الخطبة (1)
الحمد لله فقرة 1ـ3:
الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون.و لا يحصي نعماءه العادون.
و لا يؤدي حقه المجتهدون،الذي لا يدركه بعد الهمم و لايناله غوص الفطن.الذي ليس لصفته
حد محدود و لا نعتموجود.و لا وقت معدود و لا أجل ممدود.فطر الخلائقبقدرته.و نشر الرياح
برحمته.و وتد بالصخور ميدان أرضه.
اللغة:
الحمد:ثناء و تعظيم.و مدحته مدحا:أحسنت الثناء عليه بما فيه من صفاتذاتية كالذكاء و
الشجاعة،أو مستفادة كالعلم و حفظ التجربة،و مدحةـبكسرالميمـللهيئة و الكيفية،و معنى
الجملة بمجموعها ان الثناء عليه تعالى كما يليق بحقهمتعذر.و النعماءـبالفتحـقيل:هي
جمع نعمة كنعم و أنعم،و قيل:اسم مصدر،و كلمة نعمة جاءت في القرآن الكريم بفتح النون
للمرة:«نعمة كانوافيها فاكهينـ27 الدخان».و جاءت فيه بالكسر للصنيعة و المنة:«و انتعدوا
نعمة الله لا تحصوهاـ18 النحل».و اجتهد في الأمر:جد فيه،و بذلالوسع.و أدرك الشيء:ناله
و وصل اليه.و الهمم:جمع همة،و هي العزم القوي،يقال:هو بعيد الهمة و ذو همة عالية.و الفطن
جمع فطنة،و هي الحدس المصيب.
و غوصها:إبعادها و استغراقها لنيل المطلوب.و حد الشيء:منتهاه و الحاجز بينهو بين غيره
.و فطر الخلائق:ابتدعها على غير مثال سبق.و وتد و أوتد الوتد:
ثبته.و يشير الإمام(ع)بهذا الى قوله تعالى:«و الجبال أوتاداـ7 النبأ».
و الميدانـبفتح الياءـمن ماد يميد ميدا.و ميدانا:الحركة بتمايل،يقال:
تمايد إذا تمايل مهتزا.
الإعراب:
الحمد لله مبتدأ و خبر،و الجملة انشاء في صيغة الإخبار.و الذي في محل جرصفة لله،و مثله
الموصول الثاني و الثالث.و محدود صفة للحد،و هو من بابوصف الشيء بنفسه للمبالغة،مثل
ليل أليل،و شعر شاعر.
المعنى:
(الحمد لله).حمد الله سبحانه من أفضل العبادات،و لهذا افتتحت بهالصلاة،و فاتحة الكتاب،و
الخطابات،و في خطبة ثانية:«الحمد لله الذي جعلالحمد مفتاحا لذكره،و سببا للمزيد من
فضله،و دليلا على آلائه و عظمته»،و في ثالثة:«لا يحمد حامد إلا ربه».الحمد لله وحده
على توفيقه و عظيمإحسانه(الذي لا يبلغ مدحته القائلون).يثني المخلوق على خالقه جهد
مايستطيع،و على قدر ما يعلم..و مهما سمت العقول فلا تستطيع،و يستحيل أنتستطيع الاحاطة
بمقام العظمة و الجلال،بل لا تحيط بخلق الله،و آثاره،و من الذيخرق بعلمه باطن الأرض
و أسرارها،و أبراج السماء و أخبارها،و ما تخفي القلوبو الصدور؟و اذا عجزت العقول عن
إدراك المخلوق فكيف تدرك الخالق؟و مع هذا العمى و العجز كيف تؤدي واجب المديح و الثناء؟قال
(ع)«ان من يعجزعن وصف ذي الهيئة و الأدوات فهو عن وصف خالقه أعجز».
(و لا يحصي نعماءه العادون).هذا تذكير لعباد الله بأنعمه التي لا تعد و لاتحصى..و لكن
الانسان الظلوم بدل نعمة الله كفرا..أنعم سبحانه عليه بالعقل،فاخترع به أسلحة الهلاك
و الدمار،و أجهزة التجسس،و التضليل و الخداع.
و أعطاه المال،فاتخذ منه أداة للفساد و الطغيان،و منحه الصحة في الجسم،فأبلاهابالمعاصي
و المحرمات..قال الإمام(ع):«اضرب بطرفك حيث شئت من الناسفهل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا،أو
غنيا بدل نعمة الله كفرا،أو بخيلا اتخذ البخلبحق الله و فرا،أو متمردا كأن بأذنيه عن
سمع المواعظ و قرا».
و ما ظنك بأمير المؤمنين(ع)أن يقول لو كان في هذا العصر،و رأى ما يهتزله العرش في شرق
الأرض و غربها من دم يسفك،و حرمات تهتك،و مساكنتهدم،و أطفال و نساء تشرد..لا لشيء
إلا لأن الجبابرة الأقوياء يريدون منعباد الله أن يسجدوا لهم و يركعوا من دون الله،و
أن يتصرفوا بهم و بأقواتهم كمايشاءون و يهوون؟
بأي قول و خطاب يصف الإمام(ع)هذه الفجائع التي ترتكبها الدول الاستعماريةمع كل شعب يريد
العمران في أرضه بحرية و أمان،و العيش في بيته بدعة و اطمئنان؟
و بأي قول و خطاب يصف علي(ع)ما فعل الصهاينة بالأمس،و يفعلونه اليومو بعد اليوم في
فلسطين من القتل و البطش،و التجويع و التشريد،و من الحرقو الهدم،و السجن و التعذيب؟كل
هذا،و أكثر من هذا حدث في فلسطينبالأسلحة الأمريكية الحديثة،و بأيدي الصهيونية حليفة
الاستعمار،و عدوة الأحرار.
فرحماك اللهم رحماك..ان كنت تؤاخذنا بما أخطأنا فأرسل علينا مثل صاعقةعاد و ثمود،أو
مثل طوفان نوح..و لا تسلط علينا الصهيونية و الأسلحة الأمريكية..
رحماك يا أرحم الراحمين..يا من خلق الرحمة للمذنبين..و كتبها على نفسه،و أكدها بقوله
:«يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللهان الله يغفر الذنوب جميعا
انه هو الغفور الرحيمـ53 الزمر».
(و لا يؤدي حقه المجتهدون).ان حق الله سبحانه يقاس بعظمته،و جهدالانسان يقاس بطاقته،و
الفرق بين هذه الطاقة و تلك العظمة تماما كالفرق بين الخالق و المخلوق..و هنا يكمن سر
العجز عن أداء حقه تعالى..أجل،منأدرك هذا السر،و انقاد لله في جميع ما يقول و يفعل
فقد و فى بعهد الله الذيأمر به في قوله:«و أوفوا بعهدي أوف بعهدكم و اياي فارهبونـ40
البقرة».
(الذي لا يدركه بعد الهمم و لا يناله غوص الفطن).نحن ذرة من هذهالأرض،و هي ذرة من الكون،و
هو ذرة من فيض الله تعالى،فكيف ندركه،و هذه هي الحال؟و في خطاب آخر:«لم تحط به الأوهام،بلى
تجلى لها بها،و بها امتنع منها،و اليها حاكمها».تجلى سبحانه للعقول بخلقه و آثاره،و
العقولمن جملة الخلق و الآثار،و امتنع من العقول بذاته،لأن المخلوق أعجز من أنيدرك
الخالق،و حاكم العقول الى نفسها،فحكمت هي بذاتها انها عاجزة عنإدراك الذات القدسية
.
(الذي ليس لصفته حد محدود)حتى إذا بلغت هذا انتهت و انقطعت..
كلا،لأنها أزلية أبدية(و لا نعت موجود).و معنى النعت و الوصف واحدبحسب التبادر الى الأذهان،و
لا وجه للتفرقة بينهما كما في بعض الشروح و التعليقاتفرارا من عطف التفسير مع العلم
بأنه لا أثر هنا لهذا العطف،و ذلك ان الإمام(ع)
بعد أن نفى عن الله سبحانه الوصف المحدود بغاية و نهايةـنفى عنه أيضا الوصفالذي يعبر
عنه تعبيرا كافيا وافيا،و جامعا مانعا،نفى عنه هذا الوصف أوهذا النعت لأنه لا طريق أبدا
الى معرفته تعالى إلا بآثاره.و من البداهة بمكانان الآثار لا تعبر عن كنه المؤثر و
حقيقته،و لا تعكس كل ما فيه من صفات..
بالإضافة الى أن قدرة الله تعالى لا تقاس بما صدر عنها من خلق و آثار،و مايصدر الى الأبد
..لأنها هي هي لا تنضب و لا تنقص و لا تضعف مهما تكاثرتالآثار و تراكمت.
(و لا وقت معدود،و لا أجل ممدود).الوقت يتعدد و ينقسم،يقال:الأمسو اليوم و غدا،و الأجل
ينتهي و ينقطع،و واجب الوجود أزلي أبدي لا تعدالأوقات لوجوده،و لا تضرب الآجال لبقائه
..هذا،الى أن الزمان من لوازمالحركة،و هي من لوازم الجسم،و الواجب منزه عن الجسمية،قال
الإمام(ع):
«هو الأول و لم يزل،و الباقي بلا أجل».
(فطر الخلائق بقدرته).أي خلقها على غير مثال بكلمة«كن»لا بآلة و أداة،قال الإمام(ع)«المنشىء
لا بروية فكر آل اليها،و لا قريحة غزيرةأضمر عليها،و لا تجربة أفادها من حوادث الدهر»
.(و نشر الرياح برحمته،و وطد بالصخور ميدان أرضه).قال الشيخ محمد عبده:«يستعمل العربكلمة
الريح للعذاب،و الرياح للرحمة،و الميدان:الحركة بتمايل،و الإمام(ع)
يشير الى أن الأرض كانت مائدة مضطربة قبل جمودها،و هذا نظم جيد للكلام،إذ نشر الرياح،و
إرساء الأرض لازم لحياة الخلائق».
أول الدين فقرة 4ـ6:
أول الدين معرفته و كمال معرفته التصديق به.و كمال التصديق بهتوحيده.و كمال توحيده
الإخلاص له.و كمال الإخلاص له نفيالصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف و شهادة
كلموصوف أنه غير الصفة.فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه.و من قرنه فقد ثناه.و من ثناه
فقد جزاه.و من جزأه فقد جهله.و من جهله فقد أشار إليه.و من أشار إليه فقد حده.و من حدهفقد
عده.و من قال فيم فقد ضمنه.و من قال علام فقد أخلىمنه.كائن لا عن حدث.موجود لا عن عدم
.مع كلشيء لا بمقارنة.و غير كل شيء لا بمزايلة.فاعل لا بمعنى الحركاتو الآلة.بصير
إذ لا منظور إليه من خلقه.متوحد إذ لا سكنيستأنس به و لا يستوحش لفقده.
اللغة:
قرنه:من المقارنة،أي جعل معه شيئا آخر،و المراد هنا أن من جعل معالله صفات غير ذاته
و زائدة عليها فقد جعل غيره معه.و جزأه:جعله مركبامن أجزاء.وحده:جعل له حدا يقف عنده
و لا يتعداه الى غيره.و عده:
أحصاه و أحاط به.و المزايلة:المفارقة،يقال:زايل فلان فلانا أي فارقه،و في القرآن:«فزيلنا
بينهمـ28 يونس»أي فرقنا بينهم.و تطلق الآلة علىالجارحة كاليد و العين.و السكن:الأنيس،و
تطلق على الأهل.
الإعراب:
لكلمة أول معنيان:أحدهما أن يراد بها مجرد العدد مثل أول،ثان،فتكونمصروفة،ثانيهما أن
يراد بها الوصف أي أسبق،فتكون من أفعال التفضيل،و تمنع من الصرف للصفة و وزن الفعل.و
المصدر من«انها غير الخ»مجرور بعلىمحذوفة،و يتعلق بشهادة لأنها بمعنى شهد،و كذلك«انه
غير الخ»و«فيما»«في»حرف جر و«ما»استفهام،و حذفت الألف للفرق بينها و بين«ما»الموصولة،و
مثلها«علام».و كائن خبر لمبتدأ محذوف أي هو كائن،و ما بعدهصفة له،و مثله موجود،و مع
كل شيء،و فاعل،و بصير،و متوحد.
نفي الصفات:
قبل أن نفسر الجمل في هذا المقطع نمهد بكلمة سريعة عن صفاته تعالى كمقدمةللتفهم و التدبر
.
لا يختلف اثنان من المسلمين في ان الله سبحانه يوصف بكل ما وصف به نفسهفي كتابه العزيز،و
ان عظمته في الكمال و الجلال كما هي لا يحدها وصف،و لايدركها عقل،و انها أزلية أبدية
تماما كذاته القدسية..و انما الكلام و الخلاف فيان الصفات العليا بأي معنى تنسب اليه
تعالى،و تطلق عليه:هل تنسب اليه،جلت عظمته على انها شيء غير الذات،و زائدة على كنهها
و حقيقتها تماما كما هي الحال في وصف الانسان بالعلم،فإن حقيقة الانسان حيوان ناطق،و
حقيقةالعلم الكشف عن الواقع،فإذا وصفنا الانسان بالعلم فقد وصفناه بما هو زائدو خارج
عن ذاته و طبيعته،و إلا كان الانسان بما هو عالما من غير كسب و استفادةو بحث و درس،و
هذا خلاف الحس و الوجدانـهل وصف الله بالعلم و غيرهكذلك و على هذه الحال،أو ان الله
يوصف بالعلم و القدرة بمقتضى ذاته و حقيقته،لا بشيء زائد عنها تماما كوصف الانسان بالانسانية،و
الشجر بالشجريةـمثلاـ.
قال الأشاعرة كل صفاته تعالى غير ذاته و زائدة عليها،و معنى هذا ان ذاتهبما هي لا تقتضي
العلم و القدرة و نحوهما من الكمال تماما كما ان ذات الانسان لاتقتضي العلم.و قد تخطوا
بذلك حدود التوحيد حيث يلزمهم القول بتعدد القديمكما تخطوا حدود العدل في قولهم بالجبر
..و ما لنا و لهم؟فلندعهم و شأنهم.
و ذهب أهل العدل و التوحيد الى أنه لا صفات لذات الله تزيد على ذاته،و انوصفه بالعلم
و القدرة تماما كوصف الانسان بالإنسانية،و الشجر بالشجرية،لأنذاته تعالى بما هي و بطبعها
و حقيقتها تقتضي العلم و القدرة،بل هي عين العلم و القدرةكما ان الانسانية عين الانسان،لأن
كماله تعالى ذاتي لا كسبي،و مطلق غيرمقيد بشيء دون شيء،و جهة دون جهة،و انه بموجب
هذا الكمال الذاتي المطلقغني عن كل شيء يزيد على ذاته و كنهه..و لماذا الزيادة؟و ما
هو الداعي اليهااليها ما دامت الذات القدسية كاملة بنفسها من كل الجهات؟و هل نحتاج الىالزائد
لنكمل به الكامل،و نتمم التام؟
و على هذا إذا أطلقت صفات الكمال عليه تعالى كالعالم و القادرـفيجب انيراد بها نفس
الذات القدسية التي تقتضي القدرة و العلم،بل هي عين العلم و القدرة،تماما كما يراد من
كلمة«الله».و كل وصف جاء في القرآن الكريم،و علىألسنة الراسخين في العلم فإن المراد
هذا المعنى بالخصوص..أما الصفات المنفية عنذاته تعالى في كلام الإمام(ع)فهي الأحوال
الخارجة عن الذات و الزائدة عليها،و تعرض لها بسبب من الأسباب،تنفى هذه عنه لأنها من
صفات المخلوقين دونالخالق.
و تسأل:كيف نتصور وحدة الذات مع تعدد الصفات؟و هل هذا إلا كقولمن قال:الاب و الابن
و روح القدس إله واحد. و أجاب البعض بأن الصفات بالنسبة اليه تعالى متعددة مفهوما متحدة
مصداقا.
و هذا الجوابـكما نرىـلا يحل الإشكال،لأن صدق المفاهيم العديدةعلى شيء واحد يستدعي
أن تكون به حيثيات عديدة،فيقال:هو عالم لصدقمفهوم العلم عليه،و قادر لصدق مفهوم القدرة
..و الله واحد من كل وجه لاحيثيات له و جهات..أجل،يقال:هو علم لأن العلم ذاتي له،و هو
عالملأنه يعلم كل شيء،و لكن الجهة هنا واحدة،و هي العلم.و الأولى في الجواب:
انه لا مصداق و لا مفاهيم،و لا حيثيات و جهات..لا شيء على الإطلاق إلاواجب الوجود الكامل
المطلق من كل وجه،و إن التعدد إنما هو في أنواع الكمالو أقسامه،لا في ذات الكامل المطلق
الذي هو المبدأ الأول لكل كمال..و بتعبيرثان كما ان تعدد المخلوقات لا يتنافى مع وحدة
الخالق كذلك تعدد الكمالات لايتنافى مع وحدة مبدئها و مصدرها.
المعنى:
(أول الدين معرفته).لكلمة الدين معان،و المراد بها هنا الطاعة و الانقيادلله تعالى في
أمره و نهيه.و من البداهة ان الانقياد يتوقف على معرفة القائد،و الطاعة على معرفة من
يطاع،و من أجل هذا كان العلم بالله أشرف العلوم،لعظمة«المعلوم»من جهة،و لأن العلم بوجوده
تعالى و بأمره و نهيه هو في جوهرهعلم بمبدأ الانسان و مصيره،و بما له و عليه،و أوضحنا
ذلك في كتاب«فلسفةالتوحيد و الولاية».قال الإمام(ع):رحم الله امرءا أعد لنفسه،و استعدلرمسه،و
عرف من أين؟و في أين؟و الى أين؟
(و كمال معرفته التصديق به).و الذي نفهمه من التصديق هنا هو الإقراربالله عن ايمان و
ايقان لا يشوبه شك و وسوسة بحيث لو انكشف الغطاء لصاحبه ماازداد يقينا.أما من أقر بالله،و
قال:أشهد أن لا إله إلا الله،ثم ينقدحالشك في قلبه لأول عارض من مصاب يلم به،أو وهم
زائف،أما هذا فهوناقص الايمان،و ان قام الليل،و صام النهار.قال الإمام(ع)و قد سمع رجلامن
الخوارج يتهجد و يقرأ:«نوم على يقين خير من صلاة في شك».و فيمعناه الحديث المعروف:نوم
العالم أفضل من عبادة الجاهل.(و كمال التصديق به توحيده).قسم الشارحون أو أكثرهم التصديق
بالله الىناقص و كامل،و عرفوا الناقص بأنه التصديق بالله مع وجود الشريك أو إمكانوجوده،ثم
قالوا:و هذا يستلزم التركيب في الذات،و المركب ممكن الوجود،لا واجب الوجود!..و الحق
ان الشرك لا يمت الى التصديق و الايمان بسبب،بل هو أسوأ و أقبح من الإلحاد،لأن الإلحاد
نفي للتوحيد و كفى،أما الشركفهو نفي للتوحيد،و إثبات للشرك و التعدد.
و مهما يكن فإن قصد الإمام(ع)ان التصديق الحق لا يكون و لن يكون إلامع تنزيه الخالق
عن كل ما فيه شائبة الشرك و الزيادة عن ذات الله،و أن منجعل مع الله شيئا آخر فما هو
من المصدقين على الاطلاق،لا انه مصدق تصديقاغير كامل.
(و كمال توحيده الإخلاص له).قال بعض الشارحين:المراد بالإخلاصهنا الزهد الحقيقي،و قال
آخر:الاخلاص منه ناقص،و منه تام!..و لا ندريكيف يكون الاخلاص ناقصا،و معناه الخلوص
من كل شائبة؟و الذي نفهمهان الإخلاص المقصود في قول الإمام(ع)هو الإيمان و التصديق
بأن الله سبحانهمتفرد بالكمال المطلق،و منزه عن المادة و لوازمها،و عن الجور و غيره
من القبائح،و غني عن كل شيء،و اليه يفتقر كل شيء،و ليس كمثله شيء.
(و كمال الاخلاص له نفي الصفات عنه).أي نفي الصفات الخارجة عن الذاتو طبيعتها،لا نفي
الصفات التي هي عين الذات و حقيقتها،و إلا فان«كلامالإمام(ع)مليء بصفات الله سبحانه،بل
هو في هذا الكلام يصفه أكمل الوصف»كما قال الشيخ محمد عبده.و بينا ذلك في صدر هذا الكلام
بعنوان«نفي الصفات».
(لشهادة كل صفة انها غير الموصوف).و كلمة الصفة تدل بنفسها علىنفسها،و انها من المعاني
المضافة الى الموصوف،و التابعة له وجودا و عدما.
و من البداهة ان التابع غير المتبوع،و المضاف غير المضاف اليه(و شهادة كلموصوف انه
غير الصفة).لأنه في غنى عنها،و هي في حاجة اليه،و اذنيستحيل نسبة الصفة اليه تعالى
بمعناها الحقيقي و إلا لزم تعدد القديم،و تركيبالذات القدسية الواجبة الوجود..و هذه
هي الصفة التي يجب نفيها عنه تعالى توحيداللكمال المطلق،و تنزيها لذاته عن كل شائبة،أما
إذا أريد من الصفة مجرد الإشارة الى تفرده تعالى في الجلال و الكمال فجائز قطعا،و راجح
عقلا و شرعا،و إلا فبأيشيء نتوسل اليه تعالى،و نثني عليه؟
(فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه).أي من وصف الله بالعالم و القادرو نحوهما،و أراد الصفة
التي هي غير الموصوف فقد جعل له قرينا،و معنى القرينالصاحب،و ليس لله صاحب و لا صاحبة
قال الإمام(ع):و بمضادته بين الأمورعرف ان لا ضد له،و بمقارنته بين الأشياء عرف ان لا
قرين له.
(و من قرنه فقد ثناه).أي جعله اثنين،و واجب الوجود واحد(و من ثناه فقدجزأه).يقال:جزأه
تجزئة إذا قسمه..و الأزلي الأبدي لا ينقسم..بالإضافةالى أن القسمة تتنافى مع الكمال
المطلق.
(و من جزأه فقد جهله).لأنه قال على الله بغير علم و لا هدى و لا كتابمنير(و من جهله
فقد أشار اليه،و من أشار اليه فقد حده).المراد بالإشارةهنا التشخيص،و هذا من باب التعبير
باللازم و ارادة ما لا ينفك عنه هذا اللازم،لأن كل ما يمكن تشخيصه بحدوده و قيوده يمكن
الإشارة اليه حسيا كان أم عقليا،تقول:هذا فلان،و تقول:هذه نظرية صحيحة أو باطلة،و المراد
بالحدمنتهى الشيء و أطرافه،و ليس المراد به التحديد باصطلاح أهل المنطق.
و المعنى ان الجاهل يشخص الله في ذهنه حسبما يتوهم و يتصور،و لازم هذاان لله حدودا و
قيودا ينتهي عندها و لا يتجاوزها،و لذا قال الإمام الباقر(ع):
«كل ما وقع عليه و همك من شيء،فالله خلافه»ذلك ان الله تعالى ليس منشأنه أن يشخصه عقل،و
يدركه و هم،و قد تكرر هذا المعنى في كلمات آل البيت(ع)
من ذلك:«لا صورة له في الأذهان:و لا شبيه له في الأعيان..تفكروا فيالخلق،لا في الخالق»
.
(و من حده فقد عده).أي أحصاه و أحاط به..و العقل بما فيه من قوةو طاقة لا يكشف للانسان
عن نفسه و حقيقته،و لا يدرك كل ما في النملة و البعوضةمن خصائص و غرائز باعتراف العلماء
فضلا عن المجرات و غيرها من الكائنات،و اذن كيف يحيط العقل بمن لا بداية له و لا نهاية
:«و لا يحيطون بشيء منعلمه إلا بما شاءـ255 البقرة».و أقصى ما تتصوره العقول عن ذاته
تعالىانها فوق التصور.و من أدرك هذه الحقيقة،ثم مر بخياله صورة لله تعالى من الصورـأيقن
بفسادها،و أسرع الى نفيها،و استعاذ بالله من الشيطان الرجيمو من جهل هذه الحقيقة،ثم
رسم الشيطان في عقله صورة لله سبحانهـآمن بهاو أيقن..و بهذا يكمن السر في قول الإمام
(ع):«و من جهله الخ».
(و من قال فيم فقد ضمنه).«في»ظرف تستعمل في الزمان و المكان،تقول:كان هذا في وقت كذا
أو مكان كذا،أي فيه وحده لا في غيره،و ضمنه:حصره في مكان معين،أو زمان معين،و الله سبحانه
لا يخلو منهزمان و لا مكان،و نسبته الى كل شيء واحدة بلا آلة أو حركة.قال الإمام(ع)
:
«لا تصحبه الأوقات،و لا ترفده الأدوات..و لا يجري عليه السكون و الحركة..
و لا يحول و لا يزول».هذا،الى ان الموجود في شيء مفتقر اليه لا محالة،و الله غني عن
العالمين.
(و من قال علام فقد أخلى منه).من قال:ان الله جالس على الكرسيأو العرش فمعنى قوله هذا
ان سائر الأمكنة خالية منه تعالى و من قدرته،و لذاوجب تأويل الكرسي و العرش في بعض الآيات
بالسيطرة و الاستيلاء.و قال قائلللإمام الصادق(ع):على أي شيء كان اعتماد الله؟فأجاب
بأن اعتماده علىقدرته،أي لا اعتماد له على شيء اطلاقا حيث لا يعتمد على سواه إلا الضعيفالقاصر
.
(كائن لا عن حدث).تقول:حدث هذا،أي لم يكن موجودا فوجد.
و لا بد لكل حادث من سبب في حدوثه بعد أن كان مسبوقا بالعدم،و في بقائهو استمراره أيضا،لأن
طبيعة الممكن بما هي لا تقتضي حدوثا و لا بقاء إلا بسببخارج عنها.و الله سبحانه أزلي
لا أول له،و هو سبحانه مسبب الأسباب،و لاسبب له،لاستحالة التسلسل في العلل،و ضرورة الانتهاء
الى علة أولى(موجودلا عن عدم).لأن أزله سبق العدم،و منه يبتدىء كل شيء،و اليه تنتهيجميع
الأشياء..انه يبدأ الخلق ثم يعيده..«فويل للذين كفروا من مشهد يومعظيمـ37 مريم».
(و مع كل شيء لا بمقارنة،و غير كل شيء لا بمزايلة).المزايلة:المفارقة،و المعنى انهتعالى
مع كل شيء بعلمه و قدرته،و بعيد عن كل شيء بكنهه و حقيقته..فلا اتحاد و لاانفصال،و
لكن صلة بين الخالق و المخلوق،و بين العلة و المعلول.و جاء في أصول الكافي عن الإمام
أمير المؤمنين(ع)انه قال في تمجيد الله سبحانه:«قريب فيبعده،بعيد في قربه،فوق كل شيء،و
لا يقال:شيء فوقه،أمام كلشيء،و لا يقال له:أمام،داخل في الأشياء،لا كشيء داخل في
شيء،و خارج عن الأشياء،لا كشيء خارج من شيء،سبحان من هو هكذا،و لاهكذا غيره».
و قال الملا صدرا في شرح هذا الكلامـما تلخيصه و توضيحه:هو قريبمن الأشياء،لأنه خالقها،و
به حدوثها و بقاؤها،و هو بعيد عن الأشياء،لأنالخالق أعظم من المخلوق،و العلة أكمل من
المعلول لاستغنائها عنه،و افتقارهاليها،و الله فوق كل شيء،لإحاطته بالأشياء،و لا يقال
:فوقه شيء،لأنهغير متناهي الوجود،و هو أمام كل شيء،لأنه خالقها،و الخالق أسبق في الوجودمن
المخلوق،و مع هذا لا يقال له:أمام،لأنه أزلي لا أول له،و هو داخلفي الأشياء،لأن وجودها
مستمد من وجوده تماما كما يستمد الكل وجوده منوجود أجزائه،و هو خارج عن الأشياء،لأنه
مستقل عنها من كل وجه،و هي رشحة من رشحات وجوده..و بهذا نجد تفسير قوله تعالى:و نحن
أقرباليه من حبل الوريدـ16 ق.و قوله:و هو معكم أينما كنتمـ4 الحديد.
و قوله:ليس كمثله شيء.
(و فاعل لا بمعنى الحركات و الآلة).و خير تفسير لهذه الجملة قول الإمامنفسه(ع):«فاعل
لا باضطراب آلة،مقدر لا بجولة فكر،غني لا باستفادة.
لا تصحبه الأوقات،و لا ترفده الأدوات».و أبلغ من هذا و أجمع قوله تعالى:
إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكونـ82 يس.
(بصير اذ لا منظور اليه من خلقه).المنظور اليه ما يقع عليه النظر.و المعنىان الله عالم
بخلقه قبل أن يخلقهم،و مثله قول الإمام(ع):«عالم إذ لا معلومو رب إذ لا مربوب،و قادر
إذ لا مقدور».أي ان واجب الوجود عالم قادربمحض وجوده،لأن قدرته و علمه و ذاته شيء واحد،و
لما أراد سبحانه أن يخلقالأشياء وقع العلم على المعلوم السابق في علمه،و وقعت القدرة
على المقدور السابقفي قدرته.
(متوحد إذ لا سكن يستأنس به،و لا يستوحش لفقده).قد يدخل الواحد في عداد الاثنين و الثلاثة
الخ،و أيضا يطلق على الضعيف الذي لا ناصر له و لامعين،و على المتوحد المستوحش لفقد الجليس
و الأنيس،و الله منزه عن القلةو الضعف،و عن الوحشة و الاستيناس.و المراد بوحدته تعالى
تفرده بالسلطان و الكمال.
قال الإمام(ع):«واحد لا بعدد،دائم لا بأمد،كل مسمى بالوحدة غيرهقليل».
أنشأ الخلق فقرة 7ـ8:
أنشأ الخلق إنشاء.و ابتدأه ابتداء.بلا روية أجالها،و لا تجربةاستفادها.و لا حركة أحدثها
.و لا همامة نفس اضطراب فيها.أحال الأشياء لأوقاتها.و لأم بين مختلفاتها.و غرز غرائزهاو
ألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها محيطا بحدودها و انتهائها.عارفا بقرائنها و أحنائها
.
اللغة:
الروية:النظر و التفكير.و أجالها،أدارها و رددها.همامة:من الاهتمام.
اضطرب:تحرك.أحال:من التحويل من حال الى حال.لأم:وافق.
غرائز:جمع غريزة،و غرزها جعلها غرائز.أشباح:أشخاص.قرائنها:ما يقترن و يصدر عنها.احنائها
:جوانبها.
الإعراب:
عالما حال من الضمير المستتر في ألزمها،و مثله محيطا و عارفا،أما الضميرالبارز في ألزمها،و
هو الهاء فيعود الى الغرائز.
المعنى:
(انشأ الخلق انشاء،و ابتدأه ابتداء).المراد بالخلق هنا الكون،و انشأهو ابتدأه بمعنى
أوجده على غير مثال سابق،و أثبت علماء الطبيعة بالتجربة أن العالمحادث،و يأتي البيان
عند المناسبة..و الله أوجد الكون أول ما أوجده من لاشيء،و إلا فأي فرق بينه و بين من
يصنع شيئا من أشياء،و أشياء من شيء،و إذا لم يكن للعالم من قبل عين و لا أثر فمن أين
يأتي المثيل و النظير؟
(بلا روية أجالها،و لا تجربة استفادها،و لا حركة أحدثها،و لا همامةنفس اضطرب فيها).هذه
الأوصاف الأربعة كلها للمخلوق..و لذا نفاهاالإمام(ع)عن الكمال الذاتي المطلق..فالروية
عملية تفكير و تأمل لاستخراج مجهولمن معلوم،و مثلها التجربة بإضافة الرؤية الى الروية،و
بكلمة أوضح:الرويةعقل،و التجربة حس،و كل منهما طريق و وسيلة الى المعرفة،و الحركة منلوازم
الجسم،و لا دافع على الاهتمام بالشيء إلا الحرص على المنفعة و الخوف منفقدها و زوالها
..و الله قادر و عالم و غني بالذات،لا بالأوصاف،و بما هو لابالوسائل،يحيط بكل شيء،غني
عن كل شيء،و له المثل الأعلى،لكماله الذاتيالمطلق من كل وجه.
(أحال الأشياء لأوقاتها).إذا اختار الله أمرا فإنما يختاره لحكمة بالغة،و لمصلحة تعود
على الخلق،لا عليه،جلت عظمته،فإذا اقتضت المصلحة وجودشيء في وقت معين أوجده سبحانه
فيه،لا يتقدم عليه،و لا يتأخر عنه..
و لا مانع في حكم العقل ان تتعلق الارادة الأزلية بإيجاد الحوادث في أوقاتها الخاصة،ما
دامت على ما هي قبل الحادث و بعده..و تجدر الإشارة الى ان قول الإمام:
«لأوقاتها»يومىء الى ان العالم لم يخلق دفعة واحدة بل على التدريج أو التطور،و أنكل
شيء يستند في وجوده و استمراره الى إرادته تعالى مباشرة أو بواسطة ما خلقو سبب من
الأسباب،و ان الطبيعة أو البيئة هي عامل يكيف الشيء الموجود،و لا يخلقه و يوجده..و
بهذا شهدت تجارب علماء الطبيعة،و قد ذكر أحمد أمينالعراقي أقوالهم في ج 2 من كتاب«التكامل
في الاسلام»ص 103 طبعة .3
(و لأم بين مختلفاتها،و عرز غرائزها،و ألزمها أشباحها).في الكون عوالمو عناصر متعددة
و مختلفة في جوهرها و وظائفها،فالروحـمثلاـغير البدن حقيقة و أثرا،و لكن كلا منهما لا
يقوم بوظيفته إلا اذا اقترن بالآخر،و هذاينطبق على كل عملية عضوية في الجسم ذي الأعضاء،فما
من عضو واحد منها يؤديوظيفته إلا باقترانه مع غيره،و هكذا سائر الكائنات أو الكثير
منها يرتبط بعضهامع بعض بنحو أو بآخر،و بهذا الترابط الطبيعي يسير الكائن في طريقه المرسومله،و
يحقق الغاية التي من أجلها وجد.
و يعني هذا التلاؤم و الترابط انه لا شيء وجد صدفة أو عبثا..و أين مكانالصدفة و العبث؟هل
هو في هذا النظام المحكم الدقيق الذي يخضع له الكون و لايتعداه بحال؟أو هو في التقدير
الكمي و الكيفي و الزمني لكل كائن؟أو هو فيالتعاون بين الكائنات على البناء و التعمير؟أبدا
لا تفسير لذلك إلا بوجود القديرالحكيم،و انه المصدر الأول لكل شيء ايجادا و امدادا،و
لولاه لا شيء علىالاطلاق.
(عالما بما قبل ابتدائها،محيطا بحدودها و انتهائها،عارفا بقرائنها و أحنائها).
نحن نعرف شيئا،و تغيب عنا أشياء،و أيضا لا نعرف هذا الشيء إلا بعدوجوده،أو عند وجود
أسبابه و علاماته.و مع هذا نعرف منه الوجه الظاهر،و تغيب عنا أكثر الوجوه.حتى أنفسنا
لا نعرف عنها إلا أقل القليل.و فوق ذلككله ان معرفتنا القليلة الناقصة لا تحصل إلا
بالجد و الاكتساب.و الله سبحانه يعلمكل شيء على حقيقته،و من جميع جهاته:متى يوجد؟و
أين؟و كيف؟
و ما يحدث له؟و في أي أمد ينتهي؟لأنه هو الذي أبدعه و قدره تقديرا.و علمهبذلك هو هو
قبل الخلق و بعده لا تحويل و لا تغيير،و السبب الأول و الأخير هوكماله المطلق بلا قيود
و حدود،و لا بداية و نهاية،و إلا كان معلولا لا علة،و مخلوقا لا خالقا.تعالى الله عما
يصفون.
خلق السموات فقرة 9ـ13:
ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شق الأرجاء و سكائك الهواءفأجرى فيها ماء متلاطما تياره
:متراكما زخاره.حمله على متن الريح العاصفة،و الزعزع القاصفة.فأمرها برده،و سلطها علىشده،و
قرنها إلى حده.الهواء من تحتها فتيق،و الماء من فوقهادفيق.ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم
مهبها و أدام مربها.و أعصفمجراها،و أبعد منشاها.فأمرها بتصفيق الماء الزخار،و إثارةموج
البحارفمخضته مخض السقاء،و عصفت به عصفها بالفضاء.ترد أوله إلى آخره،و ساجيه إلى مائره
.حتى عب عبابه،و رمىبالزبد ركامه فرفعه في هواء منفتق،و جو منفهق،فسوى منهسبع سموات
جعل سفلاهن موجا مكفوفا و علياهن سقفا محفوظا.و سمكامرفوعا.بغير عمد يدعمها،و لا دسار
ينظمها.ثم زينها بزينةالكواكب،و ضياء الثواقب.و أجرى فيها سراجا مستطيرا،و قمرا منيرا
.في فلك دائر،و سقف سائر،و رقيم مائر.
اللغة:
الفتق بفتح الفاء:الشق،و هو ضد الرتق.و الأجواء:جمع جو.و الأرجاءالجوانب و الأطراف.و
المراد بالسكائك هنا طبقات الجو.و الهواء:الجو.و التيار: موج البحر.و الزخار:الممتلىء
.و العاصفة:الريح الشديدة.و زعزعة الشيء: تحركه.و على شده أي جذبه و إمساكه.و الى حده
:جعل امتداد الريح علىقدر امتداد الماء.و الفتيق:الخالي الذي لا شيء فيه.و الدفيق:من
الدفق،و هوالصب.و اعتقم:جعل الريح عقيمة لا تلقح شيئا.و هبت الريح:ثارث و هاجت.و مهبها
موضع هبوبها.و المرب:محل الاقامة.و أعصف:جعلهشديدا.و المنشأ موضع النشأة،يقال:مولدي
و منشأي في كذا،أي موضع ولادتي و نشأتي.و مخضته:حركته تحريكا شديدا.و الساجي:الساكن
.و المائر:المتحرك.و عب:ارتفع.و الزبد:ما يعلو الماء.و الركام:المتراكم بعضه فوقبعض
.و منفتق:منشق و مفتوح.و منفهق:واسع.و الموج المكفوف:الجامد.و الدسار:مسمار و نحوه.و
الثواقب:النجوم المنيرة المشرقة.و السراج المستطير:المنتشر الضياء.و سائر:متحرك.و الرقيم
:اللوح،و المراد هنا:مثل الرقيم.و مائر:متحرك.
الإعراب:
(ثم أنشأ)للشارحين أقوال طويلة في«ثم»هذه،و أظهرها انها عطف علىمعنى الكلام المتقدم
عن قدرة الله سبحانه،و انه يخلق بلا حركة و لا همامة نفس الخ،و متلاطما صفة للماء،و
تياره فاعل لمتلاطم،و مثله متراكما زخاره،و في فلكمتعلق بمحذوف صفة ثانية للسراج و
القمر.
حول الكون:
تكلم الناس كثيرا عن طبيعة الكون و أصله،و عن هيئته و شكله في أول وجودهو تكوينه:هل
وجد من التراب و الماء و النار و الهواء،أو من النار وحدها،اومن الماء فقط،أو من أشياء
كثيره؟و هل كان وجوده دفعة أو بالتدريج،الى غير ذلك..و قال الناس عن الكون ما شاء لهم
الوهم و الخيال..و هذا مادعا الإمام(ع)ـكما نظنـأن يشير في خطبته هذه الى أصل الكون،و
قديكون الغرض أن تعرف الأجيال القادمة ان الغيب الذي نطق به علي عن النبي(ص)عن الله
سبحانه هو حق و صدق.
و مهما يكن فقبل أن نفسر المراد من قوله(ع)نمهد بما يلي،لا بقصد التسهيلو التيسير على
فهم ما قصد،و أراد(ع)بل غرضنا الأول أن يتثبت الشاكون،و لا يتسرعوا الى الحكم بأن قول
الإمام لا يتفق مع رأي علماء الطبيعة الجدد،و لايعتمد على شيء،و ان يعلم الجميع ان
من قال هذا فقوله هو الجدير بهذا الوصف..
و الدليل: 1ـان علماء الطبيعة لم يتوصلوا الى الاتفاق على تفسير علمي لمبدأ الكون،و
لا كيف وجد؟و كم مضى له من العمر..فمنهم من قال:بدأ الكون بانفجارمن كتلة المادة البدئية،و
لكنه لم يبين نوع هذه الكتلة البدائية.و قال آخر:بدأالكون من السديم،أي الضباب الرقيق
.و قال ثالث:بدأ من غاز الهيدروجين.و لكن من أين جاء هذا الغاز،أو تلك المادة البدائية،أو
ذاك السديم؟هلوجد صدفة،أو وجد لنفسه بنفسه،أو هو من قوة عليا..أبدا لا جواب،أو جواب
بلا دليل..و فوق ذلك ان الكلام في بدء الكون حيث لا شيء إلاالعدم،لا في وجود شيء نحاول
معرفته و العلم به،و اذن فتنبؤ هؤلاء أو تخرصهمبعيد عن موضوع الكلام و السؤال كل البعد،و
كان عليهم أن يبحثوا أولا و قبلكل شيء:هل العالم حديث أو قديم؟و قد أثبت كثير من العلماء
الجدد انهحادث،و نذكر أقوالهم عند المناسبة.
و قال رابع من علماء الطبيعة:«كل ما لدينا من معلومات لا تصحح نظريةواحدة عن الكون»
.و هذا العالم هو الدكتور(ماري)الأستاذ في جامعة سيدني،و يهتم اهتماما بالغا بالكون و
أصله.(ج 1 ع 3 ص 5 من مجلة عالم الفكرالكويتية).
و أيضا اختلفوا في الكون:هل وجد بخطوطه الكبرى على الحال التي هو عليهاالآن،أو تغير
عما كان عليه؟.و اختلفوا أيضا في عمر الكون،فمن قائل:
هو ستون ألف مليون سنة،و قائل:بل عشرة آلاف مليون،و قال ثالث:
لا دليل على العمر اطلاقا.و قال الدكتور فؤاد صروف نائب رئيس الجامعةالأمريكية بيروت
:«و النقاش العلميـأي في أصل الكون و عمرهـقائم علىقدم و ساق.»(مجلة عالم الفكر ج 2
ع 2 ص 17).
و بعد هذا،هل يسوغ لقائل أن يقول:ان كلام الإمام(ع)عن خلقالكونـلا يتفق مع رأي علماء
الطبيعة؟..أجل،له أن يسأل و يقول:و لكنما هو الدليل على ان الماء أصل الكون كما جاء
في خطاب الإمام؟.
و نحن أيضا نسأل بدورنا:هل من دليل قاطع من الحس أو العقل على خلافما قاله الإمام(ع)؟
.و هل من المستحيل أن يتقدم العلم،و يكشف بعد أجيالو قرون ان ما قاله علي(ع)في خلق الكون
هو الحق الذي لا ريب فيه،تماما كما اكتشف ان النقطة الواحدة من الماء الذي نشربه فيها
عجائب و غرائب منالمخلوقات و الكائنات الحية التي أشار اليها الإمام بقولهـقبل ألف
عام أو أكثرـ:«لا تبل في الماء فإن للماء أهلا».و مثله قول أستاذه الصادق الأمين(ص)
:
«ان الهواء فيه خلق كثير.»و قبل الميلاد بخمسة قرون قال الفيلسوف اليوناني«انكساجوراس»
:ان القمر مجرد جسم يشبه الأرض.و في القرن الثالث قبلالميلاد أيضا قال«ارستراكوس»اليوناني
:ان الأرض تدور حول محورهاو حول الشمس.و في القرن الأول الميلادي قال«بلوتارك»:في القمر
أوديةو تلال..و سخر الناس آنذاك من هذه الأقوال،و عدوها سخفا و هراء..و بعد ألفيسنة
صعد الانسان الى القمر،و وطأه بقدميه،و رآه تماما كالأرض..هذا،و انكساجو راسو غيره
من الذين صدقوا في نبؤاتهمـلم يأخذوا العلم من خالق الأرض و السماءكالأنبياء و تلاميذهم
الأولياء..و ما يدرينا ان الأيام سوف تثبت قول الإمام فيتفسير الكون،كما أثبتت ان القمر
مثل الأرض؟.و ما أكثر الشواهد في هذاالباب.
2ـهل من دليل قاطع على أن هذا الكون الذي نعيش فيه الآن هو بالذاتالكون الأول بجميع
خطوطه و تفاصيله؟.ان كلام الإمام(ع)واضح و صريح فيمبدأ الكون الأول الذي سبق الأكوان
كلها،و ما سبقه إلا العدم و الخواء،و قدمضى الأول إلى غير رجعة،و جاء بعده أكوان و أكوان
..هكذا نطقت الرواياتعن أهل البيت(ع).منها قول الإمام الباقر حفيد الإمام أمير المؤمنين
(ع):
و الله لقد خلق الله ألف عالم،و ألف آدم قبل هذا العالم،و ما فيه من الآدميين..
و قال أيضا:سيفنى هذا العالم،و يخلق الله عالما آخر يعيش فيه عوالم آخرون.(كتاب التوحيد،للصدوق)
.
و على هذا اليقين عندنا،و الاحتمالـعلى الأقل عند غيرناـلو اتفق أهلالأرض جميعا على
أن تفسير الإمام(ع)لخلق الكون لا ينطبق على هذا الذينعيش فيه،لو وجد هذا الاتفاق يبقى
قول الإمام على حصانته و قداسته،لأنهعن العالم الأول،و ليس عن عالمنا هذا اللاحق بما
فات،و السابق لما هو آت:
و تسأل:ان قول الإمام(ع)صريح في العالم،ما في ذلك ريب،و لكنمن أين أخذ العلم به،و قد
ذهب هذا العالم بما فيه،و جاء بعده عوالم و عوالم..
و هل هذا إلا قول بالغيب؟ و قد أجاب الإمام(ع)عن ذلك بقوله:«ليس هو بعلم غيب،و إنما
هوتعلم من ذي علم».يريد(ع)ان مصدر علمه هو رسول الله(ص)عن جبريلعن الله سبحانه الذي
لا خالق إلا هو..و من أجل هذا تكلم الإمام(ع)بثقةو يقين،لا بحدس و تخمين..كيف؟و هو القائل
:«لا تقل ما لا تعلم»بللا تقل كل ما تعلم،فان الله فرض على جوارحك كلها فرائض يحتج بها
عليكيوم القيامة».و كل الناس يعلمون ان عليا تنسجم أقواله مع أفعاله،و أفعاله معدينه
و ضميره.
سؤال ثان:ان هذا الجواب لا يستمع اليه الا من آمن بالغيب،و بصورة أخصبنبوة محمد(ص)أما
من جحد و أعرض فإنه يهزأ و يسخر.
الجواب:
نحن نؤمن بالغيب،و بعصمة الأنبياء و الأئمة الأطهار،نؤمن بذلك للدلالةالقاطعة،بل و الضرورة
الواضحة،و قد أعلنا هذه الأدلة على الملأ فيما سبق منالأجيال و في هذا الجيل ليطلع
عليها من أحب..و ليس من شرط العمل بالدليلأن يثبت عند كل الناس و إلا ما اختلف اثنان،بل
يكفي لصحة العمل به أنيثبت عند من يركن اليه.و من أجل هذا لا نفرض نحن أدلتنا على جاحد
أومشكك،و كل ما نطلب من هذا و ذاك أن يعاملنا بالمثل،و لا يفرض علينارأيه،و ان يراجع
التفكير قبل الجزم،و يتروى قبل الحكم بأن هذه النظرية أوتلكـمثلاـهي ضد الحق و الواقع
مع العلم بأنها قيد البحث و الدرس عندالعلماء،و انهم في حيرة من أمرها..و هذا هو شأنهم
في الكثير من النظرياتو الأفكار،و منها نظرية الخلق.بل ان صاحب أعظم عقلية علمية في
هذا العصرو هو اينشتاين قال:«ان العقل البشري مهما بلغ من العظمة فهو عاجز عن الاحاطةبالكون»
.و نحن نؤمن بهذا،و بأنه لا أحد يحيط بالكون و أصله إلا خالق الكون،أو من ارتضى من عباده
:«عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضىمن رسولـ27 الجن».و إذا كان اينشتاين
نفسه عاجزا عن معرفة الكونالذي عاش فيه باعترافه،فكيف يسوغ الحكم على قول الإمام(ع)
في الكون الأولبأنه يصادم الواقع،و يخالف العلم الحديث؟..هذا هو غرضنا الأول و الأخير
منهذه الفقرة أو من هذا التمهيد..و السلام على من قال:رب ملوم لا ذنب له.
و بعد أن تبين هذا معنا نفسر كلمات الإمام بمداليلها الحرفية و معانيها الحقيقيةحيث
لا مبرر للتأويل من حس أو عقل.
المعنى:
(ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء،و شق الأرجاء،و سكائك الهواء).هذهالكلمات الثلاث كلها
تشير الى شيء واحد،و هو الفضاء أو الفراغ اللانهائي،و أيضا تشير الى ان لهذا الفراغ
أبعادا ثلاثة:علوا،و اليه أومأ الإمام بالأجواء،و أطرافا،و هي مراده من الأرجاء،و طبقات،و
عنها عبر الإمام بالسكائك،و جمع الأجواء و الأرجاء و السكائك،و لم يعبر عنها بالإفرادـبالنظر
الى تعددطبقات الفضاء الكوني،و هذه الطبقات اكتشفت بالحس و التجربة بعد غزو الفضاءو
صعود الانسان الى القمر.
و يطلق علماء الفلك على كل مجرة يعرفونها أي المجموعة النجمية،يطلقونعليها كلمة سكة
بإضافة كلمة أخرى تميزها عن غيرها من المجرات،و اسم مجرتناالتي نرى بعض كواكبها سكة
التبانة..و مما قرأت ان علماء الفلك اكتشفوا حتىالآن مئة مليون مجرة من بلايين البلايين
من المجرات،و كل مجرة تتألف منبلايين النجوم،و في مجرتنا وحدهاـأي سكة التبانةـيوجد
أكثر من مئة مليارمن النجوم،بعضها أكبر من الأرض بأكثر من ثلاثمئة ألف ضعف.
و قال المتخصصون بإثارة الخلافات الكلامية:ان الفضاء مخلوق بدليل قولالإمام:«أنشأ فتق
الأجواء الخ».فرد آخر منهم بأن الفضاء عدم محض،و العدم لا يتعلق به الخلق و الانشاء
..و نحن لا نرى أية جدوى عملية من هذاالنزاع،و لا نحن غدا عنه بمسؤولين..و الذي نفهمه
ان الله سبحانه جعل الفضاءحيزا و مقرا للكائن الأول من خلقه.
(فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره).ضمير فيها يعود الىالأجواء و الأرجاء
و السكائك،و متلاطما و متراكما كناية عن كثرة الماء و عظمته،و امتداده و ارتفاعه،و يدل
هذا على ان المخلوق الأول لله تعالى هو الماء،و انهتعالى أوجده في الجو محمولا على
ريح كثيفة و قوية للغاية،كما قال(ع):(حمله على متن الريح العاصفة،و الزعزع القاصفة)
.الضمير في حمله يعود الىالماء:و العاصفة:الشديدة الهبوب،و الزعزع:التحريك.
(فأمرها برده،و سلطها على شده،و قرنها الى حده).الهاء في أمرهاو سلطها و قرنها للريح،و
في رده و شده و حده للماء..و قرنها الى حده أي ان اللهسبحانه جعل الماء و الهواء من
حيث المساحة قدرا بقدر طولا و عرضا،و المعنى انالله سبحانه بعد أن خلق الماء فوق الريح
و على قدرها أعطاها،جلت حكمته،قوة عظيمة و جاذبية تستطيع معها أن تشد الماء اليها على
ضخامته بحيث لا يسقطمنه قطرة واحدة من أطرافه و لا من خلاله.
(الهواء من تحتها فتيق،و الماء من فوقها دفيق).الهواء الجو و الفضاء،و فتيق أي خال لا
شيء فيه،و دفيق أي دافق بمعنى مدفوق،و الهاء في تحتهاو فوقها للريح،و المعنى انه كان
آنذاك فوق الريح ماء،و تحتها فضاء.
(ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها،و أدام مربها،و أعصف مجراها،و أبعدمنشاها،فأمرها بتصفيق
الماء الزخار،و اثارة موج البحار).هذه الريح غيرالريح الأولى التي تحمل الماء،و المعنى
ان الله سبحانه خلق ريحا ثانية فوق الماء،و هذه الريح عقيمة لا تلقح شيئا،و ملازمة للماء
و قوية جدا،و موضعها بعيدالمدى(فمخضته مخض السقاء،و عصفت به عصفها بالفضاء،ترد أوله
الى آخره،و ساجيه الى مائره حتى عب عبابه).أي انه تعالى سلط هذه الريح الثانية علىالماء
فحركته تحريكا قويا حتى ارتفع،و تراكم بعضه فوق بعض.
(و رمى بالزبد ركامه،فرفعه في هواء منفتق،و جو منفهق).ركامه أيمتراكمه،و الهاء في رفعه
لله سبحانه،أو للماء،و عطف الجو المنفهق على الهواءالمنفتق من باب عطف التفسير،و المراد
انه كان من نتيجة تحريك الريح للماء بقوةو شدة ان تبخر الماء،و صار بخارا كثيفا،و يسمى
هذا البخار الكثيف المتجمدزبدا،فرفعه الله تعالى في الفضاء.
(فسوى منهـأي من الزبدـسبع سموات).قلنا في المجلد السابع منالتفسير الكاشف ص 358،و
نحن نفسر الآية 12 من سورة الطلاق:
ان ذكر السبع لا يفيد الحصر بها،و إنما خصها الوحي بالذكر لأن الذينخوطبوا بالقرآن
آنذاك كانوا يسمعون عن الأفلاك السبعة و كواكبها دون غيرها. قال المؤرخون:ان الكلدانيين
اشتهروا بعلم الهيئة،و توصلوا الى معرفة الكواكبالسبعة السيارة،و توارثت الأمم هذه
المعرفة عن الكلدانيين جيلا بعد جيل حتىزمن العرب الذين نزل القرآن بلسانهم،فخاطبهم
عن السماء بما اعتادوا أن يخاطبوابه فيما بينهم.
و تسأل:كيف تجمع بين قوله تعالى:«ثم استوى الى السماء و هي دخانـ11 فصلت».و بين قول
الإمام(ع):ان الله خلق السموات من زبد الماء؟
و أجابوا بأن المراد بالدخان في الآية الكريمة البخار المتصاعد من الماء بسببتموجه
و شدة حركته،و الزبد عبارة عن بخار كثيف يتصاعد على وجه الماء منحرارة الحركة،فإذا
غلبت عليه الكثافة بقي على وجه الماء و إلا انفصل عنه،و إذا كان الزبد بخارا في حقيقته
و في أصله،و أيضا كان المراد بالدخان في الآيةالبخارـيكون المعنى واحدا و لا اختلاف
إلا في التعبير..هذا،الى أنه روىصاحب البحار عن الإمام علي(ع)ان سائلا سأله:مم خلق
الله السموات؟
فقال:من البخار،و عليه يكون قوله هذا تفسيرا و بيانا للزبد.
(جعل سفلاهن موجا مكفوفا).ما من جرم في السماء إلا و هو في حركةدائمة لا يقف لحظة واحدة،بل
يدور حول نفسه أو غيره،أو ينتقل كل يومأو كل شهر أو كل عام من موضع إلى موضع،و لذا
شبه الأجرام السماويةبالموج الدائم في حركته،و خص بالذكر الجهة السفلى مع ان الجرم يتحرك
بكامله،لأن هذه الجهة يمكن رؤيتها من الأرض،و لو بواسطة المراصد،و المراد بالمكفوفالجمود
و عدم السيلان.(و علياهن سقفا محفوظا)من الخلل و نحوه،و يطلقالسقف على جهة العلو من
كل شيء.و تجدر الاشارة الى ان التعبير بأعلى و أسفلو فوق و تحتـإنما يصح بالنسبة الى
ما يراه أهل الأرض بأعينهم،أما الأجرامالسماوية السابحة في الفضاء فلا أرض عندها كي
توصف بهذه الكلمات الاضافية،بل كل شيء بالنسبة اليها فضاء،و عليه يكون وصف السموات
بالأعلى و الأسفلتجوزا،لا حقيقة.
(و سمكا مرفوعا).قال سبحانه:رفع سمكها فسواها 27 النازعات.
أي رفع أجرام الكواكب فوق رؤوسنا فعدلها بوضع كل جرم في موضعه الذيبه يتماسك و يتجاذب
مع غيره من الأجرام(بغير عمد يدعمها،و لا دسار ينظمها). الأجرام السماوية قائمة في الهواء،لا
ترتكز على شيء،و لا يشد بعضها ببعضمسمار أو غيره سوى ما أودع الله فيها من الجاذبية
التي تحكم جميع الكواكب.
(ثم زينها بزينة الكواكب).قيل:ان الهاء في زينها تعود الى السماءالدنيا،لأن الله قال
:«انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب».و الظاهر ان الهاء فيزينها و يدعمها و ينظمها
تعود كلها الى شيء واحد،و هي«سبع سموات»لأنهافي سياق واحد،و العطف بالواو يقتضي المشاركة،و
المعنى ان الله سبحانه جعلالسموات زينة و جمالا بما فيها من الكواكب،ثم بين السبب الموجب
لهذه الزينةبقوله:(و ضياء الثواقب،و أجرى فيها سراجا مستطيرا،و قمرا منيرا في فلكدائر،و
سقف سائر،و رقيم مائر).المراد من الثواقب هنا النجوم و الكواكبما عدا الشمس و القمر
حيث أفردهما الإمام(ع)بالذكر.و السراج المسطيرالشمس،و فلك الشيء مداره،و المعنى ان
النجوم و الشمس و القمر كلها تسبحفي الفضاء الرحب،و ان ما يراه الانسان فوقه في السماء
كان تحته قبل ساعات،و ما يراه في المساء على يمينه كان على يساره في الصباح،و هذه الأجرام
الفلكيةالمضيئة المتحركة هي زينة للناظرين..بالاضافة الى سائر المنافع التي لا يبلغهاالاحصاء
.
و تجدر الاشارة الى ان الأرض تدور حول الشمس،و القمر يدور حول الأرض،فهو تابع في دورانه
لتابع.و ما كان كذلك يسمونه قمرا لا كوكبا(مع الله فيالسماء لأحمد زكي).
الملائكة فقرة 14ـ16:
ثم فتق ما بين السموات العلا.فملأهن أطوارا من ملائكتهمنهم سجود لا يركعون،و ركوع لا
ينتصبون،و صافون لايتزايلون و مسبحون لا يسأمون.لا يغشاهم نوم العين.و لا سهوالعقول
.و لا فترة الأبدان.و لا غفلة النسيان.و منهم أمناء على وحيه،و ألسنة إلى رسله،و مختلفون
بقضائه و أمره.و منهمالحفظة لعباده و السدنة لأبواب جنانه.و منهم الثابتة في الأرضينالسفلى
أقدامهم،و المارقة من السماء العليا أعناقهم،و الخارجة منالأقطار أركانهم،و المناسبة
لقوائم العرش أكتافهم.ناكسة دونهأبصارهم.متلفعون تحته بأجنحتهم.مضروبة بينهم و بين
مندونهم حجب العزة و أستار القدرة.لا يتوهمون ربهم بالتصوير.و لا يجرون عليه صفات المصنوعين
.و لا يحدونه بالأماكن.و لايشيرون إليه بالنظائر.
مشكل و شائك:
نحن نجهل تمام الجهل حقيقة الملائكة و صورهم و حياتهم و أحاسيسهم و حواسهم:أهم أجسام
و أرواح،أو أرواح مجردة عن الأجسام؟و هل يفرحون و يحزنون؟الله أعلم.
و لو قدر لي أن أكون ملكا أو أي مخلوق آخر لآثرت أن تكون لي غرائزالأطفال و كفى..و كل
ما يتصوره الانسان عن الجن و الملائكة فهو حدس و تخمينلأنه غيب في غيب،حيث لا مكان
لهذا الموضوع الشائك في العقل،و لا في الحس.أجل،نحن كمؤمنين بالله و كتابه و بالنبي
و سنته يجب علينا أن نعتقد بوجود الجنو الملائكة،أما أين مكانهم؟و ما هي حقيقتهم،و
هيئتهم و مهنتهم؟فلا يجبعلى المسلم أن يعرف أو يسأل عن شيء من ذلك،لأنه لا يمت الى
الحياة و أصولالعقائد بسبب.
و تكلم رجال من الشيعة و السنة عن عصمة الملائكة بوجه العموم،و سودوا فيذلك العديد
من الصفحات،بل تكلم بعضهم عن حقيقة الملائكة و شؤونهم و أطوارهم، و مضوا فيه مع الخيال،و
ما بينوا المقصود من بحثهم و تحقيقاتهم..و إذا تكلمالمعصوم عن الملائكة فإنما يتكلم
بقصد التقديس و التعظيم لقدرة الله تعالى عن علمو يقين بالواقع،أما نحن فكما أشرتـلا
نعلم من أمرهم شيئا،و لا نعرفأحدا تخصص بهذا الموضوع«الغيبي»كي نتتبع أقواله و ننقل
منها،بل لا نعرفمدرسة واحدة في العالم كله تدرس هذا الموضوع لطلابها..و إذن كيف تخوضفيه؟
.و العاقل يدع ما لا يستطيع الى ما يستطيع،و قد تواتر عن الرسول و آله(ص):
ان حق الله على العباد أن يقولوا ما يعلمون،و يقفوا عند ما لا يعلمون..و انالأمور ثلاثة
:أمر بين رشده فيتبع،و أمر بين غيه فيجتنب،و أمر مشكلفيرد الى الله و رسوله.
خلق آدم فقرة 17ـ19:
ثم جمع سبحانه من حزن الأرض و سهلها،و عذبها و سبخها،تربةسنها بالماء حتى خلصت.و لاطها
بالبلة حتى لزبت.فجبل منهاصورة ذات أحناء و وصول و أعضاء و فصول.أجمدها حتى استمسكت،و
أصلدها حتى صلصلت.لوقت معدود.و أمد معلوم.ثم نفخفيها من روحه فمثلت إنسانا ذا أذهان
يجيلها.و فكر يتصرفبها،و جوارح يختدمها،و أدوات يقلبها،و معرفة يفرق بها بينالحق و
الباطل و الأذواق و المشام و الألوان و الأجناس.معجونابطينة الألوان المختلفة،و الأشباه
المؤتلفة،و الأضداد المتعاديةو الأخلاط المتباينة.من الحر و البرد.و البلة و الجمود
.
اللغة:
الحزنـبفتح الحاءـما صعب من الأرض:ضد السهل.و السبخ:ماملح ضد العذب.و سن الماء:صبه.و
حتى خلصت:صارت طينة خالصة.
و لاطها:عجنها.و البلة:من البلل.و لزب الطين:لزق و صلب.و المراد بالأحناءالأضلاع و نحوها
.و بالوصول العصب و العروق التي تشد الأعضاء بعضها الى بعض.
و بالفصول المفاصل.و الصلد:الصلب الأملس.و الصلصال:الطين اليابس غيرالمطبوخ.و أذهان
:جمع ذهن أي الفهم.و فكرـبكسر الفاء و فتح الكافـجمع فكرـبسكون الكافـو هو النظر في الشيء
.و جوارح:جمع جارحة،و هو العضو الذي يستعمله الانسان في شؤونه.و الأذواق:جمع ذوق،و يكونباللسان
و الفرج،و يطلق أيضا على الطبع،و المراد بالألوان الأولى الأعراض كالسوادو الصفار،و
بالثانية الأحوال كالحر و البرد،و المساءة و المسرة.و الأخلاط:الأصنافالمختلطة.
الإعراب:
تربة مفعول جمع.و ذات صفة لصورة.و قال الشيخ محمد عبده تبعا لابن أبيالحديد:ان«الوقت»متعلق
بمحذوف حالا من ضمير التربة،و التقدير:معدةلوقت معدود!و الصحيح ان المجرور متعلق بصلصلت،و
المعنى ان طينة آدمبقيت جامدة لا حراك فيها الى أمد معلوم،و هو أمد النفخ.و ذا صفة«انسانا»
.
و فكر عطف على الأذهان،و مثلها جوارح،و هي ممنوعة من الصرف على وزنمفاعل.و معجونا صفة«انسانا»
.
حول آدم:
افتتح الإمام(ع)خطبته هذه بحمد الله و تمجيده،و نفي صفات المصنوعينعنه،ثم أشار الى
مبدأ الخلق،و أصل الكون المسبوق بالعدم،ثم الى خلقالملائكة..و هو يشير الآن الى أصل
الانسان الأول،من أي شيء خلق؟
و كيف تم خلقه؟و كما تكلم الناس عن الكون و حقيقته و أصله و عمره و أطواره فقد تكلموا
أيضا عن أصل الانسان و كنهه و تطوره،و كم مضى عليه من السنينفي هذه الأرض؟و وضعوا في
ذلك الكتب و الأسفار،و مع هذا لم يعرفوا عنهإلا القليل..و صدق من قال:«ان علم الانسان
بنفسه ما يزال محدودا،و ربمااستطاع أن يعرف عن غيره من الكائنات أكثر مما يعرفه عن أسرار
نفسه».
و لنفترضـو ان بعد الفرضـان الانسان يستطيع أن يعرف حقيقته علىأتمها جسما و روحا فإنه
لا يستطيع و لن يستطيع أن يعرف كيف تم خلق أبيهالأول..و ان ادعى ذلك مدعى طالبناه بالدليل
و سألناه:هل دليله التجربة؟
و بالبداهة ان التجربة تعتمد و تقوم على المجهر و التحليل الكيماوي،و أين هو الانسانالأول
حتى يراه الباحثون على شريحة المجهر،أو يحللوا في مختبراتهم أعضاءهو العناصر التي تألفت
منها هذه الأعضاء..أو ان المدعي يستدل بالعقل..و ليسمن شك ان معرفة العقل بأصل الانسان
و كيف تم خلقه تماما كمعرفته باسم و الديو حسبه و نسبه،و بقامته طولا و عرضا.
أو يستند المدعي الى الحفريات..و قد أعلن أهل الاختصاص أن أحدث الحفرياتتقول:ان الانسان
كان موجودا على وجه هذه الأرض منذ مليون سنة علىالتقريب..و بالبداهة ان هذا شيء،و
أصل الانسان شيء آخر..و حتى الآنما تجرأ أحد على الزعم بأنه عثر على رفات آدم أبي
البشر و حطامه..أو أنالمدعي يعتمد النقل و الرواية..و الشرط الأول في النقل أن يروي
ما رأت العينو شاهدت،و أية عين رأت خلق جدها و أبيها،بل أية عين رأت خلق نفسهابالذات؟
:«أشهدوا خلقهمـ19 الزخرف»..«أم خلقوا من غير شيءأم هم الخالقونـ35 الطور».
و إذن لا سبيل على الاطلاق الى العلم بأصل الانسان الأول،و كيف خلق إلاالوحي من خالق
الانسان،و على هذا الوحي وحده اعتمد الإمام(ع)عن خلقالانسان و أصله.
و الانسان سلسلة متصلة الحلقات،تبتدىء بآدم أبي البشر،و لا ندري بأيمولود تنتهي..و
لا يختلف مؤمن و جاحد على ان الانسان بجميع أفراده،من كانمنه و من يكون،هو من تربة
هذه الأرض و مائها و هوائها،و انه يعيش عليهاكضيف مؤقت،ثم يعود اليها لا محالة..أبدا
لا خلاف في شيء من ذلك، و إنما الخلاف:هل كان للإنسان وجود سابق في عالم آخر غير هذه
الأرض؟
و كيف وجد عليها؟هل وجد أول ما وجد على صورته الحالية أو على غيرها؟
و متى بدأ ظهوره على الأرض؟و ما هي العناصر التي تألف منها؟و من الذيأوجده؟و ما هو
الهدف من وجوده؟و هل له رسالة خاصة في هذه الدنيا،أو انه لا رسالة له إلا أن يصنع نفسه
على إرادته و حريته و هواه كما يقول الوجوديون..
و أيضا هل يخرج من الأرض بعد موته،و يعود ثانية الى الحياة؟..الى غير ذلكمن الموضوعات
و الخلافات.
ما أعجب الانسان!..انه يبحث عن نفسه بنفسه،و ربما هو الكائن الوحيدالذي امتاز بهذا الوصف
..و مع ذلك قال بعض أفراد الانسان:كان أبوه قردافتطور،و ترقى.و قال آخر:كلا،ان أباه تولد
من عفونة القذارات تماماكما تتولد الحشرات!..و لا أدري:هل يدلنا هذا القول و ذاك على
ان الانسانأنواع و أقسام:منها قرود،و منها حشرات في صورة الانسان..و انه يبتعد عنكمال
الله كل البعد كما تبتعد النملة عن حقيقة الانسان و كماله؟.
و مهما يكن فإن ما قاله الإمام(ع)هنا عن أصل الانسان هو شرح و تفسير لماجاء في القرآن
الكريم.
المعنى:
خلق الله سبحانه آدم من جسم و روح،و لكن بالتدريج لا دفعة واحدة،كمثل الباني يبني حجرا
على حجرـالمثال للتقريبـفخلق أولا جسما بلا روحو أيضا خلق هذا الجسم على أطوار كما
يظهر من قول الإمام(ع).و هذه الأطوارأربعة،و هي:
1ـ(ثم جمع سبحانه من حزن الأرض و سهلها،و عذبها و سبخها تربة).
حاكت مخيلة الانسان عن خلقه و وجوده أساطير و خرافات تماما كما حاكتها حولخلق الكون
و ما فيه،و ربما أكثر!..من ذلك ان الانسان كان موجودا في عالمغير محسوس قبل وجوده على
هذه الأرض!..و لكن نصوص القرآن تأبى ذلكو تقول:خلق الله آدم من تربة أرضنا هذه،و انه
تعالى نفخ فيه من روحه بعد أن خلق جسمه و سواه.قال الكليني في أصول الكافي:سئل الإمام
الصادق عنقوله تعالى:«و روح منه»فقال:هي روح الله مخلوقة خلقها سبحانه في آدم.
و قول الإمام:«جمع سبحانه تربة»صريح في ان آدم لم يكن له عين و لاأثر قبل هذه الأرض،و
قال تعالى:ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقهمن تراب ثم قال له كن فيكونـ59 آل عمرانأي
لم يكن في هذه الأرضفكان..فأبونا آدم من تراب،و نحن أيضا في لحمنا و دمنا من تراب،لأن
مانأكله من اللحوم و الحبوب و الفواكه و الخضار و النبات،كل ذلك كان في الأصلماء و
ترابا:«هو الذي خلقكم من ترابـ67 غافر».
أما قوله(ع):(من حزن الأرض و سهلها،و عذبها و سبخها)فهو إشارةالى ان الانسان كأمه الأرض
يجمع في استعداده و غرائزه بين المتناقضات و المفارقاتكالطيب و الخبيث،و الأسود و الأبيض،قال
الرسول الأعظم(ص):«خلقالله آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض،فجاء بنو آدم على مثل الأرض،منهم
الأسود و الأبيض و الأحمر،و ما بين ذلك».
2ـ(و سنها بالماء حتى خلصت،و لاطها بالبلة حتى لزبت).يشير بهذاالى قوله تعالى:إذ قال
ربك للملائكة اني خالق بشرا من طينـ71 ص.
و قوله في الآية 11 من الصافات:«من طين لازب».و لا نطيل في شرحالألفاظ،و قد ذكرنا مداليلها
في فقرة اللغة،و الأجدر أن نمعن النظر في مدىآخر،و نشير اليه بالأسلوب التالي:
و تسأل:لماذا لم يخلق الله آدم بكلمة«كن»؟.و ما هي الحكمة لخلقه منتراب؟أليس الله على
كل شيء بقدير؟
الجواب:
قال البعض:أراد سبحانه أن يعلم الناس الروية و الأناة و عدم الاستعجال فيأمورهم..أما
نحن فنظن انه تعالى أراد أن يعلم الناس انهم في الخلق سواء،لا فضل لأبيض على أسود،كما
قال الرسول الأعظم(ص):كلكم من آدم،و آدم من تراب..و ان يعتبروا بقدرة الله التي خلقت
من المادة الصماء إنساناعاقلا يفعل الأعاجيب،و يومىء الى ذلك قوله تعالى:أكفرت بالذي
خلقكمن ترابـ37 الكهفو أيضا أن يستدل الانسان على النشأة الثانية بالأولى كما تشير
الآية 5 من سورة الحج:«يا أيها الناس ان كنتم في ريب من البعثفإنا خلقناكم من تراب»
.و قال الإمام:«عجبت لمن أنكر النشأة الأخرى،و هو يرى النشأة الأولى!»و على أية حال فإن
الأرض هي البيئة الطبيعية للإنسان،و مصدر حياته و حضارتهو فيها يتعرف على خالقه و يعبده،و
منها يثب الى السماء و الكواكب،و اليها يعود،و لا غنى له عنها بحال حدوثا و بقاء،و هي
في غنى عنه في كل الأحوال.
3ـ(فجعل منها صورة ذات أحناء و وصول،و أعضاء و فصول).ضميرمنها يعود الى التربة،و المراد
بالصورة صورة آدم،قال سبحانه:و صوركم فأحسنصوركمـ64 غافر.و في جسم الانسان أجزاء كالرأس
و اليدين و الصدر و الرجلينو اليها أومأ بكلمة أعضاء،و فيه أضلاع،و اليها أشار بالاحناء،و
فيه مفاصل،و هي ملتقى العظام و لولاها لعجز الانسان عن الحركة،و قد عبر الإمام عنهابالفصول،و
فيه عصب يشد الأعضاء بعضها الى بعض،و هي المقصود من كلمةوصول من الوصل.
4ـ(أجمدها حتى استمسكت،و أصلدها حتى صلصلت،لوقت معدود،و أمد معلوم).بعد أن صار الماء
و التراب طينا جمد و تماسكت أجزاؤه،و أصبحجسما واحدا،يابسا و متينا،اذا هبت عليه الريح
سمع له صلصلة،و أسندجمود الطين و صلصلته الى الله،لأنه هو الذي خلق التراب و الماء،و
مزجهما حتىصارا طينا.
و بهذه الأطوار الأربعة تم الجسم و كمل،و مع هذا أبقاه سبحانه بلا روح الىأمد معين،لأن
حكمته تعالى قضت أن يكون لكل أجل كتاب.
الروح:
(ثم نفخ فيه من روحه).اختلفوا في معنى الروح من حيث هي،و بصرفالنظر عن التي نفخها سبحانه
في آدم أو مريم،فمنهم من قال:ان الله سبحانهحجب علمها من العباد،فلا ينبغي الحديث عنها
بحال لقوله تعالى:قل الروحمن أمر ربيـ85 الإسراء.و قال آخر:هي على هيئة الانسان،لها
رأسو يدان،و بطن و رجلان،و لكنها ليست انسانا!و قال ثالث:هي نور لطيف و هواء خفيف.و
نقل عن فلاسفة اليونان انهم يفرقون بين العقل و الروح و النفس،فالعقل أرفع و أشرف من
الروح،و هي أشرف من النفس.
و للروح في لغة القرآن معان،منها الرحمة:و لا تيأسوا من روح اللهـ87 يوسف.و منها جبريل
:نزل به الروح الأمينـ193 الشعراء.و منهاالقرآن:و كذلك أوحينا اليك روحا من أمرناـ52
الشورى.و القاسمالمشترك لمعنى الروح هو كل ما يحيا به الشيء ماديا و معنويا.
أما المراد بالروح التي نفخها سبحانه في آدم فهي الحياة..حتى و لو كانللروح ألف معنى
و معنى،لأن الحديث في كلام الإمام(ع)و في قوله تعالى:
فإذا سويته و نفخت فيه من روحيـ29 الحجرمساق عن جسد آدم الذيبقي جمادا بلا روح لوقت
معدود،و أمد معلوم..و مثلها تماما الروح التي نفخها سبحانهفي مريم:فنفخنا فيها من روحناـ91
الأنبياء»أي انه تعالى خلق جنينا فيرحم مريم بلا تلقيح.
حول الانسان:
(فتمثلت انسانا ذا أذهان يجيلها،و فكر يتصرف بها،و جوارح يختدمها،و أدوات يقلبها،و معرفة
يفرق بها بين الحق و الباطل،و الأذواق و المشام،و الألوان و الأجناس).قيل:ان الله سبحانه
خلق الانسان كي تتجلى فيه قدرتهو عظمته.و معنى هذا انه تعالى أنشأ الانسان على أكمل
وجه جسما و روحا بحيثلا شيء فوق كمال الانسان من هذه الجهة إلا خالق الانسان.و كفى
شاهدا على هذهالحقيقة عظمة محمد(ص)سيد الكونين الذي قال:انما أنا بشر..ان الانسانتماما
كالكون في عظمته و أسراره،كلما اكتشف منه سر خفيت منه أسرار..
و من أجل هذا أطلق بعضهم على الكون اسم الانسان الكبير،و على ابن آدم اسمالانسان الصغير
أو الكون الصغير..و لهذه التسمية وجه وجيه،فحتى الآنـو على الرغم من تقدم العلوم التي
رفعت الانسان الى القمرـلم ينجح العلماءفي التعرف على حقيقة الانسان،و كل ما فيه من
طاقات و أسرار..و اذا كانتحقيقة كل شيء هي ما يحققه ذلك الشيء فقد حقق الانسان أعجب
من العجب،و ما سوف يحققه في المستقبل القريب أو البعيد يفوق التصور،و يستحيل التنبؤبه
. و بهذا نجد السر لقوله تعالى:و في أنفسكم أفلا تبصرونو تدركون ان لهذاالانسان العجيب
خالقا أكمل و أعظم؟
قال الفيلسوف الانكليزي«جون لوك»:صحيح ان الله سبحانه لم يطبعحروفا في عقولنا نقرأها
عن وجوده،و لكنه أودع فينا إحساسا و إدراكا لا نحتاجمعه الى برهان أوضح على وجوده ما
دمنا نحمل ذاتنا معنا،و إذن نحن لا نستطيعأن نشكو من جهلنا بذلك،و بالتالي فلا نحتاج
لكي نعلم و نؤمن بوجود الله الىشيء أبعد من أنفسنا فإنها كافية وافية للدلالة على
وجوده تعالى.
(معجونا بطينة الألوان المختلفة،و الأشياء المؤتلفة،و الأضداد المتعادية،و الاخلاط المتباينة
من الحر و البرد،و البلة و الجمود).يشير الإمام(ع)بهذاالى أن في طبيعة الانسان و مزاجه
قوى عناصر،منها ما ينسجم بعضها مع بعضكانسجام العلم مع الحلم،و الصدق مع الوفاء،و كأنسجام
الجبن مع البخل،و الكذب مع الرياء..و منها ما يختلف بعضها مع الآخر،كاختلاف الرضىو
الغضب،و الضحك و البكاء،و الحفظ و النسيان،و غير ذلك..و كلها لخيرالانسان و صالحه،و
بقائه و استمراره،و لو نقصت منه صفة واحدة لاختل توازنالانسان،و لم ينتفع بشيء..و
نضرب لذلك مثلا واحدا:
لو لا النسيان لتراكمت الهموم على الانسان،و لم يستمتع بشيء،و لا نتهتحياته في أمد
قصير.و لو لا الحفظ لانسد باب العلم بشتى أنواعه،بل و لم يهتدالانسان الى أمه و أبيه،و
صاحبته و بنيه،و إذا خرج من بيته استحال انيعود اليه.
و هكذا سائر الصفات المتباعدة منها و المتقاربة..و كلها تجري على نظام مشترك،و قدر جامع،و
ان دل هذا على شيء فإنما يدل على وحدة الخالق و المدبر الذيلا إله إلا هو:قد جعل لكل
شيء قدراـ3 الطلاق.
و مما قرأت عن الانسان ما جاء في كتاب«مصباح الإنس»:
ان في الانسان خاصية المعادن،و هي الكون و الفساد،و خاصية النبات،و هيالنمو و الغذاء،و
خاصية الحيوان،و هي الحس و الحركة،و خاصية الانسان،و هي الفكر و الإدراك،و خاصية الملائكة،و
هي الطاعة و الحياة.
فالانسان يتملق كالكلب و الهر،و يحتال كالعنكبوت،و يتسلح كالقنفذ، و يهرب كالطير،و يتحصن
كالحشرات،و يعدو كالغزال،و يبطىء كالدب،و يسرق كالفأر،و يفتخر كالطاووس،و يحقد كالجمل،و
يتحمل كالبقر،و يشمس كالبغل،و يغرد كالطير،و يضر كالعقرب،و هو شجاع كالأسد،و جبان كالأرنب،و
أنيس كالحمام،و خبيث كالثعلب،و سليم كالحمل،و أبكمكالحوت،و شؤوم كالبوم.
و هكذا،ما من كائن في الأرض و السماءـما عدا الله سبحانهـإلا و قدأخذ الانسان شيئا منه
:
و تحسب انك جرم صغير
و فيك انطوى العالم الأكبر
آدم و ابليس فقرة 20ـ21:
و استأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم و عهد وصيته إليهم.
في الإذعان بالسجود له و الخشوع لتكرمته.فقال سبحانه اسجدوالآدم فسجدوا إلا إبليس اعترته
الحمية و غلبت عليه الشقوة و تعززبخلقة النار و استهون خلق الصلصال.فأعطاه الله النظرة
استحقاقاللسخطة و استتماما للبلية.و إنجازا للعدة.فقال إنك من المنظرينإلى يوم الوقت
المعلوم.ثم أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيهاعيشته،و آمن فيها محلته،و حذره إبليس و عداوته
.فاغترهعدوه نفاسة عليه بدار المقام و مرافقة الأبرار.فباع اليقينبشكه و العزيمة بوهنه
.و استبدل بالجذل و جلا.و بالاغترار ندما. ثم بسط الله سبحانه له في توبته.و لقاه كلمة
رحمته،و وعده المردإلى جنته،و أهبطه إلى دار البلية،و تناسل الذرية.
اللغة:
استأدى وديعته:طلب منهم أداءها.و الحمية:الأنفة.و اعترته:أصابته.و الصلصال:الطين اليابس
.و النظرةـبكسر الظاءـالتأخير و الإمهال.و العدةـبكسر العينـالوعد.و اغتره:غرر به.و نفاسة
:حسدا.و المراد بالأبرارهنا الملائكة.و الجذل:الفرح.و دار البلية:الدنيا.
الإعراب:
الملائكة على النصب بنزع الخافض أي طلب من الملائكة.و استحقاقا مفعوللأجله.و إبليس
مفعول ثان لحذر،أو منصوب بنزع الخافض.و نفاسة مفعولمن أجله.
المعنى:
(و استأدى الله سبحانه الملائكة وديعته لديهم،و عهد وصيته اليهم).قبلأن يخلق الله آدم
قال لملائكته:«اني خالق بشرا من طين فإذا سويته و نفختفيه من روحي فقعوا له ساجدينـ72
ص».فسمع الملائكة الوصية و حفظوها،و لما تم كل شيء من خلق آدم طلب سبحانه من ملائكته
أن يؤدوا الوديعة و الوصيةالتي عهد بها اليهم من قبل،و هي السجود لآدم عند تمام خلقه،و
الى هذا أشارالإمام بقوله:(في الإذعان بالسجود له،و الخشوع لتكرمته،فقال سبحانه:
(اسجدوا لآدم فسجدوا)له سجود التحية،لا سجود العبادة،لأنها لا تجوز إلالله وحده. و قد
تكون الحكمة في إخبار الملائكة من قبل،أن لا يفاجأوا بوجوب السجودلآدم،فيشتد وقعه عليهم
..أو انه تعالى أراد أن يعلمنا كيف نفعل اذا أردناأن نخبر أو نطلب شيئا من شخص لم يكن
ذلك في حسبانه،كما هو شأن الملائكةآنذاك بالنسبة لآدم و السجود له،و لذا قالوا:أتجعل
فيها من يفسد فيهاو يسفك الدماء و نحن نسبح بحمدك و نقدس لكـ30 البقرةو كأنهم يقولون
للهتعالى:و لماذا آدم،و نسل آدم البغاة العصاة؟اجعلنا نحن خلفاء الأرض،و سترى عبادتنا
و طاعتنا لك..فقال لهم عز من قائل:«اني أعلم ما لا تعلمون».
و عندها خشوعا وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيمـ32 البقرة
.
(فسجدوا إلا إبليس اعترته الحمية،و غلبت عليه الشقوة).أبدا ما صدرتأية بادرة من آدم
في حق إبليس..كيف و قد كان آدم في عالم الغيب حين أضمرله إبليس العداوة و البغضاء؟.بيت
له السوء،لا لشيء إلا لأنه علم و أيقن بأنالله سيفضله عليه،و جاءه هذا العلم من قوله
تعالى:فإذا سويته و نفخت فيهمن روحي فقعوا له ساجدين.
(و تعزز بخلقة النار،و استهون خلق الصلصال).يشير الى قول إبليس:
«أنا خير منهـأي من آدمـخلقتني من نار و خلقته من طينـ12الأعراف».و منذ القديم اكتشف
الانسان ان في النار أحياء تتكيف بطبعها معالنار.قال صاحب«البحار»في مجلد«السماء و
العالم»ص 647 طبعالحجر:«قال بعضهم:ان كرة النار مملوءة من الروحانيات»تماما كقطرةالماء،و
قال الجدد من أهل الاختصاص:ان نوعا من الأحياء يعيش في الهواءالسام،و آبار البترول.
(فأعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة).طلب إبليس من الله أن يمهله،و يبقيه حيا ما دام
على وجه الأرض إنسان،ليتولى غواية البشر أبناء آدم و عدوهالأكبر،طلب الإمداد له،و هو
يعلم ان ذلك يعود عليه بالشر و الوبال،و معهذا أصر و آثر أن يتحمل كل شيء من أجل التنكيل
بآدم و ذريته و الانتقام منهم..
فاختار الله تعالى لإبليس ما اختار هو لنفسه،و استحق غضب الله و عذابه بسوءما اختار
:من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد،ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما
مدحوراـ18 الإسراء.و قال الإمام(ع):ما ابتلي أحدبمثل الاملاء له.
(و استتماما للبلية).أي انه تعالى أمهل إبليس ليبتلي به عباده،و تظهرسرائرهم بأفعالهم
التي يستحقون بها الثواب و العقاب(و انجازا للعدة).أي الوعد،و اختلف الشارحون في تفسير
هذا الوعد،فمن قائل،انه الوعد بالامهال.و هذااشتباه،لأن الله سبحانه ما وعده بشيء قبل
قوله:«انك لمن المنظرين».
و قائل آخر:انه جزاء و مكافأة لإبليس على عبادته السابقة..و هذا حدس بلا مستند..
و الذي نفهمه نحن من سياق الكلام،و قوله:«استتماما للبلية»ان المراد بالوعدهنا ما سبق
في تقديره تعالى أن يبتلي العباد بالفتنة،ليعلم أيهم أحسن عملا،و الشيطان فتنة ما في
ذلك ريب،قال تعالى:ليجعل ما يلقي الشيطان فتنةللذين في قلوبهم مرضـ53 الحج.
العبر في قصة آدم و إبليس:
و نستخلص من قصة آدم مع إبليس العبر التالية:
1ـان كل من حقد على ذي فضل لفضله،أو صاحب مكانة لمكانته،أو عادى إنسانا لمجرد المزاحمة
أو المشاركة في الرياسة و المهنة فهو على دين إبليسو مبدئه،و يحشر يوم القيامة في زمرته
.
2ـان الطريق لمعرفة الدين و الخلق الكريم واحد فقط،و هو الثبات علىالحق عند الابتلاء،و
التمسك به مهما تكن النتائج،فلقد كان ابليس مضربالمثل في الخشوع و العبادة،ثم انتهى
أمره الى ما انتهى حين امتحنه الله،و أمرهبالسجود لآدم..و من يعبد الله و يخشع،لأنه
يسمع كلمات المديح و الاطراء علىخشوعه و تواضعه،فإذا محص بالبلاء أعرض عن الحق و كفرـفهو
من جنود ابليسو أتباعه.
3ـان كثيرا من الناس يصرون على الباطل لا لشيء إلا عنادا لخصمهمو نكاية به،و هم يعلمون
علم اليقين ان هذا الاصرار يعود عليهم بأسوأ العواقبو أوخمها،و هذا هو شأن ابليس بالذات،أصر
على معصية الله،و هو يسمعتهديده و وعيده مباشرة و بلا واسطة:«لأملأن جهنم منك و ممن
تبعكـ85 ص» و أقدم على عذاب جهنم،و لعنة الله و لعنة اللاعنين،و هان عليه كل شيء إلاالخضوع
و السجود لآدم،و التنازل عن كبريائه.
إن الله سبحانه يقبل التوبة من ابليس اذا تاب و أخلص،و أيضا ابليس علىأتم الاستعداد
لأن يتوب و يخلص،و لكن بشرط أن لا يأمره الله ثانية بالسجودلآدم،أو لقبرهـعلى الأصحـو
الله سبحانه لا يقبل التوبة إلا بهذا الشرط.
و من دعي الى خير،و قال:أستجيب لكل شيء إلا لهذا،لأن فيه إعزازالزيد أو مسا بشخصيتي
فهو على مبدأ ابليس و مقلد له،أراد ذلك أم لم يرد.
هذه بعض العبر و العظات في قصة ابليس مع آدم،و علينا أن نقرأها،و نكررقراءتها بتدبر
و إمعان،و العاقل من اتعظ بالغير،و انتفع بالعبر.
(ثم أسكن سبحانه آدم دارا أرغد فيها عيشه،و آمن فيها محلته).و كلنعيم دون الجنة فهو
محقور(و حذره ابليس و عداوته).ان الشيطان لكم عدوفاتخذوه عدواـ6 فاطر.
(فاغتره عدوه).أي ان ابليس غرر بآدم.و قال الشيخ محمد عبده:انتهزابليس من آدم غرة فأغواه،و
كل من التفسيرين صحيح.و الغرةـبكسر الغينـالغفلة(نفاسة عليه بدار المقام).أي حسدا لآدم
على الخلود في الجنة(و مرافقةالأبرار).و هم الملائكة.
(فباع اليقين بشكه).أي نقض اليقين بالشك.و المراد باليقين هنا علمآدم بالنهي عن الشجرة
.و المراد بالشك ان آدم بعد أن كان على يقين من انالنهي حتم و إلزامـاحتمل ان هذا النهي
لغير الحتم و الإلزام،و ابليس هو الذيأوحى اليه بهذا الاحتمال..هذا ما يدل عليه سياق
الكلام و ظاهره،أو ما نفهمهنحن(و العزيمة بوهنه).أي ضعفه الذي أدى به الى نقض اليقين
بالشك،و هوتفسير لقوله تعالى:و لقد عهدنا الى آدم من قبل فنسي و لم نجد له عزماـ115
طه.
(و استبدل بالجذل)الفرح(وجلا)الخوف(و بالاغترار ندما).و هكذاعاقبة التفريط(ثم بسط سبحانه
له في توبته).و فتح باب التوبة حتم،و سدهظلم ما دام الانسان بطبعه غير معصوم(و لقاه
كلمة رحمته،و وعده المرد الىجنته).و لكن جعل الطريق اليها محفوفا بالمكاره:أم حسبتم
أن تدخلوا الجنة و لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم و يعلم الصابرينـ142 آل عمران.
(و أهبطه الى دار البلية،و تناسل الذرية).و عملية التناسل سهلة جدا،بلو لذيذة أيضا،و
لكن عاقبتها كارثة بخاصة في هذا العصر الذي نعيش فيه..
و نشير الى هذه النكتة التي تخلط الجد بالهزل،قالها فيلسوف ظريف:أكل آدممن الشجرة عن
قصد و عمد،لأنه مل حياة الفراغ و البطالة،و آثر المتاعب و الآلاممع الجد و العمل على
الدعة و الرفاهية مع البطالة و الكسل..و لماذا العضلات و المقدرةعلى الأعمال ما دام
الانسان بلا عمل؟.و هل هو في حاجة الى أكثر من معدةتمتلىء و تهضم،و لسان يهذر و يثرثر
.
الإنسان و الخطيئة:
تتفق الأديان السماوية على أن آدم لم يستمع لله في نهيه عن الأكل من الشجرة..
و تولد من فكرة هذه الخطيئة أو هذه المخالفة آراء مختلفة عن طبيعة الانسان أوعن الجنس
البشري بالنظر الى أن آدم أبا البشر هو المثل لهذه الطبيعة أو لهذاالجنس..فمن قائل:ان
الانسان خير بطبعه.و قائل:هو شرير و ذئب..
و قال الماركسيون:لا يتصف الانسان بخير أو شر،لأنه صنيعة الطبيعة،و خاضعلقانون التطور
كغيره من الكائنات الحية،و ليس هناك ما يمنع من أن يتحول فيالمستقبل الى شيء آخر يبعد
كل البعد عن مفهوم الانسان الحالي،و إذن،ليسثمة طبيعة بشرية ثابتة كي نصفها بخير أو
بشر.
و وقفت المسيحية في الجانب المقابل حيث اعتبرت الانسان مذنبا و مخطئابطبعه،و انه لا
خلاص له من الذنب و الخطيئة إلا بقوة عظمى خارجة عن طبيعتهو ارادته،و تولد من هذه الفكرة
فكرة الفداء أو القربان،و ان الله قد تمثل فيصورة انسان،و أنه صلب و عذب ليخلص البشر،و
يكفر عنهم سيئاتهم..
و من أجل هذا يطلق المسيحيون على السيد المسيح(ع)لقب«المخلص»و يعتبرونالخطيئة و الفداء
من صميم الدين و العقيدة..و قد وصف أحدهم هذا الوضع بقوله:
«لقد أصبح الدين عندناـأي عند المسيحيينـمجسدا في الخطيئة».و قالآخر:ان الكنيسة اخترعت
فكرة الخطيئة،و فكرة الخلاص منها بالفداء كيتقنع من تسعى الى تحويلهم عن دينهم،تقنعم
بأن الخلاص و العلاج موجود في جيبها..و هو اعتناق المسيحية فقط لا غير.
و وجد المستعمرون و الصهاينة الشفيع و المبرر لطغيانهم و عدوانهم على الانسانيةو قيمها،وجدوا
هذا الشفيع عند الكنيسة التي تقول:ان الخطيئة غريزة فيطينة الانسان و جبلته..فإذا ما
اعترض معترض على بغيهم و آثامهم قالوا:هذامن صنع الله،لا من صنعنا..و كل من ملك استأثر،و
ما كف أحد إلا لعلةالعجز،و من أجل هذا ساندت قوى الشر و العدوان الكنيسة بكل ما تملك،بلو
سخرت لهذه الغاية بعض العمائم التي تقلبت في البلاد،و أكثرت فيها الفساد.
فمنذ عهد قريب خطب معمم،و نشر في الصحف:ان الأنبياء كغيرهم في الميولو الأهواء مستندا
الى ما يظهر من بعض الآيات،و ما تنبه لأهدافه المأجورة إلاقليل.
و رويـو لا أستبعد هذه الروايةـان إرساليات التبشير المسيحي أغرتدارا للنشر بإعادة
طبع و نشر كتاب تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى،و اشترت منصاحب الدار العديد من النسخ،و
وزعتها بطريق أو بآخر..و القصد أن يتنبهالناس لقوله تعالى:و عصى آدم ربه فغوى.و قوله
:ليغفر الله لك ماتقدم من ذنبك و ما تأخرو ما الى ذلك..أما تأويل الشريف بخلاف الأولى،و
بأن الأمر و النهي منه تعالى في هذا الباب هما للإرشاد فقط،أما هذا التأويلو نحوه فيتعقله،و
يقتنع به الخاصة المؤمنون دون العامة الذين لا يفهمون من كلمةالمعصية إلا المعنى الحقيقي
الأصيل.
و الخلاصة ان الماركسية وقفت في أقصى اليسار حين نفت الطبيعة البشرية الثابتةمن الأساس،و
وقفت المسيحية في أقصى اليمين حين اعتبرت الخطيئة طبيعة و عقيدة،أما الاسلام فقد وقف
موقفا وسطا بين الماركسية و المسيحية:و لم يربط العقيدةبهذه المسألة من قريب أو بعيد،بل
أشار الى طبيعة الانسان من باب التعريف و الإرشادالى الواقع،و ان كل مولود يولد على
الفطرة الصافية،و التربية هي التي تكدرهو تلوثه..أما قوله تعالى:ان الانسان لظلوم كفارـ34
ابراهيم.و نحوهمن الآيات فقد أجابوا عنه بأن هذا الحكم على الانسان إنما هو بالنظر
الى بعض أفراده،لا بالنظر الى طبيعته و جنسه،و قلنا في«التفسير الكاشف»ج 4 ص 213:انالإسلام
ينظر الى الانسان من خلال عقيدته و سلوكه بصرف النظر عن طبيعته،و على هذا الأساس وحده
يحكم عليه بأنه صالح أو طالح،طيب أو خبيث.
و تسأل:إذا كان إبليس قد تولى غواية آدم،فمن،الذي تولى غواية إبليس؟.
الجواب:
الحسد تولى غواية إبليس،و إلى ذلك أشار الإمام(ع)بقوله:«نفاسةعليه».و الحسد لا يحتاج
الى من يتولاه..حتى الأطفال يتحاسدون و يتغايرون..
و من هنا قال الرسول الأعظم(ص):«و إذا حسدت فلا تبغ»نهى عن آثارالحسد،و إظهارها في قول
أو فعل،و لم ينه عن الحسد بالذات،لأنه تكليفبغير المقدور.
الأنبياء فقرة 22ـ25:
و اصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم،و علىتبليغ الرسالة أمانتهم لما
بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلواحقه،و اتخذوا الأنداد معه.و اجتالتهم الشياطين عن
معرفته،و اقتطعتهم عن عبادته.فبعث فيهم رسله و واتر إليهم أنبياءهليستأدوهم ميثاق فطرته
.و يذكروهم منسي نعمته.و يحتجوا عليهميالتبليغ.و يثيروا لهم دفائن العقول و يروهم الآيات
المقدرة منسقف فوقهم مرفوع،و مهاد تحتهم موضوع.و معايش تحييهمو آجال تفنيهم.و أوصاب
تهرمهم.و أحداث تتابع عليهم. و لم يخل سبحانه خلقه من نبي مرسل،أو كتاب منزل.أو حجةلازمة،أو
محجة قائمة.رسل لا تقصر بهم قلة عددهم.و لا كثرةالمكذبين لهم.من سابق سمي له من بعده،أو
عرفه من قبله.على ذلك نسلت القرون.و مضت الدهور.و سلفت الآباء. و خلفت الأبناء.
اللغة:
الميثاق:العهد.و الأنداد:جمع ند،و هو المثيل.و المراد بالاجتلاء هناالصرف.و واتر:تابع
مع التراخي و الفصل بين نبي و نبي.ليستأدوهم:ليطلبوامنهم الاداء و الوفاء.و السقف المرفوع
:السماء،و المهاد الموضوع:الأرض.و الأوصاب:المتاعب.و تهرمهم:تجعلهم هرمين.و الغابر:الباقي
.و نسلت:ولدت.
الإعراب:
لما بدل«لما»هنا بمعنى حين أو إذ،لأنها دخلت على الماضي.ليستأدوهممضارع منصوب بأن مضمرة،و
يذكروهم و ما بعده عطف على ليستأدوهم.و معايش ممنوع من الصرف.و على ذلك متعلق بنسلت
.
المعنى:
(و اصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم،و على تبليغالرسالة أمانتهم)
.بعثة الأنبياء في جوهرها وساطة بين الخالق و المخلوق،و هدفهاهداية الخلق الى الحق،و
تعاونهم على ما يكفل الأمن و العيش للجميع،و هذاهو أمل الطيبين الأحرار منذ وجد الانسان
على سطح الأرض،و من هذا الأملانطلقت النظريات،و وضعت المؤلفات لتحققه و بلوغه،و منها
جمهورية افلاطونو المدينة الفاضلة للفارابي.
و لكن افلاطون مزج الواقع بالخيال عملا بنظريته في المثل،و قال«دي بور» في كتاب«تاريخ
الفلسفة في الاسلام»:ان آراء الفارابي في المدينة الفاضلةتقترب في فسادها من فلسفة«نيتشه»القائمة
على بقاء الأقوى..و اذا كانتهذه هي فلسفة افلاطون استاذ المعلم الأول،و آراء الفارابي
المعلم الثاني فما هيحال غيرها من النظريات الهادفة الى خير الانسان؟..ان كل نظرية،أو
نظاموضع لخير الانسان يستحيل أن يتم و يكمل من كل وجه إلا اذا قام على أساسالمبادىء
التي أقرها الوحي من الله سبحانه..و من هنا كثر النسخ و التقليم و التطعيمفي الأنظمة
الوضعية..و اذا اتفق العلماء على كثير من النظريات الطبيعية المحسوسةفإنهم حتى الآن
لم يتفقوا على نظرية سياسية أو اجتماعية على الرغم من مواصلةالدراسات،و عقد المؤتمرات
..أبدا لا أحد أعلم بخير الانسان و هدايته الى سعادتهالخالدة إلا خالق الانسان،و أي
عاقل يشك في ان مخترع الآلة هو أعلم بها منغيره؟.
(لما بدل أكثر خلقه عهد الله اليهم).المراد بعهد الله هنا ميثاق الفطرة الذي أشاراليه
الإمام(ع)بقوله:«ليستأدوهم ميثاق فطرته».و بعد أسطر نتكلم عنهذا الميثاق بفقرة خاصة،و
قوله:«لما بدل أكثر خلقه»يومىء الى ان البعضمن عباد الله ثبتوا على ميثاق الفطرة،و
استطاعوا بثباتهم هذا أن يعرفوا حق اللهو يعملوا به،و يسمى هؤلاء بالحنفاء،و كان منهم
قبل بعثة رسول الله(ص)،أفراد و هم ورقة بن نوفل،و عبد الله بن جحش،و عثمان بن الحويرث،و
زيدابن نوفل.و تكلمنا عنهم في ج 5 من التفسير الكاشف ص .96.و قال بعضالفلاسفة:لو كانت
كل العقول من النوع النبيل لكان جميع الناس عقلانيين،لا يخطئون و لا يتميز أحدهم عن
الآخر في حسن التصرف أو سوئه.
(فجهلوا حقه،و اتخذوا الأنداد معه،و اجتالتهم الشياطين عن معرفته،و اقتطعتهم عن عبادته)
.الشرك بالله،و الانصراف عنه نتيجة حتمية للجهل بحقهتعالى،و الجاهل ألعوبة الشيطان.
.و في بعض الروايات:أدنى العلم بالله الإقراربأنه لا إله غيره،و انه ليس كمثله شيء(فبعث
فيهم رسله)مبشرين و منذرينلكيلا يكون للناس على الله الحجة(و واتر اليهم أنبياءه).أي
جعل بين نبيو نبي فترة قصيرة أو طويلة،يقال:واتر ما عليه من الصوم أي أتى بالصوموترا،فصام
يوما،و أفطر يوما أو يومين.
ما هي الفطرة؟
(ليستأدوهم).أي ليطلب الأنبياء من الناس الأداء و العمل بموجب(ميثاقفطرته).و في الآية
30 من سورة الروم:فأقم وجهك للدين حنيفا فطرةالله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق
الله ذلك الدين القيم و لكن أكثر الناسلا يعلمون.
و تسأل:ما هو المراد بالفطرة في هذه الآية الكريمة،و في قول الإمام(ع)؟.
هل المراد العقلية البدائية مع العلم بأن هذه العقلية تقبل التناقضات،و الإيمان بالأساطيرو
الخرافاتـكما ثبت في علم الاجتماعـأم المراد بالفطرة ان هناك قوة غامضةتفرض الحق على
قلب الانسان و شعوره..و هذا خلاف الحس و الوجدان..و لوصح ما اختلف في الحق اثنان..أو
المراد بالفطرة الشعور الذاتي الذي يحسهالانسان من نفسه،و لا يعرف له مصدرا و لا تفسيرا
كالواخز الذي يشعر به حينيفعل أو يحاول أن يفعل قبيحا مع علمه و يقينه بأن ما من أحد
يطلع عليه،أويمكن أن يطلع..و نحن نعلم ان وخز الضمير يكونـفي الغالبـانعكاسا عنتقاليد
المجتمع و مقاييسه،أو عن الايمان بالله و اليوم الآخر..أو المقصود بالفطرةمجرد استعداد
الانسان لأن يقبل الخير حين يعلم بأنه خير،و يرفض الشر حينيعلم بأنه شر؟.
الجواب:
كل هذه المعاني غير مقصودة من الآية،و لا من قول الإمام،و لا من حديث«كل مولود يولد
على الفطرة»..و كنت قد اخترت المعنى الأخير للفطرة أيالاستعداد،و قربته بنحو من الوضوح
و التفصيل في«التفسير الكاشف»ج 6ص .141.و الآن،و أنا أشرح«النهج»عدت الى دراسة الموضوع
من جديد،و بعد النظر و التأمل عدلت عنه،لأن استعداد الانسان للشر تماما كاستعداده للخيرأو
أكثر بدليل ان أهل الشر و الضلالة أكثر بكثير من أهل الخير و الهداية.
و الذي أراه الآن و في هذه اللحظة بالذات ان المقصود بالفطرة في الآية الكريمة،و في
قول الإمام(ع)و في حديث«كل مولود»هو ان نفس الانسان خلقتصحيفة بيضاء لا شيء فيها،و
لا توحي بشيء على الاطلاق،و لكنها تقبل كلما يكتب فيها و يرسم سواء أكان وحيا من الرحمن،أم
كان تضليلا من الشيطان.. و بالبداهة ان الوحي من خالق الفطرة و هو وحده الذي يجب أن
يرسم فيها ما يرسم،و أن تؤمن به و تعمل.
و يدلنا على صحة هذا التفسير ان الانسان يولد،و لا يولد معه شيء إلا حواسهالخمس،و
معدة تطلب الطعام و الشرابـكما هو المشاهدـبالحس و الوجدان،ثم يكتسب معارفه مما يحيط
به شيئا فشيئا عن طريق هذه الحواس..و في أقوالأهل البيت(ع)ما يعزز ذلك و يدل عليه،قال
صاحب مجمع البيان:روىأصحابنا عن الإمام الباقر:«ان الناس كانوا قبل نوح أمة واحدة على
فطرةالله،لا مهتدين و لا ضالين،فبعث الله النبيين».
و سياق الآية يدل على صحة التفسير الذي اخترناه للفطرة،بل و يفرضه،لأنالآية الكريمة
وردت بعد قوله تعالى:و من آياته ان خلقكم من تراب..و منآياته ان خلق لكم من أنفسكم
أزواجا..و من آياته خلق السموات و الأرضـالىقولهـو هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده..و
له المثل الأعلى..بعد هذا البيانالطويل عن انشاء الخلق و إعادته،و بعد ذكر الفطرةـقال
سبحانه:ذلكالدين القيم و لكن أكثر الناس لا يعلمونأي ان الدين الحنيف القيم الذي يجبأن
تأخذ به فطرة الانسان هو الايمان بالله الذي يبدأ الخلق ثم يعيده،لا الشركأو اليهودية
أو النصرانية،و ما الى ذلك مما لا مصدر له إلا تضليل الأبوين،و فساد المجتمع،و لكن أكثر
الناس يجهلون الدين الحنيف،و يدينون بغير الحق،دين الآباء و الأجداد.
و هذا المعنى هو المراد أيضا من حديث«كل مولود».و عليه يحمل قولالإمام.«ليستأدوهم ميثاق
فطرته»أي ان الأنبياء طلبوا من الناس أن يؤمنواو يعملوا بما أوحاه سبحانه الى الفطرة
على لسان أنبيائه،و ليس معناهـكما يظنـان الأنبياء طلبوا من الناس أن يؤمنوا بما توحيه
الفطرة نفسها..كلا،لأنهاصحيفة بيضاء لا توحي بشيء على الإطلاق.
(و يذكروهم منسي نعمته،و يحتجوا عليهم بالتبليغ،و يثيروا لهم دفائنالعقول،و يروهم الآيات
المقدرة من سقف فوقهم مرفوع،و مهاد تحتهم موضوع».
هذا تحديد لمهمة الأنبياء و وظيفتهم،و هي التذكير بأنعم الله على عباده،و الاحتجاجعليهم
بإرشاده الى أن يفكروا و يتأملوا في خلق الله و آثاره الدالة على قدرته و عظمته(و معايش
تحييهم،و أوصاب تهرمهم،و أحداث تتابع عليهم).و أيضا منوظيفة الأنبياء أن يرشدوا الناس
الى مذاهب الحياة المشروعة،و يحذروهم منالحرام،لأن الدنياـعلى آلامها و أحزانهاـماضية
بهم الى الزوال.
و بهذا يتبين معنا ان وظيفة الأنبياء هي الانذار و التبشير،و انهم لا يملكونلأحد نفعا
و لا ضرا،و ما زاد على ذلك من غرائب الأوصاف،و عجائب الصورفليس من الدين في شيء.
(و لم يخل سبحانه خلقه من نبي مرسل،أو كتاب منزل،أو حجة لازمة،أو محجة قائمة).لا تقوم
الحجة لله على خلقه إلا بعد البيان منه تعالى،و المعصيةمن العبد،و ليس من الضروري أن
يكون البيان من رسول الله مشافهة و وجهالوجه،بل يكون أيضا بكتاب الله كالقرآن،و بالسنة
الثابتة عن رسول الله،و هي المراد من المحجة القائمة،أما المقصود من قوله(ع):الحجة اللازمة
فهوالعقل،أو المعصوم الذي أشار اليه فيما يأتي من كلامه:«لا تخلو الأرض منقائم بحجة،إما
ظاهرا مشهورا،و اما خائفا مغمورا».
(رسل لا تقصر بهم قلة عددهم).أي ان عدد الرسل،و إن كان قليلافإنهم قاموا بمهمة التبليغ
على وجهها،و العبرة بالكيفية،لا بالكمية.و هناكبعض الروايات في عدد الأنبياء،و لكن
لا نعرف مكانها من الصحة،بل لاتهمنا معرفتها ما دام القرآن أهمل الاشارة الى العدد:و
رسلا لم نقصص عليكـ164 النساء.و اذن فعلام الفضول؟(و لا كثرة المكذبين لهم).لاقىالأنبياء
الكثير من المترفين الطغاة،و ما أكثرهم في كل عصر!..و لكن الأنبياءصبروا صبر الأحرار
في سبيل التبليغ و القيام بواجبه،و من أقوال الإمام:لايزيدني كثرة الناس حولي عزة،و
لا تفرقهم عني وحشة.
(من سابق سمى له من بعده).أي ان الله سبحانه أخبر و سمى للنبي السابقالذي ذهب بذهاب
زمانه،سمى له النبي الذي يأتي بعده(أو غابر)الباقيالموجود بالفعل،قال تعالى:فأنجيناه
و أهله إلا امرأته كانت من الغابرينـ83الأعرافأي من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا(عرفه
من قبله).بشرالسابق به،كما بشر عيسى(ع)بمحمد(ص):«و إذ قال عيسى ابن مريميا بني اسرائيل
اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة و مبشرا برسوليأتي من بعدي اسمه
أحمدـ6 الصف».(على ذلك نسلت القرون،و مضت الدهور،و سلفت الآباء،و خلفت الأبناء).
ذلك اشارة الى ما تقدم من قوله:«لم يخل سبحانه خلقه من نبي»الخ.و فيهذا المعنى قوله
تعالى:سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا و لن تجد لسنتنا تحويلاـ77 الإسراء.
محمد(ص)فقرة 25ـ27:
إلى أن بعث الله سبحانه محمدا رسول الله صلى الله عليه و آله لإنجازعدته.و تمام نبوته،مأخوذا
على النبيين ميثاقه مشهورة سماته،كريماميلادهو أهل الأرض يومئذ ملل متفرقة.و أهواء
منتشرة.و طوائف متشتته.بين مشبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه أو مشيرإلى غيره.فهداهم به
من الضلالة.و أنقذهم بمكانه من الجهالة. ثم اختار سبحانه لمحمد صلى الله عليه لقاءه
.و رضي له ما عندهو أكرمه عن دار الدنيا و رغب به عن مقام البلوى.فقبضه إليهكريما صلى
الله عليه و آله.و خلف فيكم ما خلفت الأنبياء في أممهاإذ لم يتركوهم هملا،بغير طريق
واضح.و لا علم قائم.
اللغة:
عدته:وعده.ميثاقه:عهده.سماته:علاماته و صفاته.و الملل:الأديان.
و طوارق و طارقات:جمع طارقة،و تطلق على العشيرة.و ملحد في اسمه: حاد به عن معناه الحقيقي
.و هملا:سدى.
الإعراب:
المصدر من أن بعث متعلق بنسلت أو بمضت.و لانجاز متعلق ببعث.و مأخوذاو مشهورة و كريما
حال من محمد(ص).و ميثاقه نائب عن الفاعل ل«مأخوذا».و ملل على حذف المضاف اليه أي ذو
ملل،و مثله أهواء و طرائق.و بين ظرفمتعلق بمتشتتة.و كريما حال من الهاء في«قبضه».و
هملا مفعول مطلق أيتركا هملا.
المعنى:
(الى ان بعث الله سبحانه محمدا رسول الله(ص)لانجاز عدته،و تمام نبوته).
الضمير في عدته و نبوته يعود الى الله سبحانه،و المعنى انه تعالى كان قد وعد،و أنبأـعلى
لسان أنبيائه السابقينـأن يبعث محمدا(ص)و قد بعثه إنجازا لوعده،و إتماما لما أنبأ به
.قال الشيخ محمد عبده:«ان الله أنبأ بمحمد،فهذا الخبرالغيبي قبل حصوله يسمى نبوءة،و لما
كان الله هو المخبر أضيفت النبوءة اليه».
(مأخوذا على النبيين ميثاقه).ضمير ميثاقه يعود أيضا الى الله،لأنه هوالذي أخذ العهد
على أنبيائه أن يؤمنوا بمحمد،و يأمروا الناس بالتبشير به و اتباعهعند إدراكه،و ليس
من شك ان ذكر محمد كان يملأ جو الأنبياء السابقين كمايومئ اليه قولهم«اقررنا»الذي جاء
في الآية 81 من سورة آل عمران:و إذأخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب و حكمة
ثم جاءكم رسول مصدق لمامعكم لتؤمنن به و لتنصرنه قال أ أقررتم و أخذتم على ذلك إصري
قالوا أقررنا قالفاشهدوا و أنا معكم من الشاهدين».
(مشهورة سماته)و صفاته في الدنيا كلها و الى الأبد،لا في الكتب السماويةفقط كما قال
الشارحون(كريما مولده)لأنه كان خيرا على الانسانية جمعاء،و إيذانا بتحولها الخطير من
الظلمات الى النور،و ليست الكرامة في نسبه فقط كماشرح الشارحون.
(و أهل الأرض يومئذ ملل متفرقة،و أهواء منتشرة،و طرائق متشتتةـالىقولهـمن الجهالة)
.كان الناس عند بعثة محمد(ص)على أديان شتى، و مذاهب متعددة،و تقاليد مختلفة،فجاءهم النبي
(ص)برسالة إلهية انسانية عامةلا تختص بأمة دون أمة،و لا بشعب دون شعب..و يلمح المتأمل
هذا الشمول فيجميع تعاليم الاسلام و مبادئه.فالقرآن الكريم و السنة النبوية يتضمنان
من القواعدالكلية،و الأحكام الجزئية ما يرشد الناس الى جميع المصالح التي يجهلون،و يضعدائما
و في كل وقت الحلول الأساسية لمشاكل الانسان و ضروراته:و نزلنا عليكالكتاب تبيانا لكل
شيءـ89 النحل.أي ان الله سبحانه أودع في القرآنكل شيء يلائم طبيعته في إرشاد الخلق
لمصالحهم الفردية و الاجتماعية.
و قرأت في جريدة الجمهورية المصرية عدد 14 مايو«أيار»سنة 1970:
قال برنارد شو الفيلسوف العالمي:ان دين محمد هو الدين الوحيد الذي يلوح ليأنه حائز
على أهلية الهضم لأطوار الحياة المختلفة بحيث يستطيع أن يكون جاذبالكل جيل..ان محمدا
يجب أن يدعى منقذ الانسانية،و أعتقد أنه لو تولى رجلمثله زعامة العالم الحديث لنجح
في حل مشاكله بطريقة تجلب الى العالم السعادةو السلام،ان محمدا أكمل البشر من السابقين
و الحاضرين،و لا يتصور وجود مثلهفي الآتين.
(ثم اختار سبحانه لمحمد(ص)لقاءه،و رضي له ما عنده).أبدا لا مهربمن الموت لكبير أو صغير،و
لا لنبي أو شقي،فهو الطالب الحثيث الذي لايفوته المقيم،و لا يعجزه الهارب،و السعيد من
سارع الى الخيرات.
(و خلف فيكم ما خلف الأنبياء في أممها)بل خلف محمد(ص)ما لم يخلفهالأنبياء مجتمعين،و
كفى شاهدا على ذلك القرآن و شريعته معجزة المعاجز في التشريع،و من أجل هذا كانت رسالة
محمد خاتمة الرسالات و الشرائع السماوية،و كان هوخاتم الرسل و النبيين،و أيضا من أجل
هذا أثنى عليه تعالى بما لم يثن على نبيسواه(اذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح،و لا
علمـبفتح العين و اللامـقائم).لأن النبي إذا أهمل أمته من بعده يكون خائنا لها،و ناكثا
بعهد اللهو ميثاقه.
و غريبة الغرائب أن يقول مسلم عن نبيه:انه مات بلا وصية!..و لماذا لميوص محمد؟ألأن
الوصية من المحرمات،و هو القائل:من مات بلا وصيةمات يهوديا أو نصرانيا،أو لأنه(ص)لا
يهتم بأمور المسلمين،و هو القائل: من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم،و قال تعالى
في وصف نبيه الكريم:
لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوفرحيمـ128 التوبة
.فهل ترك النبي(ص)الوصية حرصا على مصلحة المسلمين،أو على مرضاة الله؟.
القرآن و الشريعة فقرة 28ـ29:
كتاب ربكم فيكم مبينا حلاله و حرامه و فرائضه و فضائله و ناسخهو منسوخه.و رخصه و عزائمه
.و خاصه و عامه.و عبره و أمثاله.و مرسله و محدوده.و محكمه و متشابهه.مفسرا مجمله و مبيناغوامضه
.بين مأخوذ ميثاق في علمه و موسع على العباد فيجهله.و بين مثبت في الكتاب فرضه،و معلوم
في السنة نسخه،و واجب في السنة أخذه،و مرخص في الكتاب تركه.و بين واجببوقته،و زائل
في مستقبله،و مباين بين محارمه من كبير أوعد عليهنيرانه،أو صغير أرصد له غفرانه.و بين
مقبول في أدناه موسعفي أقصاه.
اللغة:
الفرائض:جمع فريضة،و هي ما يجب فعله،و لا يجوز تركه.و النسخ:الإزالة.و الرخصة:اليسر
.و العزيمة هنا:الفريضة.و المرسل:المطلق.و المحدود:المقيد.و المحكم:الواضح.و المتشابه
:المشكل و الغامض.و السنةلغة:الطريقة،و شرعا:قول المعصوم أو فعله أو تقريره.
الإعراب:
كتاب مفعول لفعل محذوف دل عليه قوله:«و خلف فيكم ما خلفت الأنبياء،كأن سائلا يسأل:ماذا
خلف رسول الله(ص)؟.الجواب:خلف كتاب ربكم.
و مبينا حال من الكتاب.و بين ظرف متعلقا بمحذوف حالا من الكتاب أي دائرابين كذا و كذا
.و مباين خبر لمبتدأ محذوف أي هو مباين.
المعنى:
أحكام الشريعة الاسلامية على نوعين:اعتقادية،و موضوعها القلب،و عملية،و موضوعها فعل
الانسان الصادر عنه بإرادته و اختياره،و هدفهاـعلى الاجمالـإصلاح الفرد و المجتمع،و
مصدرها الوحي و العقل..و القرآن وحي من السماء،و مثله سنة الرسول لقوله تعالى:و ما آتاكم
الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهواـ7 الحشر.و قد صنف الإمام(ع)الكثير مما جاء في كتاب
الله،و منها الأحكامالعملية،و فيما يلي البيان:
1ـ(مبينا حلاله و حرامه).و الحرام كالظلم و الزنا،و الحلال كالزينةو الطيبات،و كل ما
فيه خير و صلاح فهو حلال،و كل ما فيه شر و فساد فهوحرام.
2ـ(و فرائضه و فضائله).الفرائض الواجبات كالصوم و الصلاة،و الفضائلالمستحبات كالبر
و الاحسان.
3ـ(و ناسخه و منسوخه).النسخ في الأحكام الشرعية هو عبارة عن إنشاءالحكم بصيغة الدوام
و الاستمرار،و بعد العمل به بعض الحين يصدر حكم آخر علىعكسه،و الأول يسمى منسوخا،و
الثاني ناسخا،و هذا النسخ صوري لا واقعي،لأن الحكم الأول دائم و مستمر في ظاهره،و محدود
بأمد معين في واقعه،و لكن الحكمة الإلهية استدعت إظهاره بمظهر الدوام و الاستمرار،تماما
كما لو رأى الطبيبأن من مصلحة المريض الامتناع عن أكل اللحم اسبوعا واحدا،و أيضا رأى
منمصلحته أن لا يعلمه بتحديد الوقت،فنهاه عن اللحم من غير قيد على هذاالأساس،و بعد
مضي الاسبوع أذن له أن يأكل اللحم..و عليه ينحصر معنىالنسخ في محو ما ظهر من إرادة
الدوام،لا محو الارادة الواقعية الذي يستلزمالبداء و الجهل.
4ـ(و رخصه و عزائمه).الرخصة لغة اليسر و التخفيف،و شرعا الإذنللمكلف بفعل ما كان ممنوعا
عنه،الإذن له بذلك لسبب موجب كالإذن للمضطربالأكل من الميتة:فمن اضطر غير باغ و لا عاد
فلا إثم عليهـ173 البقرة.
أما المباح في الأصل فلا يسمى رخصة.و العزيمة لغة القصد المؤكد،و شرعا الإلزامبإيجاب
من الله سبحانه.
5ـ(و خاصه و عامه).العام يشمل أفراد الموضوع بكاملها مثلكلامرىء بما كسب رهينـ21
الطور.و الخاص لا يشمل إلا بعض الأفرادمثلو لأحل لكم بعض الذي حرم عليكمـ50 آل عمران
.
6ـ(و عبره و أمثاله).و المراد بعبر القرآن الآيات التي أخبرت عما أصابأهل الفساد و
الضلال،و حذرت من بأس الله و عذابه.و الأمثال ما يضرب للتقريبالى الأذهان كقوله تعالى
:مثل نوره كمشكاة فيها مصباحـ35 النور.
أو للترغيب:مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبعسنابلـ261 البقرة
.أو للعبرة و العظة:ألم تر الى الذين بدلوا نعمة اللهكفرا و أحلوا قومهم دار البوار
جهنم يصلونها و بئس القرارـ29 ابراهيم.و غير ذلك.
7ـ(و مرسله و محدوده).المرسل غير المقيد مثل:أو تحرير رقبةـ89 المائدة.و المحدود المقيدفتحرير
رقبة مؤمنةـ92 النساء.
و تجدر الاشارة الى ان الناسخ و المنسوخ،و العام و الخاص،و المطلق و المقيد،و المجمل
و المبين،كل ذلك يدخل في مباحث علم أصول الفقه،و ما كان لهذاالعلم عين و لا أثر في ذلك
العهد،و عليه يكون الإمام(ع)أول من أشار الى بعضأبوابه و مباحثه.
8ـ(و محكمه و متشابهه مفسرا مجمله و مبينا غوامضه).في القرآن آياتواضحة الدلالة مثل«و
توبوا الى الله»و تسمى محكمة،و منها ما يحتاج الى بيانمن أهل العلم مثل«ثم استوى على
العرش»و يسمى متشابها،و النبي و أهل بيته(ص)
هم المرجع في تفسيره و بيانه،و أهل البيت أدرى بالذي فيه.
9ـ(بين مأخوذ ميثاق علمه،و موسع على العباد في جهله).أشرنا قبلقليل الى ان أحكام الاسلام
منها اعتقادية،و منها عملية،و لا عذر لمن يجهلالأصول الأولى من الأحكام الاعتقادية،و
لا يؤمن بها،كالايمان بالله و رسولهو اليوم الآخر،و يعذر في أشياء أخر كالعلم بأن صفات
الله عين ذاته أو غيرها،و تكلمنا عن ذلك مفصلا في كتاب«فلسفة التوحيد و الولاية»بعنوان«ما
يجبو ما لا يجب».أما الأحكام العملية فيجب على المكلف أن يعرف حكم كلفعل يمارسه و
يصدر عنه،عبادة كان أو غيرها حتى المأكول و المشروب.
10ـ(و بين مثبت في الكتاب فرضه،و معلوم في السنة نسخه).اتفقواعلى ان الكتاب ينسخ بالسنة
المتواترة،و اختلفوا في نسخه بالخبر الواحد،فذهبالأكثر الى عدم الجواز،بل نقل عليه
الإجماع..و في رأينا ان الأحكام الثابتةبظاهر القرآن يجوز نسخها بالخبر الواحد،لأن السنة
بيان و تفسير لكتاب الله،و لا فرق أبدا بين الآية القرآنية،و بين الخبر الواحد من الوجهة
العملية و وجوبالتدين أيضا فيما يعود الى الأحكام الفرعية بخاصة اذا كان الدليل على
حجة الخبرالواحد السنة المتواترة.
11ـ(و واجب في السنة أخذه،و مرخص في الكتاب تركه).كما ينسخالكتاب بالسنة كذلك تنسخ
السنة بالكتاب،و المراد بالسنة قول المعصوم أو فعلهأو تقريره،و قد ثبت باليقين ان النبي
(ص)كان يصلي أول الأمر لجهة المسجدالأقصى،فحوله القرآن الى المسجد الحرام:فول وجهك شطر
المسجد الحرامـ144 البقرة.
12ـ(و بين واجب بوقته،و زائل في مستقبله).ينقسم الواجب بالنظرالى الوقت الى مضيق و موسع،و
المضيق هو الذي يجب في وقت معين،و يذهببذهابه،و لا يجب قضاؤه إلا بدليل،كصوم شهر رمضان
..يجب في هذاالشهر دون غيره،و الموسع لا يختص بوقت كصلاة الآياتـما عدا الكسوفينـ حيث
تجب المبادرة اليها عند حدوثها،و من أخر يأتي بها ؟؟؟ مدة حياته،و قد يكون الواجب الواحد
موسعا من جهة و مضيقا من جهة ثانية،كصلاة الظهر،فإنها موسعة بالنسبة الى مجموع الوقت،و
مضيقة بالنسبة الى آخره،و لم يشرالإمام الى الموسع.
13ـ(و مباين بين محارمه من كبير أوعد عليه نيرانه،أو صغير أرصد لهغفرانه).يشير الى
ان الذنوب منها كبار،و منها صغار كما جاء في الكتابالعزيزالذين يجتنبون كبائر الإثم
و الفواحش إلا اللممـ32 النجم.و اللممالصغائر،و يومىء قول الإمام الى تحديد الذنب
الكبير بأنه الذي توعد عليه سبحانه،و هدد أصحابه بالنار،و ما عداه فصغير،و قد أعد الله
له الغفران،و في هذاالمعنى روايات عن أهل البيت(ع).و قال صاحب الجواهر:
«لا شك ان الصغائر لا ينفك عنها الانسان..و ان فعل الطاعات و اجتنابالكبائر تكفير لارتكاب
الصغائر..و إذن فلا حاجة الى التوبة منها..نعم لا ينبغيترك العزم على الاصرار،لحديث«لا
صغيرة مع إصرار،و لا كبيرة معاستغفار (1) ».و هذا الخبر يشعر بأنه لا حاجة للصغيرة الى الاستغفار مع عدمالإصرار.
14ـ(و بين مقبول في أدناه،موسع في أقصاه).مثل قوله تعالى:
فكفارتهـأي حنث اليمينـإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمونأهليكم أو كسوتهم أو تحرير
رقبةـ89 المائدة.فأدنى أفراد هذه الكفارةالاطعام،و أقصاها تحرير الرقبة،و ليس من شك
ان في قبول الأدنى توسعةعلى العباد.
الحج فقرة 30ـ31:
و فرض عليكم حج بيته الحرام الذي جعله قبلة للأنام يردونهورود الأنعام و يألهون إليه
و لوه الحمام جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته و إذعانهم لعزته.و اختار من خلقه سماعاأجابوا
إليه دعوته.و صدقوا كلمته،و وقفوا مواقف أنبيائه،و تشبهوا بملائكته،المطيفين بعرشه يحرزون
الأرباح في متجرعبادته،و يتبادرون عند موعد مغفرته.جعله سبحانه و تعالىللإسلام علما
و للعائذين حرما.فرض حجه و أوجب حقه و كتبعليكم وفادته فقال سبحانه«و لله على الناس
حج البيت من استطاعإليه سبيلا و من كفر فإن الله غني عن العالمين.
اللغة:
الحج لغة:القصد.و شرعا:المناسك المعروفة،و جاء في أقرب الموارد:
«الحج بالكسر لغة في الحج،و قيل بالفتح الاسم،و بالكسر المصدر».و وصفبيت الله بالحرام
حيث يجب تقديسه،و يحرم هتكه،و لمن لاذ به نوع من الحصانة.
حتى الطير يحرم صيده هناك على المحل و المحرم.ورود الأنعام أي كحال الأنعامتزاحما عند
ورود الماء.و يألهون:من الوله،و هو لغة:الحزن و الوجد،و المرادبه هنا الحنين و الشوق
.و يتبادرون:يتسارعون.و العائذين:جمع عائذ،و هو المستجير و الملتجىء.و الوفادة:الزيارة
.
الإعراب:
الذي جعله:صفة لبيته.و من استطاع«من»بدل بعض من الناس.و منكفر«من»مبتدأ،و الجملة من
أن و اسمها و خبرها خبر.
سر الحج:
معنى كلام الإمام(ع)واضح،و في غنى عن الشرح..أجل،ان في الحجسرا عميق الدلالة،و هو وحده
يفسر حقيقته،و يكشف عن كنهه،و قد أشارالإمام الى هذا السر بكلمة عابرة،و هي:«و يألهون
اليه و لوه الحمام».و إليكما استوحيناه من هذه الإشارة في البيان التالي:
تكلم المسلمون عن الحج و غير المسلمين أيضا،و أطنبوا و كرروا فيما كرروا«ان الحج مؤتمر
عالمي يعقده المسلمون على صعيد واحد،و فيه يتعارفون و يتشاورون».
و لا أدري ماذا أنتج هذا المؤتمر و غيره من المؤتمرات التي تعقد هنا و هناك؟.
ثم أي مسلم ذهب الى مكة المكرمة،و هو يحمل في رأسه فكرة التعارف و التشاور؟
و إذا صادف و تعرف على واحد أو اثنين فلا شيء وراء هذه المعرفة إلا الرؤيةتماما كما
تلتقي أنت و إنسان في السيارة أو المطعم.
ان السر في الحج أبعد من هذا و أعمق،و يتضح من الجواب على هذا التساؤل:
لماذا يذهب المسلم الى الحج بهذا الوله و الحنين،و يدفع الأموال الطائلة،و يتحملالمشاق
و الأخطار على الطريق،و في منى و عرفات،و في المسعى و الطواف..و قبلسفره يحمل أوراقه،و
ينتقل بها من دائرة الى دائرة،و من مكتب الى مكتب؟
هل وضع محمد لونا من السحر في أحجار الكعبة لا تعرفه السحرة،و وضع فيقبره نوعا من الجاذبية
لم يهتد اليه نيوتن،و لا العلماء من بعده؟!
الجواب:
ان في أحجار الكعبة،و في قبر محمد سرا و أي سر،سرا هو أعظم بكثيرمن السحر و الجاذبية
النيوتنية..انه الحب،حب الله و رسوله الذي لا سلطانعليه لانسان و لا شيطان..و الى هذا
الحب أشار الإمام(ع)بقوله:«يألهوناليه و لوه الحمام».و الحمامـكما هو معلومـرمز الحب
و السلام،و أشد الطيورو لها و حنينا..و أيضا هذا الحب هو الذي أراده ابراهيم أبو الأنبياء
(ع)يوم وقفالى جوار الكعبة يبتهل الى الله و يقول:فاجعل أفئدة من الناس تهوي اليهمـ37
ابراهيم.قال:أفئدة من الناس،و لم يقل:تأتي،لأن الهوى أو الهوي يتضمنمعنى الشوق و الوجد،و
المحب المشتاق لا يسأل عن الأسرار،و لا يهتم«بالتشاور و التذاكر»..أبدا لا يعرف إلا
السمع و الطاعة لمن عشق و أحب،و قديما قيل:ان المحب لمن يحب مطيع.
ان المسلم حقا يحس،و هو ذاهب الى الحج،بأن دعوة نزلت عليه من السماءموقعة باسم الله
و رسوله لكي يحضر الاحتفال بمكة في الوقت المعين،فيسرع رافعاصوته:«لبيك اللهم لبيك لا
شريك لك لبيك»..فإذا واجه الكعبة خفق قلبهطربا،و تساقطت دموع الفرح من عينيه على ما
وفق اليه من الاستجابة لخالقه،و الوقوف مواقف أنبيائه،و التشبيه بملائكته المصطفين بعرشه
كما قال الإمام(ع).
و الأثر الأول الذي تتركه في النفس هذه الفرحة و الغبطة هو الشعور بالمسؤوليةأمام الله
سبحانه رب هذا البيت.و هذا الشعور بالمسؤولية أمام قوة قاهرة عالمةجديرة بالطاعة و العبادة
هو الحكمة من الحج و تشريعه،و المبرر الوحيد لوصفالانسان بالتدين و الايمان عالما كان
أم جاهلا.
و تسأل:ان كثيرا من أهل الحجيج لا يشعرون بهذه المسؤولية على الاطلاقبدليل انهم يعودون
من البيت الحرام الى ما كانوا عليه من قبل؟.
الجواب:
ان الإمام(ع)تكلم عن الذين يشعرون،و يقصدون بيت الله الحرام استجابةلدعوته،و تواضعا
لعظمته،و إذعانا لعزته،و من لا يشعر بشيء من ذلك فلايعد من حجاج بيت الله الحرام،و
ان قصده في كل عام..و كم من صائم ليسله من صيامه إلا الجوع و الظمأ،و كم من قائم ليس
له من قيامه إلا السهرو العناء،كما قال الإمام(ع).
پىنوشت:
1ـو على هذا يسوغ لنا أن نقول:و لا إيمان مع الاصرار على الكبيرة.
|