المعنى :

( هو الذي اشتدت نقمته على أعدائه في سعة رحمته ، و اتسعت رحمته لأوليائه في شدة نقمته ) . و نلتمس تفسير هذه الرحمة و النقمة منه تعالى ، نلتمسه بهذا المثال : من البداهة ان الشمس و ضياءها رحمة من اللّه سبحانه ، و كذلك الهواء و الغيث و الخصب لما فيه من الفوائد و المنافع التي تشمل و تعم البرّ و الفاجر ، و المؤمن و الكافر ، و معنى هذا ان اللّه ، جلت حكمته ، يرحم في الدنيا أعداءه ، و هو كاره لهم و ناقم عليهم ، و أيضا يرسل سبحانه الطوفان و العواصف و الزلازل ، و هي غضب منه و نقمة لما فيها من شرور و مضار تعم كل من يصادفها صالحا كان أم طالحا ، و تجتاح كل ما يعترض طريقها ، سواء أكان قصرا لجبار أم كوخا لأيتام ،

و معنى هذا ان نقمته في الدنيا قد تنزل بالأولياء و الأتقياء ، و هو محب لهم و راض عنهم . . و الى هذا تومى‏ء الآية 25 من سورة الأنفال : و اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة .

و من طريف ما قرأت في هذا الباب قول لفيلسوف معاصر : ان المؤمن يشكر اللّه على نعمة أنعمها عليه مع ان هذا الشكر و قاحة و أنانية ، إذ يعني بهذا الشكر ان اللّه لا يحب المحرومين من هذه النعمة . و نحن مع هذا الفيلسوف إن كان الدافع للمؤمن هو اختصاصه بالنعمة ، و حرمان الآخرين منها . . و سمع رسول اللّه ( ص ) رجلا يقول : اللهم ارحم محمدا و ارحمني معه ، و لا ترحم أحدا غيرنا . فقال له : يا هذا ضيقت واسعا .

( قاهر من عازه ) . للّه العزة وحده ، و لا شي‏ء منها لمخلوق إلا بدين اللّه و طاعته ، و من انتحلها فهو من الأخسرين تماما كما خسر فرعون من قبل ، و هتلر من بعد ( و مدمر من شاقه ) خالفه ( و مذل من ناواه ) عاداه ( و غالب من عاداه ) عطف تفسير ( و من توكل عليه كفاه ، و من سأله أعطاه ) . و التوكل أن تعمل معتقدا ان وراءك قوة خفية تراك و تسمع نجواك ، و تقدر و تدبر كل ما يقع في الكون من دقيق الحوادث و جليلها ، أما سؤاله سبحانه فمفتاحه العمل و إلا ذهب السؤال و الدعاء مع الريح ، فبالعمل يقاس النوال و إجابة السؤال منه ،

عظمت كلمته ، لا بالدعوات و الشعارات . . و الشاهد المحسوس تأخر الشرقيين مع حرصهم على الشعارات دون العمل ، و تقدم الغربيين بسبب مصانعهم و حساباتهم و معادلاتهم العلمية الدقيقة .

[ 457 ]

( و من أقرضه قضاه ) . يشير بهذا الى قوله تعالى : ان تقرضوا اللّه قرضاً حسناً يضاعفه لكم 17 التغابن . و خير تفسير لهذه الآية قول الإمام :

استقرضكم ، و له خزائن جنود السموات و الأرض ، و هو الغني الحميد ، و إنما أراد أن يبلوكم أيكم أحسن عملا ( و من شكر جزاه ) . ليس المراد بالشكر ترداد الكلمات ، بل الطاعة و العمل النافع وفاء لفضله تعالى ( زنوا أنفسكم من قبل أن توزنوا الى عنف السياق ) الجمل عطف على « زنوا » و هي للبيان و التفسير ،

و المعنى انظروا الى أنفسكم : هل أدت الواجبات ، و تركت المحرمات ، أو أهملت و قصرت ، فإن تكن الأولى فهي المطلوب ، و ان تكن الثانية فاستدركوا بالتوبة و طلب المغفرة قبل الحساب و الجزاء .

( و اعلموا انه من لم يعن على نفسه الخ . . ) المراد بالنفس هنا الأمّارة ،

و بالاعانة عليها أن يغلبها هو على الحق ، و لا تغلبه هي على الباطل ، و ان لا يعطيها فضائل ليست فيها ، أما الواعظ الزاجر من داخل النفس فالمراد به العقل السليم أو الضمير الحي أو الوجدان اليقظ . . مهما شئت فعبّر ، و العقل السليم هو الذي يدرك النتائج و العواقب على حقيقتها ، و يعرف الحوادث قبل وقوعها مستندا في ذلك الى ما شاهد و رأى .