التذكير بضروب النعم

و منها : جعل لكم أسماعا لتعي ما عناها 127 ، و أبصارا لتجلو عن عشاها 128 ، و أشلاء جامعة لأعضائها 129 ، ملائمة لأحنائها ،

في تركيب صورها ، و مدد عمرها 130 ، بأبدان قائمة بأرفاقها 131 ، و قلوب رائدة لأرزاقها 132 ، في مجلّلات نعمه 133 ، و موجبات مننه 134 ،

و حواجز عافيته 135 . و قدّر لكم أعمارا سترها عنكم 136 ، و خلّف لكم عبرا من آثار الماضين قبلكم 137 ، من مستمتع خلاقهم 138 ، و مستفسح خناقهم 139 . أرهقتهم المنايا دون الآمال 140 ، و شذّ بهم عنها تخرّم الآجال 141 ، لم يمهدوا في سلامة الأبدان 142 ، و لم يعتبروا في أنف الأوان 143 . فهل ينتظر أهل بضاضة الشّباب إلاّ حواني الهرم 144 ؟ و أهل غضارة الصّحّة إلاّ نوارل السّقم 145 ؟ و أهل مدّة البقاء إلاّ آونة الفناء 146 ؟ مع قرب الزّيال 147 ، و أزوف الانتقال 148 ، و علز القلق 149 ، و ألم المضض 150 ، و غصص الجرض 151 ، و تلفّت

[ 39 ]

الاستغاثة بنصرة الحفدة و الأقرباء ، و الأعزّة و القرناء 152 فهل دفعت الأقارب 153 ، أو نفعت النّواحب 154 ، و قد غودر في محلّة الأموات رهينا 155 ، و في ضيق المضجع وحيدا 156 ، قد هتكت الهوامّ جلدته 157 ،

و أبلت النّواهك جدّته 158 ، و عفت العواصف آثاره 159 ، و محا الحدثان معالمه 160 ، و صارت الأجساد شحبة بعد بضّتها 161 ،

و العظام نخرة بعد قوّتها 162 ، و الأرواح مرتهنة بثقل أعبائها 163 ،

موقنة بغيب أنبائها 164 ، لا تستزاد من صالح عملها 165 ، و لا تستعتب من سيّى‏ء زللها 166 أو لستم أبناء القوم و الآباء ، و إخوانهم و الأقرباء 167 ؟ تحتذون أمثلتهم 168 ، و تركبون قدّتهم 169 ، و تطؤون جادّتهم 170 ؟ فالقلوب قاسية عن حظّها 171 ، لاهية عن رشدها 172 ، سالكة في غير مضمارها 173 كأنّ المعنيّ سواها 174 ، و كأنّ الرّشد في إحراز دنياها 175 .