متن خطبه صد و يازده

أمّا بعد فإنّي أحذّركم الدّنيا 2 فإنّها حلوة خضرة 3 حفّت بالشّهوات 4 و تحبّبت بالعاجلة 5 و راقت بالقليل 6 و تحلّت بالآمال 7 و تزيّنت بالغرور 8 . لا تدوم حبرتها 9 و لا تؤمن فجعتها 10 . غرّارة ضرّارة 11 حائلة زائلة 12 نافدة بائدة 13 أكّالة غوّالة 14 . لا تعدو إذا تناهت إلى أمنية أهل الرّغبة فيها و الرّضاء بها 15 أن تكون كما قال اللَّه تعالى سبحانه 16 : « كماء أنزلناه من السّماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما 17 تذروه الرّياح 18 و كان اللَّه على كلّ شي‏ء مقتدراً » 19 . لم يكن امروء منها في حبرة إلاّ أعقبته بعدها عبرة 20 ، و لم يلق في سرّائها بطنا 21 إلاّ منحته من ضرّائها ظهرا 22

[ 241 ]

و لم تطلّه فيها ديمة رخاء 23 إلاّ هتنت عليه مزنة بلاء 24 و حريّ إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكّرة 25 و إن جانب منها اعذوذب و احلولى أمرّ منها جانب فأوبى 26 لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا 27 إلاّ أرهقته من نوائبها تعبا 28 و لا يمسي منها في جناح أمن 29 إلاّ أصبح على قوادم خوف 30 غرّارة ،

غرور ما فيها 31 فانية ، فان من عليها 32 لا خير في شي‏ء من أزوادها إلاّ التّقوى‏ 33 . من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه 34 و من استكثر منها استكثر ممّا يوبقه 35 و زال عمّا قليل عنه 36 . كم من واثق بها قد فجعته 37 و ذي طمأنينة إليها قد صرعته 38 و ذي أُبّهة قد جعلته حقيرا 39 و ذي نخوة قد ردّته ذليلا 40 سلطانها دوّل 41 و عيشها رنق 42 و عذبها أجاج 43 و حلوها صبر 44 و غذاؤها سمام 45 و أسبابها رمام 46 حيّها بعرض موت 47 و صحيحها بعرض سقم 48 ملكها مسلوب 49 و عزيزها مغلوب 50 و موفورها منكوب 51 و جارها محروب 52 أ لستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا 53 و أبقى آثارا 54 و أبعد آمالا 55 و أعدّ عديدا 56 و أكثف جنودا 57 تعبّدوا للدّنيا أيّ تعبّد 58 و آثروها أيّ إيثار 59 ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلّغ 60 و لا ظهر قاطع 61 . فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية 62 أو أعانتهم بمعونة 63 أو أحسنت لهم

[ 242 ]

صحبة 64 بل أرهقتهم بالقوادح 65 ، و أوهقتهم بالقوارع 66 و ضعضعتهم بالنّوائب 67 و عفّرتهم للمناخر 68 و وطئتهم بالمناسم 69 و أعانت عليهم « ريب المنون » 70 . فقد رأيتم تنكّرها لمن دان لها 71 و آثرها و أخلد إليها 72 حين ظعنوا عنها لفراق الأبد 73 . و هل زوّدتهم إلاّ السّغب 74 أو أحلّتهم إلاّ الضّنك 75 أو نوّرت لهم إلاّ الظّلمة 76 أو أعقبتهم إلاّ النّدامة 77 أفهذه تؤثرون أم إليها تطمئنّون 78 أم عليها تحرصون 79 ؟ فبئست الدّار لمن لم يتّهمها 80 ، و لم يكن فيها على وجل منها 81 فاعلموا و أنتم تعلمون 82 بأنّكم تاركوها و ظاعنون عنها 83 و اتّعظوا فيها بالّذين قالوا : « من أشدّ منّا قوّة » : 84 : حملوا إلى قبُورهم فلا يدعون ركبانا 85 و أنزلوا الأجداث 86 فلا يدعون ضيفانا 87 و جعل لهم من الصّفيح أجنان 88 و من التّراب أكفان 89 و من الرّفات جيران 90 فهم جيرة لا يجيبون داعيا 91 و لا يمنعون ضيما 92 و لا يبالون مندبة 93 . إن جيدوا لم يفرحوا 94 و إن قحطوا لم يقنطوا 95 . جميع و هم آحاد 96 و جيرة و هم أبعاد . 97 . متدانون لا يتزاورون 98 و قريبون لا يتقاربون 99 . حلماء قد ذهبت أضغانهم 100 و جهلاء قد ماتت أحقادهم 101 . لا يخشى فجعهم 102 و لا يرجى دفعهم 103 استبدلوا بظهر الأرض بطنا 104 و بالسّعة ضيقا 105 و بالأهل غربة 106 و بالنّور ظلمة 107 فجاؤوها كما فارقوها 108 حفاة عراة 109

[ 243 ]

قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة و الدّار الباقية 110 كما قال سبحانه و تعالى : « كما بدأنا أوّل خلق نعيده ، وعدا علينا ، إنّا كنّا فاعلين » 111 .

[ 244 ]