الصفحة الاولى > علي عليه السلام في القرآن و السنة > أهل‏البيت عليهم السلام في القرآن الكريم‏
آية التطهير (7)

آية التطهير (7)

أسئلة و أجوبة حول ارادة الله تعالى في الآية

ان القرائن الداخلية في نفس الآية تدل بوضوح على أن الإرادة الواردة في الآية إرادة تكوينية تعلقت بطهارة أهل البيت و إذهاب الرجس عنهم،و يكون وزان الإرادة فيها و زان الإرادة الواردة في الآيات التالية و نظائرها:

1.و نريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين (1) .

2.و يريد الله أن يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين (2) .

3.و من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي و لهم في الآخرة عذاب عظيم (3) .

و عند ذلك تطرح في المقام أسئلة لا بد من الإجابة عليها:

السؤال الأول:هل الإرادة التشريعية تتعلق بفعل الغير؟

هل يصح تعريف الإرادة التشريعية بالإرادة المتعلقة بفعل الغير،كتكليفه سبحانه عباده بالصلاة و الزكاة،و تكليف الآمر البشري غيره بالسقي و الرعي؟و إذا كانت الإرادة التشريعية عبارة عما ذكر،فتكون الإرادة التكوينية عبارة عن تعلقها بفعل نفس المريد كتعلق إرادته سبحانه بخلق السماوات و الأرض،و إرادة غيره بالأكل و الشرب؟

الجواب:ان تعريف الإرادة التكوينية بما ذكر و إن كان صحيحا،لكن‏تعريف التشريعية منها بتعلقها بفعل الغير غير صحيح قطعا،و ذلك لأن الإرادة لا تتعلق إلا بأمر اختياري و هو فعل المريد،و أما فعل الشخص الآخر،فهو بما انه خارج عن اختيار المريد،لا تتعلق به إرادته،و كيف يصح لشخص أن يريد صدور فعل من الغير مع أن صدوره منه تابع لإرادة ذلك الغير و ليس تابعا لإرادة المريد الآخر؟

و إن شئت قلت:إن زمام فعل الفاعل المختار بيد الفاعل المباشر،فلو أراده لقام به.و لو لم يرده لما قام به و ليس زمامه بيد الآمر،حتى يريده منه جدا و لا تصيره إرادة الآمر مسلوب الاختيار و لا تجعله مضطرا مقهورا مسخرا في مقابل إرادة الآمر،لأن المفروض ان الفاعل بعد،فاعل مختار،و من هذا شأنه لا تتعلق بفعله،إرادة الغير الجدية،لأن معنى تعلقها بفعل الغير أنه في اختيار المريد و متناوله،و يوجد بإرادته و ينتفي بانتفائه،مع أنه ليس كذلك و إنما يوجد بإرادة الفاعل المباشر و ينتفي بانتفاء إرادته،و لا ملازمة بين إرادة الآمر و إرادة المأمور و لأجل ذلك كثيرا ما يعصى و يخالف.

و في الجملة:ليست ماهية الإرادة التشريعية أمرا يخالف ماهية الإرادة التكوينية،بل الكل من واد واحد تختلفان في الاسم و تتحدان في الماهية،و الجميع يتعلق بفعل نفس المريد،غير ان المراد فيهما مختلف حسب الاعتبار،و هو في التكوينية،عبارة عن الفعل الخارجي الصادر عنه مباشرة،كالتكوين و التصنيع،سواء كان المريد هو الله سبحانه أم أحد عباده القادرين على الأفعال الخارجية باقداره،و لكنه في التشريعية عبارة عن نفس الطلب و الإنشاء بالإيماء و الإشارة و اللفظ و الكتابة،و هو أيضا فعل المريد الواقع في اختياره،و أما قيام الغير بالمطلوب فهو من غايات إرادة المريد و مقاصده و أغراضه،و هي تترتب تارة،و تنفك أخرى،فلو تكونت في نفسه مبادئ الخوف و الرجال لقام به و إلا فلا يقوم به و لا تتحقق الغاية لكن تتم عليه الحجة.

و على ذلك فما اشتهر على الألسن من أن الإرادة التشريعية عبارة عن تعلق إرادة الآمر بفعل الغير تسامح في التعبير و من باب إقامة الغاية مكان ذيها.

و الذي يوضح ذلك:ان إرادته سبحانه لا تنفك عن مراده،و من المستحيل أن يخاطب شيئا ب«كن»و لا يتحقق،و لسعة قدرته و عموميتها،قال سبحانه:إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (4) ،فلو تعلقت إرادته بفعل العباد كالصلاة و الصوم لما انفك عنهم و لو تعلقت على إيمانهم و هدايتهم،لما وجد على أديم الأرض عاص و متمرد،قال سبحانه:و لو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين (5) ،و تكون نتيجة ذلك كونهم مجبورين في قبول الهداية،و مضطرين إلى الطاعة،فلا يقام لمثلها وزن و لا قيمة،و هذا يعرب بوضوح عن أن متعلق إرادته في مجال التشريع هو فعل نفس المشرع و هو التشريع،و هو بعد غير منفك عن إرادته،موجود معها.

السؤال الثاني:هل الإرادة التكوينية توجب سلب الاختيار؟

لو كانت الإرادة في المقام إرادة تكوينية فبما ان إرادته سبحانه لا تتخلف عن المراد فلازمها هنا كون طهارتهم و ابتعادهم عن الرجس أمرا جبريا لا يتخلف،و هذا لا يعد فضيلة و ثناء لأهل البيت مع أن الآية بصدد الثناء عليهم.

و قد أجاب عنه المحققون على وجه الإجمال و قالوا:إن القدرة و التمكن من فعل المعصية ثابت للمعصوم،و العصمة مانع شرعي،و لا منافاة بين عدم القدرة الشرعية و القدرة الذاتية،و هذا الجواب بإجماله كاف لأهل التحقيق و لكن يحتاج‏إلى إيضاح،فنقول:

إن مشكلة الجبر تنحل بالتعرف على كيفية تعلق إرادته سبحانه بأفعال العباد،و الإمعان في هذا الموضوع يكفي لحل بعض المشاكل المطروحة في مسألة الجبر و الاختيار.

و بعبارة أخرى:هل تعلقت إرادته سبحانه بصدور أفعال العباد عنهم باختيارهم و إرادتهم،أم تعلقت بصدورها منهم مطلقا و إن لم تكن مسبوقة باختيارهم و إرادتهم،فالجبر لازم القول الثاني،و الاختيار نتيجة القول الأول،و الحق هو القول الأول فنقول في توضيحه:

إن لازم التوحيد في الفاعلية و الخالقيةـ كما هو منصوص الآيات و مقتضى البراهينـ هو ان كل ما يقع في صفحة الوجود سواء كان فعلا للعباد أم لغيرهم لا يخرج عن إطار الإرادة التكوينية لله سبحانه،و لا يقع شي‏ء في الكون إلا بإرادته و إذنه سبحانه،قال تعالى:ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله (6) ،و هذه الآية و غيرها تدل بصراحة على أن أفعال العباد حلالها و حرامها غير خارجة عن إطار الإرادة التكوينية لله و إلا لزم أن يكون الإنسان أو الفواعل الأخر مستقلة في الفعل و التأثير،و هو يستلزم الاستقلال في الذات،و هو عين الشرك و نفي التوحيد في الأفعال و الخالقية.

و مع ذلك فليس العباد مجبورين في أفعالهم و تصرفاتهم،لأن إرادته سبحانه و إن تعلقت بأفعالهم لكن إرادته سبحانه متعلقة بأفعالهم بتوسط إرادتهم الخاصة و في طول مشيئتهم،و بذلك صح أن يقال لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين.و على ذلك فالله سبحانه و إن أراد طهارتهم عن الذنوب بالإرادة التكوينية و لكن تلك الإرادة تعلقت بها،لما علم سبحانه انهم بما زودوا من إمكانات ذاتية و مواهب مكتسبة نتيجة تربيتهم وفق مبادئ الإسلام،لا يريدون إلا ما شرع لهم سبحانه من أحكام،فهم لا يشاءون إلا ما يشاء الله،و عند ذلك صح له سبحانه أن يخبر بأنه أراد تكوينا إذهاب الرجس عنهم،لأنهم عليهم السلام ما داموا لا يريدون لأنفسهم إلا الجري على وفق الشرع لا يفاض عليهم إلا هذا النوع من الوصف.

و حصيلة الكلام:ان مبنى الإشكال هو الغفلة عن كيفية تعلق إرادته سبحانه بأفعال العباد حيث توهم المستشكل:

أولا:ان أفعال العباد خارجة عن إطار الإرادة التكوينية لله سبحانه،و غفل عن أن هذا النوع من الاعتقاد يساوق الشرك و يصادم التوحيد.

و ثانيا:ان سبق الإرادة التكوينية على أفعال العباد يستلزم سلب الاختيار عنهم،و غفل عن أن إرادته سبحانه انما تتعلق بتوسط إرادة العباد و اختيارهم،فهم إذا أرادوا لأنفسهم شيئا،فالله سبحانه يريد ذلك الشي‏ء لهم تكوينا،و ليس في ذلك أية رائحة للجبر،بل هو الأمر بين الأمرين.

و عندئذ يكون المراد من تطهيرهمـ بعد تجهيزهم بإدراك الحق في الاعتقاد و العمل،و إعطائهم البصيرة الكاملة لمعرفة الحق في مجال الاعتقاد و العملـ تعلق إرادته التكوينية بطهارتهم من الذنوب،لأجل تعلق إرادتهم بذلك،فقد تعلقت إرادته سبحانه بتنزيههم عن طريق إرادتهم و اختيارهم،و أين هذا من الجبر؟

تفسير آخر للإرادة بالتكوينية

ما ذكرناه في كيفية تعلق إرادته سبحانه بأفعال العباد،جواب عام سار في‏جميع الموارد و رافع للإشكال في مجال الجبر،و ان من أعضل الموارد في الجبر و الاختيار،هي تحليل كيفية تعلق إرادته بأفعال العباد و انه:هل يوجب الجبر و يسلب الاختيار،باعتبار ان إرادته لا تنفك عن المراد،أم لا؟لأن إرادته تعلقت بصدور أفعالهم عن أنفسهم عن مبادئها المكونة فيهم و هي إرادتهم و اختيارهم،فلو صدرت عنهم بلا هذه الخصوصية لزم انفكاك إرادته عن مراده.

و لما استشكل هذا المطلب على بعضهم انصرفوا إلى إخراج أفعال العباد عن إطار إرادته سبحانه،و انما تتعلق بالكائنات دون أفعالهم،و هو كما ترى،لأنه يستلزم تحقق شي‏ء في صحيفة الوجود بغير إذنه و إرادته،مع أن مقتضى التوحيد في الخالقية انتهاء كل ما في عالم الإمكان إلى وجوده و خالقيته،و بالتالي إلى إرادته،فإخراج أفعال العباد عن مجال إرادة الله،يخالف الأسس التوحيدية التي جاء بها القرآن و دعمها العقل.

إلا أن في مسألة العصمة و كيفية تعلق إرادته تعالى بعصمة المعصوم تحليلا آخر يختص بهذا المقام و لا يتعداه.

و حاصل هذا التحليل يتوقف على معرفة كيفية العصمة و حقيقتها،فنقول:إن حقيقة العصمة ترجع إلى الدرجة العليا من التقوى،بمعنى ان التقوى إذا بلغت قمتها تعصم الإنسان عن اقتراف الذنب و جميع القبائح.

و إن شئت قلت:العصمة نتيجة العلم القطعي الثابت و العرفان بعواقب المعصية علما يصد الإنسان عن اجتراح المعاصي و اقتراف المآثم،كالإنسان الواقف أمام الأسلاك التي يجري فيها التيار الكهربائي،فانه لا يقدم بنفسه على إمساكها.و بعبارة ثالثة:العصمة:الاستشعار بعظمة الرب و كماله و جلاله استشعارا منقطع النظير حيث يحدث في المستشعر التفاني في الحق،و العشق لجماله،و كماله،بحيث لا يستبدل برضاه شيئا.

فإذا كانت حقيقة العصمة نفس هذه الحقائق أو قريبا منها،فليس اتصاف الإنسان بهذه الحقائق موجبا للجبر و سالبا للاختيار،بل المعصوم مع هذه المواهب الإلهية قادر على اقتراف المعاصي و ارتكاب الخطايا غير انه لأجل حصوله على الدرجة العليا من التقوى،و العلم القطعي بآثار المعاصي و الاستشعار المنقطع النظير بعظمة الخالق،يختار الطاعة و ترك المعصية مع القدرة على خلاف ذلك،فحاله كالوالد العطوف لا يقدم على قتل ولده و لو أعطيت له الكنوز الكثيرة .

إن هذه الحقائق الموهوبة للمعصوم أشبه بحبل يلقى إلى الغارق في البحر و الساقط في البئر حتى يتمسك به و ينجي نفسه،فلا شك ان العاقل يتمسك به دائما و ينجي نفسه،و لكن هذا العمل لا يخالف قدرته على ترك التمسك به و إلقاء نفسه في مهاوي الهلكة.

فهذه الحقائق النفسانية الموهوبة ليست إلا أسبابا لترك العصيان و مقتضيات للطاعات،و معدات لقرب العبد من ربه،و مع ذلك تتوسط بينها و بين فعل العبد من طاعة أو عصيان،إرادته و اختياره،فليست هذه المواهب عللا تامة لتوجه العبد إلى جانب واحد و انحيازه عن جانب آخر،بل هي أسباب مقربة و معدات للإرادة،و مع ذلك كله فاختيار المعصوم و إرادته باقيان على حالهما.

فمعنى تعلق إرادته سبحانه بعصمتهم ليس تعلقها بالطاعة و ترك العصيان،بل معناه تعلق إرادته التكوينية بإفاضة هذه المواهب عليهم و جعلها في‏مكامن نفوسهم و تحليتهم بهذه الحلية الإلهية،و لكن هذا الجعل و التحلية لا يهدف إلى كونهم مكتوفي الأيدي أمام التكاليف و مسوقين إلى جانب واحد،فالاشتباه في المقام حصل في تعيين ما هو المفاض من الله سبحانه على هذه الشخصيات فتخيل:«ان المفاض هو العصمة المفسرة بترك المعصية و نفس الطاعة»غفلة عن أن المفاض هو هذه الكيفيات و الصفات العليا النفسانية عليهم،و هي توجد استعدادا في النفس بترك العصيان و اختيار الطاعة مع القدرة على الخلاف.

نعم:لو كان هناك جبر،فالجبر في تحليتهم بهذه المواهب و العطايا الإلهية،و لكنهم معها مختارون في التوجه،لأي طرف أرادوا،و إن كانوا لا يشاءون إلا الطاعة و ترك المعصية.

ما هو الوجه لتفسير الإرادة بالتشريعية؟

ثم إن الجمهور لما ذهبوا إلى كون الإرادة تشريعية احتالوا في توجيهها يقول المفسر المعاصر سيد قطب في هذا الصدد:إنه سبحانه يجعل تلك الأوامرـ الأوامر الواقعة قبل الآية من قوله :و قرن...و لا تبرجنـ وسيلة لإذهاب الرجس و تطهير البيت،فالتطهير و إذهاب الرجس يتم بوسائل يأخذ الناس بها أنفسهم و يحققونها في واقع الحياة العملي...و يختم هذه التوجيهات لنساء النبي بمثل ما بداها،بتذكيرهن بعلو مكانتهن و امتيازهن على النساء بمكانتهن من رسول الله و بما أنعم الله عليهن فجعل بيوتهن مهبط القرآن و منزل الحكمة و تشرف النور و الهدى و الإيمان،و انه لحظ عظيم يكفي التذكر به لتحس النفس جلالة قدره و لطيف صنع الله فيه و جزالة النعمة التي لا يعد لها نعيم. (7) و حاصل ما ذكره مبني على نزول القرآن في مورد نساء النبي،و انه سبحانه علل خطاباته لهن بأنه يريد من هذه التكاليف إذهاب الرجس عنهن،و يكون المعنى ان التشديد في التكاليف و تضعيف الثواب و العقاب ليس لانتفاع الله سبحانه به،بل لإذهاب الرجس عنكن و تطهيركن.

و لا يخفى ان ما ورد في الآيات من الأحكام ليست أحكاما خاصة بنساء النبي صلى الله عليه و آله و سلم،فهذا قوله سبحانه قبل آية التطهير:و قرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى و أقمن الصلاة و آتين الزكاة و أطعن الله و رسوله (8) .

و هذا قوله سبحانه بعد الآية:و اذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله و الحكمة...كلها أحكام عامة لنساء المسلمين،فالله سبحانه بهذه التكاليف يريد أن يطهر الكل و إذهاب الرجس عن عموم النساء،لا عن زوجات النبي خاصة،و عندئذ لا وجه لتخصيصهن بالخطاب بالعناية التي عرفت.

و إنما ذهب بعض الجمهور إلى ما ذهب،لأجل انهم تصوروا نزول الآية في حق نساء النبي صلى الله عليه و آله و سلم،فاحتالوا لتفسير الإرادة بما ذكره سيد قطب و نظراؤه،و انما ذهبوا إلى ذلك بزعمهم اتصال الآية بما قبلها من الآيات،مع أنه سيوافيك ان الآية آية التطهير آية مستقلة لا صلة لها بما قبلها و لا ما بعدها،و انما وضعت في هذا الموضع لمصلحة خاصة سنشير إليها،و الأحاديث بكثرتها البالغة ناصة على نزول الآية وحدها،و لم يرد نزولها في ضمن آيات نساء النبي صلى الله عليه و آله و سلم،و لا ذكره أحد حتى أن القائل باختصاص الآية بأزواج النبي ينسب القول إلى عكرمة و عروة لا إلى الرواية.

فالآية لم تكن بحسب النزول من آيات النساء،و لا متصلة بها،و ستوافيك‏الروايات الكثيرة الواردة في هذا المضمار.

السؤال الثالث:هل العصمة الموهوبة مفخرة؟

و هذا سؤال ثالث يتردد في المقام و في غيره،و قد طرحناه عند البحث عن العصمة على وجه الإطلاق و نطرحه هنا بشكل آخر،و هو ان عصمة أهل البيت لو كانت أمرا موهوبا من الله سبحانه كيف يمكن أن تعد مفخرة لأهله؟

و الإجابة عن هذا السؤال واضحة بعد الوقوف على معنى العصمة الموهوبة لهم،و قد عرفت أن المراد من هبتها لهم هو إعطاء المقتضيات و المعدات لهم التي لا تسلب الاختيار عنهم و هم بعد قادرون على الطاعة و العصيان و النقض و الإبرام،و السائل تخيل ان العصمة الموهوبة هي نفس ترك العصيان و المخالفة،فزعم أن شيئا مثلها لا يعد فخرا و لا يوجب ثناء،و قد أوضحنا هذا في السؤال السابق،فراجع.

السؤال الرابع:هل الآية تدل على فعلية التطهير؟

و ربما يقال:إن أقصى ما تدل عليه الآية هو إخباره سبحانه عن أنه يريد إذهاب الرجس عن أهل البيت و تطهيرهم،و ليس في الآية ما يدل على تحقق هذه الإرادة بالفعل،و انها صدرت منه سبحانه،مع أن القائلين بعصمة أهل البيت يذهبون بدلالتها على اتصافهم بالعصمة،و في هذا الصدد ينقل الشيخ زين الدين البياضي العاملي إشكالا عن المخالف و يقول:يريد لفظ مستقبل،فلا دليل على وقوعه. (9) و لا يخفى أن هذا الإشكال نشأ من اتخاذ موقف خاص بالنسبة إلى أهل البيت بشهادة ان هذه اللفظة وردت في كثير من الآيات مع أنه ما خطر ببال أحد مثل هذا الإشكال قال سبحانه:يريد الله ليبين لكم (10) ،و قال:و الله يريد أن يتوب عليكم (11) ،و قال:يريد الله أن يخفف عنكم (12) ،و قال:و يهديكم سنن الذين من قبلكم (13) ،أضف إلى ذلك ان هناك قرينة واضحة على تحقق الإرادة بشهادة ان الآية في مقام المدح و الثناء.

و أما الإتيان بصيغة المستقبل و العدول عن الماضي،فهو لأجل ظهور فعل المستقبل في الدوام،و هو سبحانه يريد إفادة دوام هذه الإرادة و استمرارها مدى الأيام و السنين.

السؤال الخامس:هل الإذهاب يستلزم الثبوت؟

خلاصة هذا السؤال ترجع إلى أن الإذهاب يتعلق بشي‏ء موجود،فعلى ذلك يستلزم أن يكون هناك رجس موجود أذهبه الله و طهرهم منه،و هذا يضاد مقالة أهل العصمة،و لكن السائل أو المعترض غفل عن أن هذه التراكيب كما تستعمل في إذهاب الشي‏ء الموجود،كذلك تستعمل فيما إذا لم يكن موجودا،و لكن كانت هناك مقتضيات و معدات له حسب الطبيعة الإنسانية و إن لم يكن موجودا بالفعل كقول الإنسان لغيره:أذهب الله عنك كل مرض،و لم يكن حاصلا له،و لكن كانت بعض المعدات للمرض موجودة.و في المقام نزيد توضيحا:ان الإنسان حسب الطبيعة الأولية مجهز بالغرائز و الميول العادية المتجاوزة عن الحدود،و لم يشذ أهل البيت عنها و لم تكن لهم في العالم الجسماني خلقة خاصة بهم،فكانت هناك أرضية صالحة للتعدي و الطغيان،فلما جهزوا بهذه الغرائز أولا،ثم بالعصمةـ بالمعنى الذي عرفتـ ثانيا صح أن يقال:إنه سبحانه أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا من العصيان.

و هذه الأسئلة و أشباهها لا تحتاج إلى البسط في المقال،و لأجل ذلك نطوي الكلام عنها .

تعليقات:

1ـ القصص: .5

2ـ الأنفال: .7

3ـ المائدة: .41

4ـ يس: .82

5ـ الأنعام: .35

6ـ الحشر: .5

7ـ في ظلال القرآن،في تفسير سورة الأحزاب.

8ـ الأحزاب: .33

9ـ الصراط المستقيم:1/ .184

10ـ النساء: .26

11ـ النساء: .27

12ـ النساء: .28

13ـ النساء: .26

أهل البيت(ع) سماتهم و حقوقهم في القرآن الكريم ص 87

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني