفي القرون الاسلامية الاولى، عبارة «باب» و «وكيل» و «صاحب السر» و هي
عبارات تطلق على بعض اصحاب الائمة. ابن شهرآشوب المحدث الشيعي الشهير مثلا يقول فيسيرة
الامام السجاد(ع): «و كان بابه يحيى بن ام الطويل» و في سيرة الامام الباقر(ع): «و كان
بابه جابر بن يزيد الجعفي»، و في ترجمة الامام الصادق(ع) يقول: ( كان بابه محمد بن سنان»
. و في «رجال الكشي» ترد حلو زرارة و بريد و محمد بن مسلم و ابى بصير عبارة: «مستودع
سري» و في كتب الحديث تروى عن الامام الصادق(ع) عبارة «وكيل» بشأن المعلي بن خنيس. و
كل واحد من هذه التعبيرات، إن لم تكن صادرة عن الامام، فانها دون شك حصيلة دراسة موسعة
في حياة الائمة نهض بها المؤلفون الشيعة القدامى، و اختيار هذه التعبيرات على أي حال
ينطلق من معالم بارزة في حياة أئمة اهل البيت(ع).
و لو تأملنا في هذه التعبيرات لألفينا أن كل واحد منها يدل على وجود جهاز فعال مستتر
وراء النشاط الظاهري للائمة.
مستودع السر
إذا لم يكنت لأحد «سر» فليس له مستودع سر فما هو هذا السر في حياة الائمة(ع) ما هذا
الذي لا يتحمله أصحاب الائمة عامة، بل ثمة نفر معدود له لياقة و صلاحية تحمله، و بذلك
نال شرف اسم «مستودع السر»؟!
و لقد راحت الذهنية المتأخرة البعيدة عن واقع الاحداث و تمحيصها تفسر هذا السر بانه
«سر الامامة» كما راحت تفسر سر الامامة بأنه الاسرار الغيبة والقدرة على الخوارق و المعاجز
.
أنا أؤمن بقدرة هذه الصفوة المقدسة من أهل البيت الذين اختارهم الله لمواصلة مهمة حمل
الرسالة و تبليغها بعد رسول الله أن يحملوا مثل هذه القدرة و مثل هذه العلوم. كما أؤمن
بأن تحليهم بهذه القوى و العلوم لا يتنافى أصلا مع نظرة الاسلام الى الانسان و النواميس
الطبيعية و سنن الكون. و لكن هذه القوى و العلوم ليست هي «سر الامام» فمثل هذه القوى
و العلوم أوضح دليل على الامامة و على صدق دعوى الامام. لماذا يكتم الامام هذه الامور
و يوصي اصحابه بكتمانها فى روايات كثيرة تضافرت حتى أصبحت الكتب الحديثية الشيعية تتضمن
بابا يحمل عنوان: «باب الكتمان؟»
(26) لا بد أن يكون هذا السر مما لو شاع لشكل خطرا كبيرا على الامام و أصحابه، و هذا شيء
غير الغيبيات و الخوارق.
هل السر هو معارف أهل البيت؟ هل هو رؤية مدرسة أهل البيت للاسلام و فقهه و أحكامه؟ لا
ننكر أن معارف مدرسة أهل البيت كانت تنشر في عصر الاضطهاد الاموي و العباسي وفق منهج
الحكمة و التدبير لكي لا يخوض فيها كل من هب و دب. و لكن هذه المعارف لا يمكن أن تكون
هي سر الامام فمع كل ما أحاط بهذه المعارف من اختصاص كانت تدرس في مئات الحوزات الفقهية
و الحديثية في عدد من كبريات مدن الصقع الاسلامي آنذاك كان الشيعة يتناقلون هذه المعارف
و يشرحونها و يتداولونها. بعبارة اخرى كانت هذه المعارف خاصة لا سرية.
و اختصاصها عينى أن رواجها كان محدودا بالدائرة الشيعية، لكنها كانت تصل الى غير الشيعة
أيضا في ظروف خاصة. لم تكن ابدا محدودة بأفراد معدودين من أصحاب الأئمة و خافية على
غيرهم.
الحق أن الاسرار هي ما يتعلق بالمعلومات المرتبطة بالجهاز التنظيمي للامام. بالجهاز
الذي يخوض معتركا سياسى باتجاه هدف ثوري.. بالتكيتك الذي ينتهج الجهاز... بالعمليات
التى يتفذها... باسماء و مهام اعضاء الجهاز... بمصادر التمويل... بالاخبار و التقارير
المتعلقة بالاحداث الهامة... هذه و أمثالها من الاسرار التي لا يجوز أن يطلع عليها سوى
القائد و الكوادر المسؤولية. ربما تحين الظروف المناسبة عاجلا أم آجلا لاعلان هذه الاسرار
و كشفها، و لكن قبل أن تحين تلك الظروف لا يمكن أن يطلع على هذه الاسرار سوى من يرتبط
عمله مباشرة بها و هو «مستودع السر». و كل تسريب لهذه المعلومات الى أوساط الشيعة فانه
يفتح ثغرة تسربها الى الاعداء و هو خطأ كبيرا لا يغتفر. خطأ قد يؤدى الى انهدام الجهود
و الاعمال و المجموعة المنتظمة. و من هنا نفهم ما يعنيه الامام إذ يقول: «ليس الناصب
لنا حربا بأعظم مؤنة علينا من المذيع سرنا. فمن اذاع سرنا الى غير اهله لم يفارق الدنيا
حتى يعضه السلاح». (27)
الباب و الوكيل
في الارتباطات السرية بين الامام و الشيعة قد يتطلب الامر ايصال بعض المعلومات الى الشيعة
عن طريق «واسطة» و هذا تدبير معقول و طبيعي، العيون المتلصصة على كشف ارتباطات الامام
(ع) تترصد التقاءاته بأتباعه في موسم الحج في مكة و المدينة حين تؤمها القوافل من أقاصي
العالم. و قد يؤدي رصد هذه اللقاءات الى اكتشاف خيوط الجهاز المركزي لتنظيم الامام.
لذلك نرى أن الامام كان يبعد عنه بعض الافراد بلهجة لينة أحيانا و معاتبة تارة اخرى،
يقول لسفيان الثوري مثلا «أنت رجل مطلوب و للسلطان علينا عيون فاخرج عنا غير مطرود» (28) .
و يترحم الامام على شخص صادفه في الطريق و أعرض بوجهه عنه، و يذم شخصا آخر رآه في ظروف
مشابهة فسلم عليه باحترام و اجلال» (29) .
مثل ذهذه الظروف تستلزم وجود فرد يكون واسطة بين الامام و بين من يحتاج الى معلومات
تصل اليه من الامام. و هذا الواسطة هو «الباب» و يجب أن يكون من أخلص أتباع الامام،
و أقربهم اليه، و أغناهم بالمعلومات و الخطط. يجب أن يكون مثل «نحلة» إذا عرفت الحشرات
المضرة ما تحمله من عسل قطعتها و أغارت على شهدها
(30) . و ليس صدفة أن نرى تعرض هؤلاء «ابواب» غالبا للمطارة و أقسى ألوان البطش و التنكيل
.
إن يحيى بن ام الطويل «باب» الامام السجاد(ع) يقتل بشكل شنيع (30) و جابر بن يزيد الجعفي باب الامام الباقر(ع) يتظاهرون بالجنون و يشيع عنه ذلك فينجيه
من القتل الذي صدر الامر به من الخليفة قبل أيام من اشتهار جنونه. محمد بن سنان، باب
الامام الصادق (ع)، يتعرض لطرد ظاهري من الامام رغم أن الامام أبدى رضاه عنه في مواضع
أاخرى و أنثى عليه و ما ذلك إلا لتعرض محمد بن سنان لمثل هذه الاخطار، إعلان الامام
براءته من لااو و معلاوغ مسهولا حظي باعلان رضا الامام مرارا يعود على الاقوى الى تكتيك
تنظيمي.
.مثل هذا المصير يواجهه «الوكيل» أيضا، مسؤول جمع الأموال المرتبطة بالامام و توزيعها
يملك أيضا كثيرا من الاسرار و أقلها اسماء الدافعين و القابضين. و ليست هذه المعلومات
بالتي يستهين بها أعداء الامام. و أفضل دليل على ذلك مصير المعلى بن خنيس وكيل الامام
الصادق في المدينة، و تعبيرات الامام القائمة على أساس التقية بشأن المفضل بن عمر وكيل
الامام في الكوفة.
هذه العناوين الثلاثة (الباب، الوكيل، صاحب السر) التي نجد مصاديقها في وجوه بارزة من
رجال الشيعة تلقي ظلالا على واقع الشيعة و ارتباطهم بالامام والحركة التنظيمية الشيعية
.
يمكننا بهذه النظرة أن نفهم الشيعة بأنهم مجموعة من العناصر المنسجمة الهادفة النشطة
المتمركزة حول محور مقدس يشع بتعاليمه و اوامره على القاعدة و القاعدة ترتبط به و تنقل
اليه المعلومات و تضبط مشاعرها و تسيطر على عواطفها بتوصياته الحكيمة، و تلتزم التزاما
دينيا بأساليب العمل السري مثل حفظ الاسرار، و قلة الكلام، و الابتعاد عن الاضواء و
التعاون الجماعي و الزهد الثوري.
الهوامش:
1) راجع تفاصيل ادلة هذه المسألة في مظانها.
2) اصول الكافى 1: .200
3) نفس المصدر «عبارات متفرقة مختارة من النص».
4) جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد(ص) (... و لقد حملت على مثل حمولته...» و كذلك
يجرى الأئمة الهدى واحدا بعد واحد... الكافى 1: .196
5) الكافى 1: 187، ح 7 و 12: 189، ح .16
6) في العقود الاخيرة صدرت عن المستشرقين و العلماء المسلمين الشيعة و السنة كتابات
تصور الدور السلبي للأئمة تجاه مسألة الحكم، او الدور المحايد، او المداهن بل الدور
البعيد كل البعد عن السياسة. راجع مثلا: نظرية الامامة لدى الشيعة، و التشيع و التصوف
و التصوف، و الامام الصادق والمذاهب الاربعة، و العباسيون الاوائل.
7) الغدير 2: 187 ـ .212
8) بحار الانوار 47: 58، ح 107 باب: .4
9) بحار الانوار 23: 199، ح 32، كذلك راجع الرواية 20 من نفس المصدر.
10) الكافى 1: .186
11) بحار الانوار 47: 72 عن بصائر الدرجات 5: .66
12) دكتر فاروق عمر، العباسيون الاوائل: .104
13) الشاعر محمد بن يحيى بن ابىمرة التغلبي.
14) تاريخ الطبري 6: .195
15) الكافي 1: 186، ح .3
16) القرآن الكريم يدين ايضا باساليب متعددة هذا اللون من الاتباع المؤدي الى الضلال،
و يرد كل عذر يتوسل به التابعون في انحرافهم. راجع سورة البقرة: 167، الشعراء: 91 ـ
102 سبأ: 31 ـ 33، النساء .97
17) الكافى 1: .238
18) المناقب، ابن شهرآشوب 4: 238، ط: بيروت.
19) نفس المعنى جاء في كتاب الشيخ راضي آل ياسين صلح الحسن(ع): 31 ـ 32 ط: بيروت.
20) تحف العقول: 115، ط .2
21) هذا الوضع يمكن مقارنته و تشبيهه الى حد ما بوضع المجتمعات المعاصرة التي تحكمها
الانظمة الحزبية.
22) مات الربيع بن زياد الحارثي غما لمقتل حجر، و ذكر لذلك ابن الاثير في الكامل: 3
: 195، و كان سبب موته سخط قتل حجر بن عدي... و ذكر ذلك في الاستيعاب و اسد الغابة و
الدرجات الرفيعة و غيرها، صلح الحسن (ع): .338
23) ثورة الحسين(ع): 118، نقلا عن اعيان الشيعة و الاخبار الطوال.
24) الطبري 7: 46، نقلا عن د. سميرة مختار الليثى، جهاد الشيعة: .28
25) د. سميرة الليثى، جهاد الشيعة: .27
26) رجال الكشي: 380 ط مصطفوى.
27) رجال الكشى: 380 ط مصطفوى.
28) مناقب ابن شهرآشوب 4: .248
29) الكافي 2: .219
30) هذا التفسير مقتبس من أحد نصوص الامام عليه السلام.
31) قطعت رجله و هو حي ثم قتل للتعرف على هذه الشخصية الكبيرة راجع: رجال الكشى و سائر
كتب الرجال.
قيادة الإمام الصادق عليه السلام ص 67
تأليف: آية الله السيد علي الخامنئي
|