| الصفحة الاولى > علي عليه السلام في القرآن و السنة > أهلالبيت عليهم السلام في القرآن الكريم |
| آية التطهير (6) |
آية التطهير (6)عصمة اهل البيت عليهم السلامان الآية الكريمة بعد الامعان فيها تدل على عصمة اهل البيت عليهم السلام و طهارتهم من الذنوب،و يعلم ذلك من خلال دراسة أمرين: 1.ما هو المراد من الرجس؟ 2.هل الارادة في الآية المباركة إرادة تكوينية أو تشريعية؟ 1.ما هو المراد من الرجس؟المراد من الرجس:هو القذارة الأعم من المادية و المعنوية،و قد اتفق على ذلك أئمة اللغة . قال ابن فارس:الرجس:أصل يدل على اختلاط،و من هذا الباب:الرجس:القذر لأنه لطخ و خلط. (1) و قال ابن منظور:الرجس:القذر،و كل قذر رجس،و في الحديث:أعوذ بك من الرجس النجس.و قد يعبر به عن الحرام و الفعل القبيح و العذاب و اللعن و الكفر.قال الزجاج:الرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل...فبالغ الله في ذم أشياء و سماها رجسا،و قال ابن الكلبي:رجس من عمل الشيطان أي مأثم. (2) و قد استعملت هذه اللفظة في الذكر الحكيم ثمانية مرات:و وصف به الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام و الكافر غير المؤمن بالله و الميتة و الدم المسفوح و لحم الخنزير و الأوثان و قول الزور...إلى غير ذلك من الموارد التي وصفت به في الذكر الحكيم. و نكتفي بنقل بعض الآيات قال سبحانه:إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان. (3) و قال سبحانه:إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس (4) . و قال سبحانه:كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون (5) ،إلى غير ذلك من الآيات. و المتفحص في كلمات أئمة أهل اللغة،و الآيات الواردة فيها تلك اللفظة،يصل إلى أنها موضوعة بمعنى القذارة التي تستنفر منها النفوس،سواء أكانت مادية،كما وردت في الآيات،أم معنوية كما هو الحال في الكافر و عابد الوثن و وثنه. فلو وصف به العمل القبيح عرفا أو شرعا،فلأجل أن العمل القبيح يوصف بالقذارة التي تستنفرها الطباع السليمة،و على هذا فالمراد من الرجس في الآية هي الأعمال القبيحة عرفا أو شرعا،و يدل عليه قوله سبحانه بعد تلك اللفظة: و يطهركم تطهيرا ،فليس المراد من هذا التطهير إلا تطهيرهم من الرجس المعنوي الذي لا تقبله النفوس السليمة. و قد ورد نظير قوله:و يطهركم تطهيرا في حق السيدة مريم عليها السلام،قال سبحانه:إن الله اصطفاك و طهرك و اصطفاك على نساء العالمين. (6) نعم:ان لتطهير النفوس و طهارتها مراتب و درجات،و لا تكون جميعها مستلزمة للعصمة،و انما الملازم لها هو الدرجة العليا،قال سبحانه:فيه رجال يحبون أن يتطهروا و الله يحب المطهرين (7) . قال العلامة الطباطبائي:الرجسـ بالكسر و السكونـ صفة من الرجاسة و هي القذارة،و القذارة هيئة في النفس توجب التجنب و التنفر منها،و هي تكون تارة بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير،قال تعالى:أو لحم خنزير فإنه رجس و بحسب باطنه،أخرى،و هي الرجاسة و القذارة المعنوية كالشرك و الكفر و أثر العمل السيء،قال تعالى:و أما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم و ماتوا و هم كافرون (8) ،و قال:و من يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاحرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون. (9) و أيا ما كان فهو إدراك نفساني و أثر شعوري يحدث من تعلق القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيء و إذهاب الرجس عبارة عن إزالة كل هيئة خبيثة في النفس تضاد حق الاعتقاد و العمل،و عند ذلك يكون إذهاب الرجس معادلا للعصمة الإلهية التي هي صورة علمية نفسانية،تحفظ الإنسان من رجس باطني الاعتقاد و سيء العمل. (10) المنفي مطلق الرجسإذا كان المراد من الرجس في الآية الكريمة هو الأفعال القبيحة عرفا أو شرعا و المعاصي صغيرها و كبيرها،فيجب أن يقال:إن المنفي في الآية هو عموم الرجس،و ذلك لأن المنفي هو جنس الرجس لا نوعه و لا صنفه،و نفي الجنس يلازم نفي الطبيعة بعامة مراتبها،و لأجل ذلك لم يكتف سبحانه بقوله:ليذهب عنكم الرجس بل أكده بقوله:و يطهركم تطهيرا،فلو كان المراد نفي قسم خاص من الرجسـ أعني:الشرك،أو الأوسع منه كالمعاصي الكبيرةـ لما كان لهذه العناية وجه. و الحاصل:ان المفهوم من قول القائل لا خير في الحياة،أو لا رجل في الدار،هو المفهوم من قوله:ليذهب عنكم الرجس،و التفكيك بين المقامين غير مقبول.هذا هو الأمر الأول و إليك الكلام في الأمر الثاني: 2.هل الإرادة في الآية تكوينية أم تشريعية؟إن انقسام إرادته سبحانه إلى تكوينية و تشريعية من الانقسامات الواضحة التي لا تحتاج إلى بسط في القول،و مجمل القول فيها هو انه إذا تعلقت إرادته سبحانه على إيجاد شيء و تكوينه في صحيفة الوجود،فهي الإرادة التكوينية و لا تتخلف تلك الإرادة عن مراده،و ربما يعبر عنها بالأمر التكويني قال سبحانه:إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (11) . ففي هذا المجال يكون متعلق الإرادة تكون الشيء و تحققه و تجسده،و الله سبحانه لأجل سعة قدرته و نفوذ إرادته لا تنفك إرادته عن مراده و لا أمره التكويني عن متعلقه. و أما إذا تعلقت إرادته سبحانه بتشريع الأحكام و تقنينها في المجتمع حتى يقوم المكلف مختارا بواجبه،فهي إرادة تشريعية،ففي هذا المجال يكون متعلق الإرادة تحقيقا هو التشريع و التقنين،و أما قيام المكلف فهو من غايات التكليف،و لأجل ذلك ربما تترتب عليه الغاية،و ربما تنفك عنه،و لا يوجب الانفكاك خللا في إرادته سبحانه،لأنه ما أراد إلا التشريع و قد تحقق،كما انه ما أراد قيام المكلف بواجبه إلا مختارا،فقيامه بواجبه أو عدم قيامه من شعب اختياره،هذا هو إجمال القول في الإرادتين،و للتفصيل محل آخر. و القرائن التي ستمر عليك تدل على أن الإرادة في الآية تكوينية لا تشريعية بمعنى ان إرادته التكوينية التي تعلقت بتكوين الأشياء و إبداعها في عالم الوجود،تعلقت أيضا بإذهاب الرجس عن أهل البيت،و تطهيرهم من كل رجس و قذر،و من كل عمل يستنفر منه،و إليك تلك القرائن :.ان الظاهر من الآية هو تعلق إرادة خاصة بإذهاب الرجس عن أهل البيت،و الخصوصية إنما تتحقق لو كانت الإرادة تكوينية،إذ لو كانت تشريعية لما اختصت بطائفة دون طائفة،لأن الهدف الأسمى من بعث الأنبياء هو إبلاغ تشريعاته و دساتيره إلى الناس عامة لا لأناس معينين،و لأجل ذلك ترى أنه سبحانه عند ما شرع للمسلمين الوضوء و الغسل بقوله:يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق و امسحوا برءوسكم و أرجلكم إلى الكعبين و إن كنتم جنبا فاطهروا...علله بقوله:و لكن يريد ليطهركم و ليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (12) خاطب سبحانه المؤمنين عامة بالوضوء و الغسل و علل تشريعه العام بتطهيرهم و إتمام نعمته عليهم و هذا بخلاف الآية التي نحن بصددها،فإنها خصصت إرادة تطهيره بجمع خاص تجمعهم كلمة«أهل البيت»و خصهم بالخطاب و قال:«عنكم أهل البيت»أي لا غيركم. و بالجملة فتخصيص تعلق الإرادة بجمع خاص على الوجه الوارد في الآية،يمنع من تفسير الإرادة بالإرادة التشريعية التي عمت الأمة جميعا. نعم لا يتوهم من ذلك ان أهل البيت خارجون عن إطار التشريع،بل التشريع في كل المجالات يعمهم كما يعم غيرهم،و لكن هنا إرادة تكوينية مختصة بهم. 2.ان العناية البارزة في الآية المباركة أقوى شاهد على أن المقصود بالإرادة،الإرادة التكوينية لا التشريعية،لوضوح أن تعلق الإرادة التشريعية بأهل البيت لا يحتاج إلى العناية في الآية،و إليك بيان تلك العناية:أ.ابتدأ سبحانه كلامه بلفظ الحصر،و لا معنى له إذا كانت الإرادة تشريعية،لأنها غير محصورة بأناس مخصوصين. ب.عين تعالى متعلق إرادته بصورة الاختصاص،فقال:أهل البيت أي أخصكم أهل البيت. ج.قد بين متعلق إرادته بالتأكيد،و قال بعد قوله:ليذهب عنكم الرجس...و يطهركم. د.قد أكده أيضا بالإتيان بمصدره بعد الفعل،و قال:و يطهركم تطهيرا ليكون أوفى في التأكيد . ه.انه سبحانه أتى بالمصدر نكرة،ليدل على الإكبار و الإعجاب،أي تطهيرا عظيما معجبا. و.ان الآية في مقام المدح و الثناء،فلو كانت الإرادة إرادة تشريعية لما ناسب الثناء و المدح. و على الجملة:العناية البارزة في الآية تدل بوضوح على أن الإرادة هناك غير الإرادة العامة المتعلقة لكل إنسان حاضر أو باد،و لأجل ذلك فإن المحققين من المفسرين يفسرون الإرادة في المقام بالإرادة التكوينية و يجيبون عن كل سؤال يطرح عنها. قال الشيخ الطبرسي:إن لفظة إنما محققة لما أثبت بعدها،نافية لما لم يثبت،فإن قول القائل :إنما لك عندي درهم،و إنما في الدار زيد،يقتضي انه ليس عنده سوى الدرهم و ليس في الدار سوى زيد،و على هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المحضة التشريعية،أو الإرادة التي يتبعها التطهير و إذهاب الرجس،و لا يجوز الوجه الأول،لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة المطلقة،فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق،و لأن هذا القول يقتضيالمدح و التعظيم لهم بغير شك و شبهة و لا مدح في الإرادة المجردة،فثبت الوجه الثاني،و في ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح. (13) و قال السيد ابن معصوم المدني في تقريب دلالة الآية على عصمة المعنيين بالآية:إن لفظة إنما محققة لما أثبت بعدها،نافية لما لم يثبت،فإن قول القائل إنما لك عندي درهم،و إنما في الدار زيد،يقتضي انه ليس له عنده سوى درهم و ليس في الدار سوى زيد،إذا تقرر هذا فلا تخلو الإرادة في الآية أن تكون هي الإرادة المطلقة أو الإرادة التي يتبعها التطهير و إذهاب الرجس،فلا يجوز الوجه الأول،لأن الله تعالى قد أراد من كل مكلف هذه الإرادة المطلقة،فلا اختصاص لها بأهل البيت دون سائر الخلق.و هذا القول يقتضي المدح و التعظيم لهم بغير شك و لا شبهة و لا مدح في الإرادة المجردة،فثبت الوجه الثاني،و في ثبوته ثبوت عصمة المعنيين بالآية من جميع القبائح،لأن اللام في الرجس للجنس،و نفي الماهية نفي لكل جزئياتها،و قد علمنا أن من عدا ما ذكرناه من أهل البيت حين نزول الآية غير مقطوع على عصمته،فثبت أن الآية مختصة بهم،لبطلان تعلقها بغيرهم.و ما اعتمدوا عليه من أن صدر الآية و ما بعدها في الأزواج،فجوابه ان من عرف عادة العرب العرباء في كلامهم و اسلوب البلغاء و الفصحاء في خطابهم لا يذهب عليه ان هذا من باب الاستطراد،و هو خروج المتكلم من غرضه الأول إلى غرض آخر ثم عوده إلى غرضه الأول،و اتفقت كلمة أهل البيان على أن ذلك من محاسن البديع في الكلام نثرا و نظما و القرآن المجيد و خطب البلغاء و أشعارهم مملوءة من ذلك. (14) تعليقات: 1ـ معجم مقاييس اللغة:2/ .490 2ـ لسان العرب:6/94ـ 95،مادة«رجس». 3ـ المائدة: .90 4ـ الأنعام: .145 5ـ الأنعام: .125 6ـ آل عمران: .42 7ـ التوبة: .108 8ـ التوبة: .125 9ـ الأنعام: .125 10ـ الميزان:16/ .330 11ـ يس: .82 12ـ المائدة: .6 13ـ مجمع البيان:4/357 تفسير سورة الأحزاب،و قريب منه ما أفاده الشيخ الطوسي في تبيانه :8/ .340 14ـ رياض السالكين:497،الروضة السابعة و الأربعون،و قد نقلنا عن الطبرسي ما يقرب منه . أهل البيت(ع) سماتهم و حقوقهم في القرآن الكريم ص 79 مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني |