بِسْمِ اللَهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ
وصلّى اللهُ على محمّد وآله الطّاهرين
ولعنة اللَه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين ولا حول ولا قوّة إلّا باللَه العليّ العظيم
قال الله الحكيم في كتابه الكريم :
شَهِدَ اللَهُ أَنّهُ لَآ إِلَهَ إِلّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لَآ إِلَهَ إِلّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . (1)
نجد أنّ هذه الآية المباركة قد عدّت الموجود الوحيد القائم بالقسط والعدل الذي شهد على وحدانيّة ذاته المقدّسة . ويحقّ للملائكة وأُولي العلم وحدهم دون غيرهم أن يشهدوا على وحدانيّته أيضاً . وعلى هذا لا يستطيع أحد من مخلوقات العالم السفليّ من جماد ، ونبات ، وحيوان ، وجنّ ، وكذلك جميع أفراد البشر أن يشهدوا على وحدانيّته . وليس لأحد قدرة على ذلك ما عدا ذاته المقدّسة ، والملائكة الذين هم من العالم العلويّ . ولم يعرفه حقّ معرفته إلّا أُولو العلم والمتلمّسون سبل السلام والبالغون درجات التوحيد والمعرفة .
إنّ أُولي العلم هم الذين هُدوا إلى معرفته ، وظفروا بمنهل عرفانه العذب الهانئ الحلو بلا شائبة كدورة ومرارة وقلق . وهم الذين يستطعيون أن يقودوا العالم الإنسانيّ تلقاء ذلك المكان المطمئن والمحلّ الآمن المستقرّ ، ويكونوا حملة للواء القافلة البشريّة ، ويحذّروا من أخطار الطريق ، ويعلّموه شروط السفر ومعدّاته ولوازمه ، ويرغّبوه في ذلك ، وينقذوه من النزغات والوساوس ، ويرشدوه إلى الحرم الإلهيّ حيث الهدوء المطلق والسكون المفعم بالبهجة والسرور .
إنّ الدين عبارة عن مجموعة الأحكام والقوانين والتعاليم التي تدعو الإنسان إلى هذا الهدف . ومن الواضح أنّ حملة راية النهضة الإلهيّة ينبغي أن يكونوا من أُولي البصيرة والعلم والمعرفة بالهدف والمقصود ، ومن الملمّين بالمقدّمات وطرق السلوك ، وأن يكونوا أنفسهم قد طووا هذا الطريق حتّى يتسنّى لهم إيصال هذه القافلة إلى بغيتها في الصراط المستقيم سليمة من أدنى خطأ وانحراف .
ولابدّ للحكومة الدينيّة ـ أي الحكومة الدنيويّة والأُخرويّة ، أي الحكومة الإلهيّة ـ أن ترتكز على أساس العلم والمعرفة ، وإلّا تصبح كحكومة الغاب ، وتُمضي الحياة في عالم التوحّش والبهيميّة والسبعيّة ، وتقوم على قاعدة القدرة الماليّة ، والاعتباريّة ، والقوّة الطبيعيّة ، والمُخَطّطَات المفتعلة ، وواضح أنّها ستسوق القافلة إلى جهنّم ، لا إلى الجنّة .
إنّ سبب تأسيس الحكومة في المجتمع البشري هو لتنظيم وهداية الأشخاص إلى المسير المستقيم والخطّ الصحيح القويم فيستمتعوا جميعهم بالمواهب الإلهيّة في أحسن شكل وأتمّ صورة . وينعموا بالثروات الموجودة في طريق الكمال . ويطبّقوا عمليّاً ما عندهم من استعدادات وقابليّات بأفضل وجه .
يستطيع القائد والمرشد بما يتمتّع به من قدرة وإمكانيّات تامّة أن يحرّك هذه الجماعة . ولابدّ له ـ حتّى يتمكّن من قطع دابر المخالفين وقطّاع الطرق وقيادة حركة الجماعة بهدوء وسكينة ـ أن يكون عالماً بالأُمور القياديّة ومتمكّناً من إيجاد سبل النجاة ، وعارفاً بالأسباب واللوازم ، وخبيراً بالمقامات المعنويّة والسير الروحانيّ . وإن لم يكن عالماً وعارفاً ، فإنّه لا يستطيع أن يصبح قائداً ، حيث سيأخذ بيد الناس إلى طريق الخلاف والفساد ، بل ويصبح من المناوئين وقطّاع الطرق ، وبالنتيجة سيقف أمام التقدّم والتكامل ، شاء أم أبى ؛ لأنّه سيقود المجتمع وفقاً لهواه ورغبته ، وبذلك سيدمّر الاستعدادات الكامنة عند أشخاص معيّنين ، ويسلّمهم إلى الحرمان والإفلاس .
ومَثَل هؤلاء الحكّام كالصخرة التي تقف حائلاً أمام مجرى الماء في النهر ، فلا هي تشرب الماء ، ولا تدعه يصل إلى الأراضي الزراعيّة ، لتعطي محصولها ، فَتُقطَف أثمارها المفيدة من بساتينها .
أو مثلهم كالمريض الموبوء الذي يجعل من نفسه طبيباً ، فلا هو يعالج نفسه ، ولا الناس يسلمون منه ، إذ سيسري مرضه ويصيب كلّ مَن يتّصل به .
عندما تتّكئ القيادة والحكومة على القوّة والسلاح ، أو عندما تقوم على الانتخاب الذي يتحقّق وفقاً لمجموع أصوات المنتخِبين من العوامّ ، فلا يفضي ذلك إلى المدينة الفاضلة .
كانت الحكومة في جميع الأديان السماويّة بيد الأنبياء الماسكين بدفّة إدارة شؤون الرعيّة ، فيرتّبون أُمورها ، وينظّمون معاشها ويهيّئون ما ينفعها في المعاد على أساس علمهم ومعرفتهم . وهم القائمون بالقسط والعدل .
قُلْ أَمَرَ رَبّى بِالْقِسْطِ . (2)
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَهُ مَن يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنّ اللَهَ قَوِىّ عَزِيزٌ . (3)
نلاحظ في هذه الآية أنّ الله تعالى جعل سبب إرسال الأنبياء بالمعجزات والأدلّة الواضحة ، وإنزال الكتاب والميزان معهم ، هو قيام الناس بالقسط ، والحياة على أساس العدالة الماديّة والروحيّة ، وتأسيس المدينة الإلهيّة الفاضلة . فلابدّ لحامل لواء هذه النهضة أن يكون نبيّاً عالماً بالله ، عارفاً به وبأمره ، بصيراً وخبيراً بالمنجيات والمهلكات وبكيفيّة تقديم الإعانات والمساعدات الشخصيّة والقيام بالنهضات العامّة .
فينبغي للنبيّ أن يحمل السيف بيده ، ويجاهد في طليعة الأُمّة ، ليطهّر الأرض من العناصر المعاندة والمنتهكة ، ويمهّد الطريق لعبوديّة الله ومعرفته ، والوصول للحياة المفعمة بالقسط والعدل .
هذه هي ثمار الحديد القاطع والحادّ ومعطياته ، الذي ينبغي أن يتسلّح به حماة الرسل وناصروهم ، والمميّز للعاشقين الإلهيّين التوّاقين إلى لقاء الله وزيارته في عرصات الامتحان .
وَكَأَيّن مّن نّبِىّ قَتَلَ مَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَهُ يُحِبّ الصّبِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلّآ أَن قَالُوا رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ * فََاثبهُمُ اللَهُ ثَوَابَ الدّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْأَخِرَةِ وَاللَهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ . (4)
نجد في هذه الآيات أنّ الأنبياء مع حواريّيهم والمخلِصين المتربّين في نهج الله ينهضون للجهاد في سبيل الله لتطهير الأرض من العناصر الفاسدة والمُفْسِدة . وليميّزون العُصاة المتمرّدين والمعتدين ، الذين هم كالغدّة السرطانيّة والجمرة والأُكال ، ويفرزونهم عن مجتمع التوحيد الطاهر ، ويعدّون الأرضيّة لتربية وتكامل سائر الأشخاص المؤهّلين للصلاح .
وتشير هذه الآيات بوضوح على أنّ الجهاد في سبيل الله لم يقتصر على الإسلام فقط ، بل كان الأنبياء السابقون مكلّفين بهذه المهمّة أيضاً ، وقد اختلفت أساليب جهادهم ، حيث قام كلّ منهم بدوره حسب مقتضيات زمانه والظروف التي كانت سائدة آنذاك .
ولا يمكن تصوّر دعوة النبيّ من دون تأسيس الحكومة ومركز السلطة واتّخاذ القرار ، كما لا يمكن إيصال دعوة الأنبياء وترسيخها بدون الجهاد والقتال في سبيل الله ، لأنّ المعارضين من أصحاب المصالح الشخصيّة موجودون في كلّ زمان ومكان وسيقفون بقوّة أمام دعوة الأنبياء .
غاية الأمر ، يجب أن يكون قائد ورئيس هؤلاء المقاتلين نبيّاً ، وهذا النبيّ هو العالم الربّانيّ في الأُمّة . ولابدّ أن يكون المحور الأساسيّ لهذا الأمر ، وقطب الرحى في هذه النهضة ، وإذا كان لابدّ للجيش من قائد ، فيجب تعيينه من قِبَل النبيّ ، كما نقرأ ذلك في الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن طالوت والنبيّ الذي اختاره أميراً على الجيش ؛ قال تعالى :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِى إِسْرَ ءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِىّ لّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نّقَتِلْ فِى سَبِيلِ اللَهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلّا تُقَتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَآ أَلّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلّوا إِلّا قَلِيلًا مّنْهُمْ وَاللَهُ عَلِيمٌ بِالْظَلِمِينَ * وَقَالَ لَهُمْ نَبِيّهُمْ إِنّ اللَهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ الْمَالِ قَالَ إِنّ اللَهَ اصْطَفَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَهُ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ وَاللَهُ وَ سِعٌ عَلِيمٌ . (5)
نرى في هاتين الآيتين ما يأتي :
أوّلاً : أنّ تلك الشريحة من بني إسرائيل لم تختر لها حاكماً وسلطاناً ، بل راجعت نبيّها ، وطلبت منه أن يولّي عليهم حاكماً ليقاتلوا تحت قيادته وفي ظلّ تدبيره .
ثانياً : اختار لهم نبيّهم طالوتَ ، فاعترضوا عليه بأنّه رجل ليس له جاه وشأن وخَدَم وحَشَم ومال كثير ، وينبغي للحاكم أن تكون له هذه الأشياء . وقالوا : إنّهم أجدر منه لحكومة الناس ، لما يتمتّعون به من هذه المواصفات والميزات الخارجيّة . فلم يهتمّ النبيّ بكلامهم ولم يقم لمنطقهم وزناً من منطلق مدرسة العلم والوحي والحقائق .
ثالثاً : ذكر القرآن الكريم أنّ من أهمّ ميزات طالوت هي بسطته في العلم والجسم ، أي كثير العلم ، وقويّ الجسم . فما هو ضروريّ للحكومة يكمن في القابليّة الفكريّة ، والفكر النقيّ ، والعلم الكثير ، والقدرة الطبعيّة والطبيعيّة ؛ وما على الحكومة إلّا أن تسخّر ذلك العلم لترى الطريق الصحيح والمستقيم ، وتستثمر تلك القدرة من أجل المصلحة العامّة .
فما أضيق وأسخف رأي القائلين : إنّ النبوّة والحكومة لا تجتمعان ! فالنبوّة والعلم الإلهيّ والفقاهة في أمر الدين والبصيرة والمعرفة بالله ونظامه من الشرائط الأوّليّة والمستلزمات العضويّة للحكومة ، والفقاهة المذكورة هنا ليست باصطلاح اليوم التي قد يخالف صاحبها العلم والعرفان الإلهيّ ، وقد يرى طريق المعرفة موصداً ، وقد لا تراه يتقدّم خطوة على طريق تهذيب النفس وتكامل الروح والوصول إلى ذروة المعراج الإلهيّ .
أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلَى مَآ ءَاتهُمُ اللَهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَ هِيمَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مّلْكًا عَظِيمًا . (6)
وعلى هذا الأساس ، لمّا عاد بُرَيْدَةَ من سفره بعد وفاة رسول الله ورأى أبا بكر يسمّي نفسه خليفة ، ويدعو الناس إلى بيعته ، وطلب منه البيعة أيضاً ، فامتنع ، وقال : لِمَ لَم تبايعوا عليّاً وصيّ رسول الله ؟ وأجابه عمر : لا يجتمع النبوّة والملك في بيت واحد . فقال بريدة : خنتم ، وغدرتم ومكرتم ! ألم يرد في القرآن الكريم قوله :
فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إبْرَ هِيمَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مّلْكًا عَظِيمًا . (7)
وروى الشريف المرتضى علم الهدى عن إبراهيم الثقفيّ بسنده المتّصل عن سفيان بن فروه ، عن أبيه ، قال : جَاءَ بُرَيْدَةُ حَتّى رَكَزَ رَايَتَهُ فِي وَسَطِ (أَسْلَمَ) (وهو أيضاً كان من تلك القبيلة أسلميّاً) ثُمّ قَالَ : لَا أُبَايِعُ حَتّى يُبَايِعَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . فَقَالَ عَلِيّ عَلَيهِ السّلَامُ : يَا بُرَيْدَةُ ! ادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النّاسُ ، فَإنّ اجْتَمَاعَهُمْ أَحَبّ إلَيّ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ ـ اليَوْمَ ـ . (8)
وكذلك روى عن إبراهيم الثقفيّ بسنده المتّصل عن موسى بن عبد الله بن الحسين ، (9) قال :
إنّ عَلِيّاً عَلَيْهِ السّلَامُ قَالَ لَهُمْ : بَايِعُوا فَإنّ هَؤلَاءِ خَيّرُونِي : أَن يَأْخُذُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ ، أَوْ أُقَاتِلَهُمْ وأُفَرّقَ أَمْرَ المُسْلِمِينَ . (10)
وروى أيضاً عن إبراهيم الثقفيّ بسنده المتّصل عن موسى بن عبد الله بن الحسن قال :
أَبَتْ أَسْلَمُ أَن تُبَايِعَ ؛ فَقَالُوا : مَا كُنّا نُبَايِعُ حَتّى يُبَايِعَ بُرَيْدَةُ لِقَوْلِ النّبِيّ صَلّى اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ لِبُرَيْدَةَ : عَلِيّ وَلِيّكُمْ مِنْ بَعْدِي . قَالَ : فَقَالَ عَلِيّ عَلَيهِ السّلَامُ : إنّ هَؤْلَاءِ خَيّرُونِي أَنْ يَظْلِمُونِي حَقّي وَأُبَايِعَهُمْ ، وَارْتَدّ النّاسُ حَتّى بَلَغَتِ الرّدّةُ أَحَداً فَاخْتَرْتُ أَنْ أُظْلَمَ حَقّي وَإنْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا . (11) (إذ إنّ بقاء الدين وعدم تشتّت المسلمين في صبري) .
أجل ، فالمراد هنا أنّ الدين الإسلاميّ قد رجّح العلم على كلّ شيء تماشياً مع الفطرة ، وتبعاً لحكم العقل المستقلّ . ولذلك قد اشترط رجحان علم القائد على جميع الأُمّة . ولأنّ العلم كالنور في مقابل الظلام ؛ فهل يمكن المقارنة بينهما ؟ وأيّهما يقود الناس أفضل من غيره : القائد البصير الذي يمسك زمام النهضة أو الأعمى الذي يحتاج إلى من يوجّهه ؟ وما أكثر الآيات الجميلة واللطيفة التي تحمل مضامين متنوّعة عن العلم !
وفي ضوء ما ذكره معظم المفسّرين ، فإنّ الآيات الأُولى التي نزلت على النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم هي آيات سورة العلق التي جرى فيها الحديث عن أكرميّة الله جلّ شأنه ، وأثنت عليه بصفة التعليم بالقلم ، وتعليم الإنسان ما لم يعلم :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِى خَلَق * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبّكَ الْأَكْرَمُ * الّذِى عَلّمَ بِالْقَلَمِ * عَلّمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ . (12)
(العلق هو الدم المنعقد أو الخليّة الشبيهة بالدودة وهي النطفة) .
نلاحظ هنا أنّ الله ذكر صفة أكرميّته على جميع الكائنات ، ثمّ ذكر صفة تعليمه بوصفها أفضل نموذج على عظمته .
اللَهُ الّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَ تٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنّ يَتَنَزّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنّ لِتَعْلَمُوا أَنّ اللَهَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنّ اللَهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْءٍ عِلْمًا . (13)
ترى هذه الآية أنّ ظهور السماوات والأرضين وتنزّل الأمر بينهنّ من عالم الملكوت هو من أجل أن يعلم الإنسان قدرة الله الكاملة وإحاطته العلميّة الشاملة .
فَتَعَلَى اللَهُ الْمَلِكُ الْحَقّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ (في تلاوته) وَقُل رّبّ زِدْنِى عِلْمًا . (14)
يأمر الله نبيّه في هذه الآية المباركة أن يدعوه بزيادة العلم . فما أعظم مقام العلم وما أثمنه ، يأمر الله ثمرة عالم الإمكان الوحيدة : رسوله المكرّم ، أن يطلب منه زيادة علمه !
وبعد أن استبان أنّ العلم هو أعلى رصيد في الوجود ، وأنّ الفطرة والعقل والشرع تشهد على أهمّيّته ، فإنّنا نتساءل : هل من المعقول أن يرحل النبيّ الأعظم عن الدنيا ، ولا ينصب أعلم أُمّته حاكماً عليها ؟ ويترك هذا الأمر إلى اختيار الأُمّة ، فيحكم غير الأعلم مع وجود الأعلم ، ويفعل ما يفعل ؟
إنّ هذا لا ينسجم مع منطق الإسلام وفلسفته . ويغاير الأساس الأصيل الذي ارتكزت عليه مدرسة الإسلام العظيمة .
هل يمكن لهذا الإسلام الذي قوامه الدعوة إلى التوحيد وعرفان الحقّ تعالى ، وسِلّمه العِلمَ وصولاً إلى هذا المقام الرفيع ، ورؤيته في أنّ المعرفة بالكتاب والسنّة هي السبيل العمليّ الوحيد لبلوغ هذا الهدف ، وهو الذي يصف النبيّ بالتعليم والتزكية ، ومعرفة الكتاب والحكمة ، ويبيّن مئات الآيات القرآنيّة في الدعوة إلى العلم والثناء على هذه الثمرة في عالم الوجود ، هل يمكن أن يسحق على جميع هذه المبادئ الثابتة بغتةً ؟ ويقلب هذا الأساس ؟ ويترك اختيار الأُمّة بعد النبيّ العالم والعارف بذات الحقّ المقدّسة وبالعوالم العلويّة ، بل وحتّى العالم السفليّ ، إلى غير الأعلم والجاهل النسبيّ ؟ أو يفوّض إلى الأُمّة اختيار خليفته عليها ، مع علمنا أنّ من الأُمّة البسطاء والجهلاء الذين هم أسرى الهوى والتمنّي وما إلى ذلك ؟!
إنّ كلّ من امتلك معرفة إجماليّة بروح الإسلام وفلسفته الكلّيّة ، يعلم أنّ هذا النهج يخالف أصل الدعوة النبويّة تماماً .
كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بإجماع جميع الشيعة والسنّة ، بل وحتّى الخوارج والنواصب وغير المسلمين كاليهود والنصارى والمجوس ، أعلم الأُمّة وأعرف بمقام التوحيد والأسماء والصفات بعد النبيّ ، وكذا بالقرآن الكريم والسنّة النبويّة ، وبأحكام الإسلام وقوانينه ، وبالحكم والحكومة ، والقضاء وفصل الخصومة ، والاتّصال بعالم الملكوت والعلوم الغيبيّة الإلهيّة .
أليس سلب هذا المقام منه نوعاً من السرقة المكشوفة ؟ وهذه السرقة هي سرقة في المعنى .
جاء جماعة من حواريّيّ أمير المؤمنين عليه السلام إلى المسجد بعد وفاة رسول الله ، وخطب كلّ منهم خطبة غرّاء أمام الحكومة الغاصبة ؛ قال سلمان الفارسيّ :
يَا أَبَا بَكْرٍ ! إلَى مَنْ تُسْنِدُ أَمْرَكَ إذَا نَزَلَ بِكَ القَضَاءُ ؟ وَإلَى مَنْ تَفَزَعُ إذَا سُئِلْتَ عَمّا لَا تَعْلَمُ [وَمَا عُذْرُكَ فِى التّقَدّمِ] (على عليّ بن أبي طالب وسبقه) وَفِي القَوْمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ ـ الخطبة (15) !
وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له قبل واقعة صفّين :
العَجَبُ كُلّ العَجَبِ مِنْ جُهّالِ هَذِهِ الأُمّةِ وَضُلّالِهَا وَقَادَتِهَا وَسَاقَتِهَا إلَى النّارِ ! إنّهُمْ قَدْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ يَقُولُ عَوْدَاً وَبَدءاً : مَا وَلّتْ أُمّةٌ رَجُلاً قَطّ أَمْرَهَا وَفِيهِمْ أَعْلَمُ مِنْهُ إلّا لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سَفَالاً حَتّى يَرْجِعُوا إلَى مَا تَرَكُوا .
فَوَلّوْا أَمْرَهُمْ قَبْلِي ثَلَاثَةَ رَهْطٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ جَمَعَ القُرْآنَ وَلَا يَدّعِي أَنّ لَهُ عِلْماً بِكِتَابِ اللَهِ وَلَا سُنّةَ نَبِيّهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ وَقَدْ عَلِمُوا أَنّي أَعْلَمُهُمُ بِكِتَابِ اللَهِ وَسُنّةِ نَبِيّهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ وَأَفْقَهُهُمْ وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَهِ وَأَقْضَاهُمْ بِحُكْمِ اللَهِ . (16) ... إلى آخره .
وكذلك رأينا الإمام الحسن المجتبى عليه السلام يقول في تلك الخطبة المفصّلة الغرّاء التي ألقاها ومعاوية جالس :
وَأُقْسِمُ بِاللَهِ لَوْ أَنّ النّاسَ بَايَعُوا أَبِي حِينَ فَارَقَهُمْ رَسُولُ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ لَأَعْطَتْهُمُ السّمَاءُ قَطْرَهَا وَالأَرْضُ بَرَكَتَهَا ؛ وَمَا طَمِعْتَ فِيهَا يَا مُعَاوِيَةُ !
فَلَمّا خَرَجَتْ مِنْ مَعْدِنِهَا تَنَازَعَهَا قُرَيْشٌ بَيْنَهَا فَطَمِعَتْ فِيهَا الطّلَقَاءُ وَأَبْنَاءُ الطّلَقَاءِ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ ؛ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ : مَا وَلّتْ أُمّةٌ أَمْرَهَا رَجُلاً وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إلّا لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سَفَالاً حَتّى يَرْجِعُوا إلَى مَا تَرَكُوا . فَقَدْ تَرَكَتْ بَنُوا إسْرَائِيلَ هَارُونَ وَهُمَ يَعْلَمُونَ أَنّهُ خَلِيفَةُ مُوسَى فِيهِمْ وَاتّبَعُوا السّامِرِيّ وَقَدْ تَرَكَتْ هَذِهِ الأُمّةُ أَبِي وَبَايَعُوا غَيْرَهُ وَقَدْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ يَقُولُ : أَنْتَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إلّا النّبُوّةَ ـ الخطبة . (17)
وذكر المجلسيّ رضوان الله عليه موعظة من مواعظ الإمام الصادق عليه السلام ، قال فيها :
قَالَ : مَنْ دَعَا النّاسَ إلَى نَفْسِهِ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ ضَالّ . (18)
أتذكّر أنّي سافرت إلى حجّ بيت الله الحرام سنة 1394 ه للمرّة الثالثة . وكان منزلنا في (كُدا ـ مَسْفَلة) (19) أي في الجانب السفليّ جنوب مكّة . ذهبنا ذات يوم مع أحد عشر شخصاً من الأصدقاء الذين التقيناهم في سفرنا إلى مقبرة المَعْلَى شمال المسجد الحرام لزيارة قبور أجداد رسول الله وأبي طالب وخديجة عليهم السلام . ولمّا فرغنا من الزيارة وأردنا الرجوع ، لم نحصل على سيّارة ركّاب صغيرة بسبب الازدحام ، فاضطررنا أن نركب سيّارة حمل صغيرة ، وجلستُ إلى جانب السائق ، وجلس سائر الأصدقاء خلفنا . وسارت السيّارة ببطء ، بسبب تراكم المارّة ، ثمّ وصلنا إلى منزلنا بعد نصف ساعة تقريباً . وجرى الحديث بيننا وبين السائق في الطريق . وعرفنا أنّ السائق هو صاحب السيّارة ، وكان سنّيّاً .
عندما ركبت في سيّارته ، سلّمت عليه فردّ عَلَيّ السلام مرحّباً بي . وسألته عن أحواله ، ثمّ قلت له : نحن شيعة جعفريّة اثنا عشريّة من إيران !
قال : لا نجد فيكم عيباً سوى سبّكم صحابة رسول الله !
قلت له : معاذ الله ! كيف نسبّ أُولئك الصحابة العظام ؟ وهم الذين نصروا رسول الله في حروبه ، ومنهم من استشهد ، ومنهم من لم يُستشهد . وكانوا راسخين في إيمانهم . اعلم أنّنا نحبّ صحابة رسول الله ، ونقرأ تأريخهم ، ونعرفهم ونعرف الآيات القرآنيّة التي نزلت في مدحهم والثناء عليهم ، كآية :
مُحَمّدٌ رّسُولُ اللَهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَيهُمْ رُكّعًا سُجّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مّنَ اللَهِ وَرِضْوَ نًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ـ إلى آخر الآية . (20)
وبعد أن قرأت له عدداً من الآيات في فضيلة الصحابة ، قلت له : نحن نقرأ في أدعيتنا دائماً هذه الآية التي تشمل أصحاب رسول الله أيضاً :
رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَ نِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيْمَنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلّا لِلّذِينَ ءَامَنُوا رَبّنَآ إِنّكَ رَؤوفٌ رّحِيمٌ . (21)
ونحن ندعو لأصحاب رسول الله ؛ وننظر إليهم كما ننظر إلى آبائنا وأُمّهاتنا ، بل أكثر من ذلك !
ثمّ طفق يتلو عدداً من الآيات في مناقب الصحابة ؛ فعرفنا أنّه كان شخصاً مطّلعاً خبيراً ، وملمّاً بالآيات القرآنيّة وبموضع الاستشهاد بها تماماً .
قال : لماذا لا تقرّون بالخلفاء بعد رسول الله ؟!
قلت : لأنّ عليّ بن أبي طالب كان أفضل منهم وأعلم ؛ وكلّ ذي لبّ يقول : على الإنسان أن يرجع إلى الأعلم والأفضل في شؤونه ؛ بخاصّة في الشؤون الخطيرة والعظيمة . وأيّ أمر من الأُمور الدينيّة أعلى وأهم من الحكم ، إذ ترتبط به سعادة الإنسان وشقاؤه ؟ أقول لك : لو عطبت سيّارتك فأين تذهب ؟ هل تذهب إلى الأحذق الأمهر والأعرف بفنّ ميكانيك السيّارات ؟ أو تذهب إلى أيّ شخص يقول : أنا أعرف ، وإن لاحظتَ منه عدداً من الأخطاء ؟! ولو مرض ابنك ، واحتاج إلى عمليّة جراحيّة ، فأيّ طبيب تراجع ؟ هل تراجع الطبيب الأحذق ؟ أو تراجع أيّ طبيب كان حتّى لو لم يكن على درجة عالية من الحذق ؟ هذا مع التسليم بأنّك تتمكّن من الوصول إليهما معاً ، وأنّ مراجعة كلّ منهما متيسّرة لك .
قال : من الواضح أنّا نراجع الشخص الأعرف والطبيب الأمهر .
قلتُ : فالإماميّة ، أي : الشيعة يعتقدون بخلافة عليّ بن أبي طالب عليه السلام بلا فصل ، ويتّبعونه على هذا الأساس وهذه القاعدة ، ويأخذون أحكام دينهم منه بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .
قال : إنّ للخلفاء الآخرين فضلاً ، ولهم سابقة الجهاد والهجرة . وكان لهم علم واطّلاع بكتاب الله .
قلت : نحن لا نبغي نفي الفضل وسابقة الجهاد ، والهجرة والعلم بكتاب الله ، وأنا أردّ عليك في كلامي هذا ما ذكرتَه ! نحن نقول : عَلِيّ أَفْضَل ، وَأَعْلَم . وعلى الإنسان أن يرجع إلى الأَعْلَم ، ويتّبعه . واتّبعت الشيعة عليّاً على هذا الأساس منذ اليوم الأوّل ، بلا إنكار لفضل وشرف الصحابة المؤمنين والمجاهدين والمضحّين في سبيل رسول الله .
ولما ورد في الصحاح والكتب الموثوقة ، وثبت عند الجميع أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : عَلِيّ أَقْضَاكُمْ ؛ عَلِيّ أَفْقَهُكُمْ ؛ وَأَعْلَمُ أُمّتِي بِكِتَابِ اللَهِ ؛ (22) وَعَلِيّ مَعَ الحَقّ وَالحَقّ مَعَ عَلِيّ حَيثُمَا دَارَ ، وَأَنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِيّ بَابُهَا .
وفي هذه الحالة ، فلنا حجّتنا العقليّة والشرعيّة في اتّباع عليّ . وإذا آخذنا الله تعالى يوم القيامة في موقف الحساب وعرصات القيامة لعدم اتّباعنا الخلفاء ، فإنّا نحتجّ بهذه الأحاديث المستفيضة والمتواترة التي لا شكّ ولا تردّد في صدورها عن رسول الله ، ونقول : إنّا باتّباعنا عليّاً ، اتّبعنا رسول الله في الحقيقة ، وفقاً لهذه الأحاديث والوصايا النبويّة .
وأمّا إذا لم نتّبع عليّاً ، واتّبعنا شخصاً آخر ؛ وآخذنا الله على ذلك يوم القيامة وسألنا : لماذا اتّبعتم غير عليّ ؟ ولماذا تركتم سنّته ومنهاجه وسرتم في طريق غيره ؟ وإذا قرأ لنا هذه الأحاديث واحداً واحداً ، فماذا نقول في جواب الحقّ تعالى ؟
لم يجبني ذلك الرجل السنّيّ ، ولزم جانب الصمت ، وغرق في التفكير لخمس دقائق تقريباً ، حتّى وصلنا إلى منزلنا ، فوقفت السيّارة ، وودّعته ، ونزلت . نزل الرجل أيضاً من الباب الأُخرى للسيّارة ، وألقى نظرة على محلّ إقامتنا ، إذ كان في الطابق الثاني من العمارة الحديثة البناء ، وفي الطابق الأرضيّ محلّ كبير لبيع الخبز وصنع الحلويّات . والتفت الرجل إلى رفقائنا الذين نزلوا من السيّارة وقال لهم : هَذَا عَالِمٌ جَلِيلٌ لَا تَتْرُكُوهُ .
وقال لي : سوف آتيكم هنا إن شاء الله ؛ بَيدَ أنّا لم نره خلال اليومين اللذين مكثنا فيهما هناك ؛ ثمّ قدمنا إلى جدّة من أجل العودة . والحَمْدُ لِلّهِ . (23)
ودار في خلدي أنّه لو جاء إلينا ، لنقلت له رواية كنت قد قرأتها في «المحاسن والمساوئ» للبيهقيّ ، وفي خاطري شيء منها مجملاً . وأنقل للقرّاء الكرام فيما يأتي تفصيلها بعد مراجعتي الكتابَ المذكور .
روى البيهقيّ عن أبي حيّان التيميّ (24) أنّه قال : حدّثني رجل حضر مجلس القاسم بن المُجَمّع وهو والي الأهواز ، قال : حضر مجلسه رجل من بني هاشم ، فقال : أصلح الله الأمير ! ألا أُحدّثك بفضيلة لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ؟! قال : نعم ، إن شئت !
قال : حدّثني أبي ، قال : حضرت مجلس محمّد ابن عائشة بالبصرة ، إذ قام إليه رجل من وسط الحلقة ، فقال : يا أبا عبد الرحمن ! من أفضل أصحاب رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم ؟!
قال : أَبُو بَكْرٍ ، وعُمَرُ ، وعُثْمَانُ ، وطَلْحَةُ ، والزّبَيْرُ ، وسَعْدُ ، وسَعِيدُ ، وعَبْدُ الرّحْمَنِ ، وأَبُو عُبَيْدَةُ بْنُ الجَرّاحِ .
فقال له : فَأَيْنَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؟!
قال مُحَمّدُ ابْنُ عَائِشَة : يا هذا ! تستفتي عن أصحابه ، أم عن نفسه ؟
قال : بل عن أصحابه !
قال ابن عائشة : إنّ الله تبارك وتعالى يقول:
فَقُلْ تَعَالُوا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ . (25)
«عليّ نفس رسول الله» . فَكَيْفَ يَكُونُ أصْحَابُهُ مِثْلَ نَفْسِهِ . (26)
وروى عن ابن عبّاس أنّه قال : كَانَ لِعَلِيّ رَضِيَ اللَهُ عَنْهُ خِصَالٌ ضَوَارِسُ قَوَاطِعُ : سِطَةٌ فِي العَشِيرَةِ ، وَصِهْرٌ بِالرّسُولِ ، وَعِلْمٌ بِالتّنْزِيلِ ، وَفِقْهٌ فِي التّأوِْيلِ ، وَصَبْرٌ عِنْدَ النّزَالِ ، وَمُقَاوَمَةُ الأَبْطَالِ ، وَكَانَ أَلَدّ إذَا أَعْضَلَ ، ذَا رَأَيٍ إذَا أَشْكَلَ . (27) وأنشد الشاعر الفارسيّ المعروف الحكيم السنائيّ ، وهو شاعر ضليع عاش في القرنين الخامس والسادس الهجريّين ، أنشد في باب مدينة علم النبيّ ، ولزوم اتّباع الباب قائلاً :
شو مدينه علم را در جوى و پس در وى خرام
تا كى آخر خويشتن چون حلقه بر در داشتن
چون همى دانى كه شهر علم را حَيْدر دَر است
خوب نبود جز كه حيدر مير و مهتر داشتن (28)
وهذان البيتان من قصيدة له تضمّ ستّة وأربعين بيتاً ، أنشدها كلّها في جواب السلطان سنجر السلجوقيّ وإرشاده ودعوته إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام ؛ وننقل فيما يأتي بعض أبياتها :
كار عاقل نيست در دل مُهر (29) دل برداشتن
جان نگين مُهر مِهر شاخ بى برداشتن
تا دلِ عيسىّ مريم باشد أندر بند تو
كِىْ روا باشد دل اندر سُمّ هر خر داشتن
يوسف مصرى نشسته با تو اندر انجمن
زشت باشد چشم را در نقش آذر داشتن
أحمد مرسل نشسته كِى روا دارد خرد
دل أسير سيرت بوجهل كافر داشتن
بَحر پُر كشتى است ليكن جمله در گرداب خوف
بى سفينه نوح نتوان چشم مَعْبَر داشتن
گر نجات دين و دل خواهى همى تا چند ازين
خويشتن چون دايره ، بىپا و بىسر داشتن
من سلامت خانه نوح نبىّ بنمايمت
تا توانى خويشتن را ايمن از شرّ داشتن (30)
شو مدينه علم را در جوى و پس در وى خرام
تا كى آخر خويشتن چون حلقه بر در داشتن
چون هميدانى كه شهر علم را حيد دَرَسْت
خوب نبود جز كه حيدر مير و مهتر داشتن
كِى روا باشد به ناموس و حيل در راه دين
ديو را بر مسند قاضىّ أكبر داشتن
از تو خود چون مىپسندد عقل نابيناى تو
پارگين را قابل تسنيم و كوثر داشتن
مر مرا بارى نكو نايد ز روى اعتقاد
حقّ زهرا بردن و دين پيمبر داشتن
آنكه او را بر سر حيدر همى خوانى أمير
كافرم گر مىتواند كفش قنبر داشتن (31)
تا سليمان وار باشد حَيْدر اندر صدرِ مُلك
زشت باشد ديو را بر تارك أفسر داشتن
خِضْر فَرّخ پى دليلى را ميان بسته چو كلك
جاهلى باشد ستور لنگ رهبر داشتن
گر همىخواهىكه چونمهرتبودمهرتقبول
مهر حيدر بايدت با جان برابر داشتن
چون درخت دين به باغ شرع حيدر در نشاند
باغبانى زشت باشد جز كه حيدر داشتن
جز كتاب الله و عترت ز احمد مرسل نماند
يادگارى كان توان تا روز محشر داشتن
از گذشت مصطفاى مجتبى ، جز مرتضى
عالَم دين را نيارد كس مُعَمّر داشتن (32)
از پس سلطان دين پس چون روا دارى همى
جز عليّ و عترتش محراب و منبر داشتن
هشت بستان را كجا هرگز توانى يافتن
جز بحبّ حيدر و شُبّير و شَبّر داشتن
گر همى مؤمن شمارى خويشتن را بايدت
مهر زرّ جعفرى ، بر دين جعفر داشتن
أى سنائى وارهان خود را كه نازبيا بود
دايه را بر شيرخواره ، مِهر مادر داشتن
بندگى كن آل ياسين را به جان تا روز حشر
همچو بىدينان نبايد روى اصفر داشتن
زيور ديوان خود ساز اين مناقب را از آنك
چاره نبود نو عروسان را ز زيور داشتن (33)
وذكر ابن شهرآشوب في مناقبه ، عن سفيان ، عن ابن جريح ، عن عطاء ، عن ابن عبّاس في قوله تعالى:
وَقَالَ الّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَنَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كِتَبِ اللَهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . (34)
يقول هؤلاء ذلك للمجرمين الذين يقسمون يوم القيامة إنّهم ما لبثوا غير ساعة .
قال : قد يكون الإنسان مؤمناً ، ولا يكون عالماً ، فو الله لقد جُمع لعليّ كلاهما العلم والإيمان . (35) وقائل هذا الكلام للمجرمين يوم القيامة عليّ بن أبي طالب عليه السلام .
وروى محمّد بن مسلم ، وأبو حمزة الثماليّ ، وجابر بن يزيد عن الباقر عليه السلام ، وعليّ بن فضّال ، والفضيل بن يسار ، وأبو بصير عن الصادق عليه السلام ، وأحمد بن محمّد الحلبيّ ، ومحمّد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام ، وكذلك روي عن موسى بن جعفر عليه السلام ، وزيد بن عليّ ، ومحمّد ابن الحنفيّة ، وسلمان الفارسيّ ، وأبي سعيد الخُدريّ ، وإسماعيل السدّيّ في تفسير الآية الكريمة:
قُلْ كَفَى بِاللَهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَينَكُمْ وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ . (36)
قالوا : هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام .
وروي عن ابن عبّاس أنّه قال : لَا وَاللَهِ مَا هُوَ إلّا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيهِ السّلَامُ لَقَدْ كَانَ عَالِماً بِالتّفْسِيرِ وَالتّأْوِيلِ وَالنّاسِخِ وَالمَنسُوخِ وَالحَلَالِ وَالحَرَامِ . (37)
وروي عن ابن الحنفيّة قوله : عليّ بن أبي طالب عليه السلام عنده علم الكتاب الأوّل والآخر . (38) ورواه النطنزيّ في «الخصائص» .
ومن المحال أنّ الله تعالى يستشهد بيهوديّ (عبد الله بن سلّام) ويجعله ثاني نفسه .
وقوله:
قُلْ كَفَى بِاللَهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَبِ (39)
موافق في عدد الحروف الأبجديّة لقول ابن عبّاس : كَلّا ، أُنزِلَ فِي أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيّ ، إذ إنّ عدد حروف كلّ واحد منهما ثمانمائة وسبعة عشر .
وقال العونيّ :
وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ وَعِلْمُ مَا
يَكُونُ وَمَا قَدْ كَانَ عِلْماً مُكْتَمَا
وقال أبو مُقاتل بن الداعي العلويّ :
وَإنّ عِنْدَكَ عِلْمَ الكَوْنِ أَجْمَعَهُ
مَا كَانَ فِي سَالِفٍ مِنْهُ وَمُؤتَنَفِ
وقال نصر بن المنتصر :
وَمَنْ حَوَى عِلْمَ الكِتَابِ كُلّهُ
عِلْمَ الّذِي يَأْتِي وَعِلْمَ مَا مَضَى
وقد ظهر علمه (عليّ) على سائر الصحابة حتّى اعترفوا بعلمه ، وبايعوه . (40)
قال الجاحظ : اجتمعت الأُمّة على أنّ الصحابة كانوا يأخذون العلم من أربعة : عَلِيّ ، وَابْنِ عَبّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . وقالت طائفة : عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ . ثمّ أجمعوا على أنّ الأربعة كانوا أقرأ لكتاب الله من عمر .
ولمّا قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : يَوْمّ بِالنّاسِ أَقْرَؤُهُمْ ، فسقط عُمَرِ (من بينهم) .
ثمّ أجمعوا على أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : الأَئِمّةُ مِنْ قُرَيْشٍ ، فسقط ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَزَيْدٌ ، وبقي عَلِيّ وَابْنُ عَبّاسٍ ، ولمّا كان (الاثنان) عالمينِ فقيهينِ قرشيّينِ ، فأكثرهما سنّاً وأقدمهما هجرة عَلِيّ ، فسقط ابْنُ عَبّاسٍ وبقي عَلِيّ أحقّ بالإمامة بالإجماع . (41)
وكانوا (أي وكان الصحابة كلّهم) يسألونه ، ولم يسأل هو أحداً . وقال رسول الله : إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي شَيءٍ فَكُونُوا مَعَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ .
قال عبادة بن الصامت : قَالَ عُمَرُ : أُمِرْنَا إذَا اخْتَلَفْنَا فِي شَىءٍ أَن نُحَكّمَ عَلِيّاً . ولهذا تابعه المذكورون بالعلم من الصحابة نحو : سَلْمَان ، وعَمّار ، وحَذَيْفَة ، وأَبِي ذَرّ ، وأُبَيّ بْنِ كَعْبٍ ، وجَابِرٍ الأَنْصَارِيّ ، وَابْنِ عَبّاسٍ ، وابْنِ مَسْعُودِ ، وزَيْدِ بْنِ صَوحَان . ولم يتأخّر إلّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وأَبُو مُوسَى ، ومَعَاذُ ، وعُثْمَانُ ؛ وكلّهم معترفون له بالعلم ، مقرّون له بالفضل . (42)
قال النقّاش في تفسيره : قال ابن عبّاس : عليّ علم علماً علّمه رسول الله ؛ ورسول الله علّمه الله ؛ فَعِلم النبيّ علم الله ؛ وعلم عليّ من علم النبيّ ؛ وعِلمي من علم عليّ ؛ وما علمي وعلم جميع أصحاب محمّد في علم عليّ إلّا كقطرة في أسبعة أبحر . (43)
قال الضحّاك : عن ابن عبّاس قال : أُعطي عليّ تسعة أعشار العلم ؛ وإنّه لأعلمهم بالعشر الباقي . (44)
وجاء في «الأمالي» للطوسيّ : مرّ أميرالمؤمنين عليه السلام بملأ فيهم سلمان . فقال لهم سلمان : قوموا ! فخذوا بحجزة هذا ! فوالله لا يخبركم بسرّ نبيّكم صلّى الله عليه وآله غيره ! (45)
وورد في «الأمالي» لابن بابويه : قال محمّد بن المنذر : سمعت أبا أمامة يقول : كان عليّ إذا قال شيئاً ، لم يشكّ فيه ؛ وذلك أنّا سمعنا رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول : خَازِنُ سِرّي بَعْدِي عَلِيّ . (46)
وقال الحِميَريّ :
وَعَلِيّ خَازِنُ الوَحْي الّذِي
كَانَ مُسْتَودَعَ آياتِ السّوَرْ (47)
وروي عن ـ يَحْيَى بْنِ مُعِين بإسناده عن عطاء بن أبي رباح أنّه سئل : هل تعلم أحداً بعد رسول الله أعلم من عليّ ؟! قال : لا والله ما أعلمه . (48)
وأمّا قول عمر بن الخطّاب في ذلك فكثير ، رواه الخطيب (البغداديّ) في (كتابه) «الأربعين» . قال عمر : العلم ستّة أسداس لعليّ من ذلك خمسة أسداس ، وللناس سدس . ولقد شاركنا في السدس ، حتّى لهو أعلم به منّا .
وروى عِكْرَمَةُ عن ابن عبّاس أنّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قال لأمير المؤمنين عليه السلام : يا أبا الحسن ! إنّك لتعجّل في الحكم والفصل للشيء إذا سئلت عنه !
فأبرز عليّ كفّه وقال له : كم هذا ؟ فقال عمر : خمسة !
فقال (أمير المؤمنين) : عجّلت يا أبا حفص !
قال (عمر) : لم يَخْفَ عَلِيّ ؛ فقال عَلِيّ : أنا أسرع فيما لا يخفى عَلَيّ . (49)
وَاسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ شَيءٌ وَنَازَعَ عَبْدَ الرّحْمَنِ فَكَتَبَا إلَيْهِ أَن يَتَجَشّمَ بِالحُضُورِ . فَكَتَبَ إلَيْهِمَا : العِلْمُ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي . فَقَالَ عُمَرُ : شَيْخٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَأَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ يُؤْتَى إلَيْهِ وَلَا يَأْتِي ، فَصَارَ إلَيْهِ فَوَجَدَهُ مُتّكِئَاً عَلَى مِسْحَاةٍ (كان مشغولاً في مزرعة له خارج المدينة) فَسَأَلَهُ عَمّا أَرَادَهُ فَأَعْطَاهُ الجَوَابَ .
فَقَالَ عُمَرُ : لَقَدْ عَدَلَ عَنْكَ قَوْمُكَ وَإنّكَ لَأَحَقّ بِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السّلَامُ :
إنّ يَوْمَ الفَصْلِ كَانَ مِيقَاتَاً . (50)
وروى يونس عن عُبَيْد ، قال : قال الحسن : إنّ عمر بن الخطّاب قال : اللَهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَضِيهَةٍ (51) لَيْسَ لَهَا عَلِيّ عِنْدِي حَاضِرَاً . (52)
وورد في «الإبَانَة» لابْنِ بَطّة أنّ عمر كان يقول في (مسألة تعصي عليه) ويسأل عنها عليّاً ، (فيجيبه) ويفرّج عنه : لَا أَبْقَانِيَ اللَهُ بَعْدَكَ ! (53)
وفي تاريخ البلاذريّ : لَا أَبْقَانِيَ اللَهُ لِمُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو الحَسَنِ . (54)
وجاء في «الإبانة» و«الفائق» : أعُوذُ بِاللَهِ مِنْ مُعْضَلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ . (55)
وقد ظهر رجوعه إلى عليّ عليه السلام في ثلاث وعشرين مسألة حتّى قال : لَوْلَا عَلِيّ لَهَلَكَ عُمَرُ . (56)
روى البيهقيّ عن أبي عثمان قاضي الري ، عن الأعمش ، عن سعيد ابن جبير ، قال : كان عَبْدُ اللَهِ بْنُ عَبّاسٍ بمكّة يحدّث على شَفِيرِ زَمْزَم ونحن عنده . فلمّا قضى حديثه ، قام إليه رجل ، فقال :
يا بن عبّاس ! إنّي امرؤ من أهل الشام من أهل حِمْص ؛ إنّهم يتبّرأون من عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه ، ويلعنونه . فقال [ ابن عبّاس ] : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَهُ فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً !
أَلِبُعْدِ قَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلّمَ ؟ وَأَنّهُ لَمْ يَكُنْ أَوّلَ ذُكْرَانِ العَالَمِينَ إيمَاناً بِاللَهِ وَرَسُولِهِ ؟ وَأَوّلَ مَنْ صَلّى وَرَكَعَ وَعَمِلَ بِأَعْمَالِ البِرّ ؟
قال الشاميّ : إنّهم والله ما ينكرون قرابته وسابقته ؛ غير أنّهم يزعمون أنّه قتل الناس !
فقال ابن عبّاس : ثَكَلَتْهُم أُمّهَاتُهُمْ ! إنّ عليّاً أعرف بالله عزّ وجلّ وبرسوله وبحكمهما منهم ، فلم يقتل إلّا من استحقّ القتل .
قال [ الشاميّ ] : يا بن عبّاس ! إنّ قومي جمعوا لي نفقة ؛ وأنا رسولهم إليك ، وأمينهم ولا يسعك أن تردّني بغير حاجتي ! فإنّ القوم هالكون في أمره ؛ ففرّج عنهم فَرّج الله عنك !
فقال ابن عبّاس : يا أخا أهل الشام ! إنّما مثل عليّ في هذه الأُمّة في فضله وعلمه كمثل العَبْدِ الصّالِحِ (الخِضْر) الذي لقيه موسى عليه السلام لمّا انتهى إلى ساحل البحر ، فقال له:
هَلْ أَتّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا . (57)
قال [ذلك] العالم (الخِضر) : إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا . (58)
قال موسى : سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللَهُ صَابِرًا وَلَآ أَعْصِى لَكَ أَمْرًا . (59)
قال له العالم:
فَإِنِ اتّبَعْتَنِى فَلَا تَسَْلْنِى عَن شَىْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا * فَانطَلَقَا حَتّى إذَا رَكِبَا فِى السّفِينَةِ خَرَقَهَا . (60)
وكان خرقها للّه جلّ وعزّ رضىً ، ولأهلها صلاحاً . وكان عند موسى عليه السلام سخطاً وفساداً ؛ فلم يصبر موسى عليه السلام وترك ما ضمن له فقال :
أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . (61)
قال له العالم:
أَلَمْ أَقُلْ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا . (62)
قال موسى:
لَا تُؤاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا . (63)
فكفّ عنه العالم،
فَانْطَلَقَا حَتّى إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَتَلَهُ .
وكان قتله للّه عزّ وجلّ رضىً ؛ ولأبويه صلاحاً . [ولكن] كان عند موسى عليه السلام ذنباً عظيماً . قال موسى : ولم يصبر [وضاق ذرعاً فقال :]
أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً (64) بِغَيْرِ نَفْسٍ لّقَدْ جِئتَ شَيْئًا نّكْرًا . (65)
قال [له] العالم:
أَلَمْ أَقُل لّكَ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا . (66)
قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لّدُنّى عُذْرًا * فَانْطَلَقَا حَتّى إِذَآ أَتَيَآ أَهلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوا أَن يُضَيّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضّ فَأَقَامَهُ . (67)
وكان إقامته للّه عزّ وجلّ رضىً وللعالمين صلاحاً ، فقال [ له موسى ]:
لَوْ شِئْتَ لَتّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ . (68)
وكان [ذلك] العالم أعلم بما يأتي موسى عليه السلام ، و[ لكن ] كبر على موسى الحقّ وعظم إذ لم يكن يعرف هذا ، وهو نبيّ مرسل من أُولي العزم ممّن قد أخذ الله جلّ وعزّ ميثاقه على النبوّة .
فكيف أنت يا أخا أهل الشام وأصحابك ؟ [وفي أيّ حال ؟ وماذا يحسبون ؟] إنّ عليّاً عليه السلام لم يقتل إلّا من كان يُستحلّ قتله .
وإنّي أُخبرك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان عند أُمّ سَلَمة بنت أَبِي أُمَيّة . (69) إذ أقبل عليّ عليه السلام يريد الدخول على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فنقر نقراً خفيّاً ، فعرف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نقره ، فقال : يا أُمّ سلمة ! قومي فافتحي الباب !
فقالت [ أُمّ سلمة ] : يَا رَسُولَ اللَهِ ! مَنْ هَذَا الّذِي يَبْلُغُ خَطَرُهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ بِمَحَاسِنِي وَمَعاصِمِي ؟!
فقال [النبيّ] : يَا أُمّ سَلَمَةَ ! إنّ طَاعَتِي طَاعَةُ اللَهِ عَزّ وَجَلّ . قَالَ : وَمَنْ يُطِعِ الرّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَهَ . قُومِي يَا أُمّ سَلَمَةَ فَإنّ بِالبَابِ رَجُلاً لَيْسَ بِالخَرْقِ وَلَا النّزِقِ وَلَا بِالعَجِلِ فِي أَمْرِهِ ، يُحِبّ اللَهَ وَرَسُولَهُ ؛ وَيُحِبّهُ اللَهُ وَرَسُولُهُ . يَا أُمّ سَلَمَةَ ! إنّهُ إنْ تَفْتَحِي البَابَ لَهُ فَلَنْ يَدْخُلَ حَتّى يَخْفَى عَلَيْهِ الوَطْءُ .
[فتحت أُمّ سلمة الباب] ، فلم يدخل حتّى غابت عنه ، وخفي عليه الوطء . فلمّا لم يحسّ لها حركة ، دفع الباب ، ودخل ، فسلّم على النبيّ [الأكرم] صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فردّ عليه السلام ، وقال : يا أُمّ سلمة ! هل تعرفين هذا ؟ قالت [أُمّ سلمة] : نعم ! هَذَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ !
فَقَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ : نَعَمْ هَذَا عَلِيّ سِيطَ لَحْمُهُ بِلَحْمِي ، وَدَمُهُ بِدَمِي ؛ وَهُوَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إلّا أَنّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي .
يَا أُمّ سَلمَةَ ! هَذَا عَلِيّ سَيّدٌ مُبَجَلٌ ، مُؤَمّلُ المُسْلِمِينَ ؛ وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ ، وَمَوْضِعُ سِرّي وَعِلْمِي ، وَبَابِيَ الّذِي آوِي إلَيْهِ ؛ وَهُوَ الوَصِيّ عَلَى أَهْلِ بَيْتِي وَعَلَى الأَخْيَارِ مِنْ أُمّتِي ؛ وَهُوَ أَخِي فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ ، وَهُوَ مَعِي فِي السّنَاءِ الأَعْلَى . اشْهَدِي يَا أُمّ سَلَمَةَ : أَنّ عَلَيّاً يُقَاتِلُ النّاكِثِينَ وَالقَاسِطِينَ وَالمَارِقِينَ !
قال ابن عبّاس : وقتلهم للّه رضىً وللأُمّة صلاح ، ولأهل الضلالة سخط .
قال الشاميّ : يا بن عبّاس ! من الناكثون ؟
قال [ابن عبّاس] : الذين بايعوا عليّاً بالمدينة ، ثمّ نكثوا ، فقاتلهم بالبصرة . [أُولئك] أصحاب الجمل . والقاسطون معاوية وأصحابه . والمارقون أهل النهروان ومن معهم .
فقال الشاميّ : يَا بْنَ عَبّاسٍ ! مَلَأَتَ صَدْري نُوراً وَحِكْمَةً ؛ وَفَرّجْتَ عَنّي فَرّجَ اللَهُ عَنْكَ ! أَشْهَدُ أَنّ عَلِيّاً رَضِيَ اللَهُ عَنْهُ مَوْلَايَ وَمَوْلَى كُلّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ . (70)
وقال العارف الشهير الشاعر الشيخ فريد الدّين العطّار النيسابوريّ رضوان الله عليه :
زِ مشرق تا به مغرب گر امام است
علىّ و آل او ما را تمام است
گرفته اين جهان وصف سِنانش
گذشته ز آن جهان وصف سهنانش
چه در سِرّ عَطا إخلاص او راست
سه نان را هفده آيه خاص او راست (71)
اگر علمش شدى بحر مُصَوّر
در او يك قطره بودى بحر أخْضَر
چه هيچش طاقت منّت نبودى
ز همّت گشت مزدور يهودى
كسى گفتش چرا كردى ؟ برآشفت
زبان بگشاد چون شمع و چنين گفت (72)
لَنَقْلُ الصّخِْر مِنْ قُلَلِ الجِبَالِ
أَحَبّ إلَيّ مِنْ مِنَنِ الرّجَالِ
يَقُولُ النّاسُ لِي فِي الكَسْبِ عَارٌ
فَإنّ العَارَ فِي ذُلّ السّؤَالِ
ونقرأ فيما يأتي بيتين للشافعيّ يدلّان عليه جيّداً :
لو شُقّ قلبي لَيُرى فِي وَسْطِه
خَطّانِ قَدْ خُطّا بِلَا كَاتِبٍ
الشّرْعُ وَالتّوْحِيدُ فِي جَانِبٍ
وَحُبّ أَهْلِ البَيْتِ فِي جَانِبِ
وهنا تفوق درجات حبّ أمير المؤمنين عليه السلام ومودّته التعقّل والتفكير ، وتبلغ حدّ التحيّر والوَلَه والتَيْم ، كما عبّر هو نفسه عن هذا المعنى بقوله : وَاجْعَلْ قَلْبِي بِحُبّكَ مُتَيّماً . ويقصر في جنبه حقّاً لفظ الشوق والاشتياق والعشق . وإذا ما تصوّرنا معشوقاً حقيقيّاً في الممكنات ، فمن ذا يكون غير نفسه المقدّسة ؟
إى به حُسن تو صنم چشم فلك ناديده
وى ز مثل تو وَلَد مادر أيّام عقيم (73)
عشق بازى نه طريق حكما بود ولى
چشم بيمار تو دل ميبرد از دست حكيم (74)
صلّى الله عليك يا أمير المؤمنين ! ويا خليفة رسول ربّ العالمين ؛ ويا قائد الغرّ المحجّلين ؛ ويا إمام البَرَرة والمؤمنين .
اى برتر از قياس و خيال و گمان و وهم
وز هر چه ديدهايم و شنيديم و خواندهايم
مجلس تمام گشت و به آخر رسيد عمر
ما همچنان در اوّل وصف تو ماندهايم (75)
روحي وأرواح العالمين لك الفداء .
فِيكَ يَا أُعْجُوبَةَ الكَوْنِ غَدَا الفِكرُ كَلِيلَا
أَنتَ حَيّرْتَ ذَوِي اللّبّ وبَلْبَلْتَ العُقُولَا
كُلّما قَدِمَ فِكْرِي فِيكَ شِبْراً فَرّ مِيلَا
نَاكِصاً يَخْبطُ فِي عَمْيا وَلَا يَهْدِي سَبِيلَا (76)
هزار دشمنم ار مىكنند قصد هلاك
گرم تو دوستى از دشمنان ندارم باك (77)
مرا اميد وصال تو زنده مىدارد
وگرنه هر دمم از هجر تُست بيم هلاك
رود به خواب دو چشم از خيال تو هيهات
بود صبور دل اندر فراق تو حاشاك
اگر تو زخم زنى به كه ديگران مرهم
وگر تو زهر دهى به كه ديگران ترياك
نفس نفس اگر از باد بشنوم بويت
زمان زمان چو گل از غم كنم گريبان چاك
بضرب سيفك قتلي حياتنا أبداً
بأنّ روحي قد طاب أن يكون فداك
عنان مپيچ كه گر مىزنى به شمشيرم
سپر كنم سر و دستت ندارم از فتراك
ترا چنانكه توئى هر نظر كجا بيند ؟
به قدر دانش خود هر كسى كند ادراك (78)
به چشم خلق عزيز آن زمان شود حافظ
كه بر در تو نهد روى مسكنت بر خاك (79)
تعليقات:
1) الآية 18 ، من السورة 3 : آل عمران .
2) صدر الآية 29 ، من السورة 7 : الأعراف .
3) الآية 25 ، من السورة 57 : الحديد .
4) الآيات 146 إلى 148 ، من السورة 3 : آل عمران .
5) الآيتان 246 و 247 ، من السورة 2 : البقرة .
6) الآية 54 ، من السورة 4 : النساء .
7) مناقب ابن شهرآشوب » ج 1 ، ص 546 و 547 ؛ و« غاية المرام » ص 21 ، الحديث . 40 نقلوا هذه الرواية عن إبراهيم الثقفيّ والسريّ بن عبد الله ، وكلاهما نقلها بإسناده عن عمران بن حصين ، وأبي بريدة . ونحن ذكرناها في الجزء الثامن من كتابنا هذا الدرس 110 إلى . 115
8) تلخيص الشافي» ج 3 ، ص 78 ؛ و«غاية المرام» ، ص . 557
9) الصحيح هو موسى بن عبدالله بن الحسن ، كما جاء في الرواية التي بعدها .
10) تلخيص الشافي» ج 3 ، ص 78 ؛ و«غاية المرام» ص . 557
11) تلخيص الشافي» ج 3 ، ص 78 و 79 ؛ و«غاية المرام» ص . 557
12) الآيات 1 إلى 5 ، من السورة 96 : العلق .
13) الآية 12 ، من السورة 65 : الطلاق .
14) الآية 114 ، من السورة 20 : طه .
15) كتاب النقض» المعروف ب «بعض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض» ص 659 ؛ وذكر الشيخ الطبرسيّ ذلك أيضاً في «الاحتجاج» ، ج 1 ، ص 100 ؛ وفيه : امتنع سلمان عن البيعة فلووا عنقه وضربوه .
16) كتاب سليم بن قيس» ، ص . 148
17) الأمالي للطوسيّ» ج 2 ، ص 172 طبعة النجف ؛ و«غاية المرام» ص 298 ، الحديث 26 و . 27
18) «بحار الأنوار» كتاب الروضة من طبعة الكمبانيّ ، ج 17 ، ص 188 ؛ و«سفينة البحار» ، ج 2 ، ص 230 ، مادّة علم .
ونذكر هنا نقلاً عن كتب العامّة صغرى وكبرى للزوم حكم الأعلم في الأُمّة ، وبيان أعلميّة أمير المؤمنين عليه السلام باعتراف الخليفة الغاصب عمر ليثبت بذلك أيضاً انتهاكهم وتعدّيهم ، من أفواههم .
أمّا الصغرى : فقد روى العلّامة الأمينيّ في «الغدير» ج 6 ، ص 268 و 269 عن الحافظ العاصميّ في كتاب «زين الفتى في شرح سورة هل أتى» ، عن أبي الطفيل أنّه قال : شهدت الصلاة على أبي بكر ، ثمّ اجتمعنا إلى عمر بن الخطّاب فبايعناه وأقمنا أيّاماً نختلف إلى المسجد إليه حتّى أسموه أمير المؤمنين فبينما نحن عنده جلوس إذ أتاه يهوديّ من يهود المدينة وهم يزعمون أنّه من ولد هارون أخي موسى عليهما السلام ، حتّى وقف على عمر فقال له : يا أمير المؤمنين ! أيّكم أعلم بنبيّكم وبكتاب نبيّكم حتّى أسأله عمّا أُريد . فأشار له عمر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : هذا أعلم بنبيّنا وبكتاب نبيّنا . قال اليهوديّ : أكذاك أنت يا عليّ ؟ قال الإمام : سل عمّا تريد ! إلى آخر تفصيل الحديث ، وقد أسلم اليهوديّ على يد الإمام .
وأمّا الكبرى : فهي رواية ذكرها الحافظ نور الدين أبو بكر الهيثميّ في «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» ج 5 ، ص 211 ، في باب حقّ الرعيّة والنصح لها ، وفيها أنّ ابن عبّاس روى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في حديث قال فيه : ومن تولّى من أمر المسلمين شيئاً فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلم أنّ فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنّة رسوله فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين ـ الحديث .
ونحصل من ضمّ هاتين الروايتين إلى بعضهما أنّ أمير المؤمنين كان أعلم الأُ مّة باعتراف عمر . وكان تولّي عمر شؤون المسلمين ، مع وجود الإمام ، خيانة للّه ولرسوله ولجميع المؤمنين .
19) كُدا بضمّ الكاف والقصر محلّة في جنوب مكّة . يستحبّ للحاجّ الذي يريد الخروج من مكّة بعد أداء مناسك الحجّ أن يخرج من ثنيّتها ، كما أنّ كَداء بفتح الكاف والمدّ محلّة في شمال مكّة ، يستحبّ للحاجّ أن يدخل من ثنيّتها قبل وروده مكّة . والمَسْفَلَة بمعنى الأسفل ، أي : أسفل محلّ في مقابل المَعْلاة بمعنى الأعلى ، أي أعلى محلّ . ولذلك قيل لمقبرة أبي طالب الواقعة في شمال مكّة (القديمة) : المَعْلَى .
20) الآية 29 ، من السورة 48 : الفتح . وتتمّة الآية : ذَ لِكَ مَثَلُهُمْ فِى التّوْرَبةِ وَمَثَلُهُمْ فِى الْإِنْجِيلِ كَزرَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَْهُ فََازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللَهُ الّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصّلِحَتِ مِنْهُمْ مّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا .
21) الشطر الثاني من الآية 10 ، من السورة 59 : الحشر . وصدر الآية هو : وَالّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ .
22) روى شيخ الإسلام الحَمّوئيّ في «فرائد السمطين» ج 1 ، ص 97 ، الباب 18 عن قدوة الحكماء الراسخين : نصير الدين محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسيّ بسندين : الأوّلعن الإمام برهان الدين محمّد بن محمّد الحمدانيّ القزوينيّ ، والآخر عن خاله : الإمام نور الدين عليّ بن محمّد الشعبيّ ، وكل منهما روى بسلسلة سنده المتّصل عن عبّاد بن عبد الله ، عن سلمان الفارسيّ ، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : أَعْلَمُ أُمّتِي مِنْ بَعْدِي عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ .
وذكره الخوارزميّ في مناقبه ، الطبعة الحجريّة ، ص 49 ، وفي الطبعة الحديثة ، ص 40 ؛ وكذلك في «مقتل الحسين عليه السلام» ج 1 ، ص . 40
23) روى الحاكم في «المستدرك» ج 3 ، ص 35 بسنده المتّصل عن علقمة بن عبد الله أنّه قال : كنّا نتحدّث أنّ أقضى أهل المدينة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه . وقال بعد ذلك : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولكنّهما لم يُخرجاه .
24) قال في «تهذيب التهذيب» ج 11 ، ص 214 : أبو حيّان التّيْميّ ، يحيى بن سعيد بن حيّان الكوفيّ .
25) الآية 61 ، من السورة 3 : آل عمران : فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالُوا نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لّعْنَةَ اللَهِ عَلَى الْكَذِبِينَ .
تتحدّث هذه الآية عن مباهلة رسول الله نصارى نجران الذين كانوا يقولون : عيسى ابن الله . فوعدهم الرسول الأكرم بالمباهلة والملاعنة . وخرج مع أخصّ خواصّه ، أعني : أمير المؤمنين ، وفاطمة الزهراء ، والحسنين عليهم السلام للمباهلة فخاف النصارى ولم يباهلوا . والشاهد في هذه الآية أنّ الله تعالى جعل أمير المؤمنين نفس رسول الله .
26) المحاسن والمساوئ» للبيهقيّ ، ج 1 ، ص 63 و . 64
27) المحاسن والمساوئ» للبيهقيّ ، ج 1 ، ص . 70
28) يقول : «ابحث عن مدينة العلم ، ثمّ يمّمها ، فإلى متى تبقى خلف الباب كحلقة الباب ؟
ولمّا كنت تعلم أنّ عليّاً هو باب مدينة العلم ، فلا يحسُن أن يكون غيره أميراً ورئيساً» .
29) جاء في النسخة المطبوعة كالآتي : *كار عاقل نيست در دل مهر دلبر داشتن* فصحّحتها بما ورد أعلاه .
وترجمة البيت : «ليس من عمل العاقل أن يتعلّق قلبه بمعشوق وسيم ويجعل روحه فصّاً في خاتم محبّة غصن لا ثمر فيه . أي : ينبغي أن يجعلها في خاتم محبّة غصن مثمر ، والغصن المثمر هنا هو المعشوق الوسيم .
30) يقول : «مادام قلبك يحبّ عيسى ابن مريم ، فأنّى يستساغ له أن يتعلّق بحافر كلّ حمار ؟
ومادام يوسف جالساً معك في مجلس ، فمن المستقبح أن تنظر عينك إلى نقش النار .
ومادام محمّد المصطفى جالساً ، فكيف يجيز العقل أن يصبح القلب أسيراً لسيرة أبي جهل الكافر ؟
البحر مليء بالسفن وكلّها تعيش في دوّامة الخوف ، وما لم تكن فيه سفينة نوح فلا يمكن التطلّع إلى العبور .
إذا أردتَ إنقاذ دينك وروحك ، فإلى متى تبقى كالدائرة بلا رأس ولا قدم ؟
أنا أدلّك على دار السلامة والراحة لنوح النبيّ ، فانقذ نفسك من الشرّ والبلاء ما استطعت إلى ذلك سبيلاً» .
31) يقول : «ابحث عن مدينة العلم ، ثمّ يمّمها ، فإلى متى تبقى خلف الباب كحلقة الباب ؟
لمّا كنت تعلم أنّ عليّاً هو باب مدينة العلم ، فلا يحسُن أن يكون غيره أميراً ورئيساً .
متى يستحسن إجلاس الشيطان مكان القاضي الأكبر بالتشويش ، والجلبة ، والتحايل في الدين ؟
كيف لعقلك الأعمى يستحسن منك أن تجعل الأوساخ والقاذورات مستأهلَهُ للتسنيم والكوثر .
أنا لا أستجمل ـ من وحي اعتقادي ـ سلب الزهراء حقّها وادّعاء التديّن بدين أبيها .
كفرتُ بمن يدّعي نفسه أميراً على حيدر ، وهو لا يساوي نعل قنبر» .
32) يقول : «مادام عليّ متصدّراً الملك كسليمان ، فمن القبح أن يضع عفريت الجنّ التاج على رأسه .
إنّ الخضر الميمون هو دليل الأُمّة ومرشدها كقلم القصب وقد شحذ عزمه لخدمة الرعيّة ، فالجاهليّ هو الذي اتّخذ الحمار الأعرج قائداً له مع وجود الخضر .
إذا أردتَ أن يكون حبّك مقبولاً كختمك ، فعليك أن تجعل حبّ عليّ كحبّك لنفسك .
لمّا كان عليّ هو الذي غرس شجرة الدين في بستان الشريعة ، فمن المستقبح أن يكون البستانيّ غيره .
لم يبق من أحمد المرسل إلّا كتاب الله والعترة ، تذكاراً منه إلى يوم المحشر .
إذا استثنينا محمّداً المصطفى ، فلا يجرأ أحد على إصلاح عالم الدين إلّا عليّ المرتضى ».
33) ـ يقول : «كيف تستسيغ أن يكون المحراب والمنبر لغير عليّ وعترته بعد الحبيب المصطفى سلطان الدين ؟
أنت لا تحظى بالجنان الثمان إلّا بحبّ حيدر الكرّار وابنيه شبّر وشبيّر (الحسن والحسين) .
إذا اعتبرتَ نفسك مؤمناً ، فعليك أن تخلص دينك للّه على مذهب جعفر الصادق عليه السلام أو تختم دين الإمام الصادق بختم الذهب الجعفريّ .
تحرّر يا سنائى من القيود ، فليس جميلاً أن تكون المربّية أحرص على الرضيع من أُمّه .
أطع آل ياسين بروحك إلى يوم الحشر ، ولا ينبغي لك أن تأتي بوجه أصفر كالكافرين .
وزيّن ديوانك بهذه المناقب ، كما تتزيّن العرائس بحليّها» .
نقلنا هنا خمسة وعشرين بيتاً من هذه القصيدة ، وهي موجودة في ديوان الشاعر كاملة ، ص 250 إلى 252 ، طبعة مطبعة أمير كبير . ويرى القاضي نور الله الشوشتريّ في «مجالس المؤمنين» أنّه كان شيعيّاً إماميّاً اثني عشريّاً . وأشار عبد القادر بن ملوكشاه البدوانيّ في كتاب «منتخب التواريخ» إلى تشيّعه ومعاناته بسبب شدّة السلاطين الغزنويّين وتعصّبهم إلى العامّة .
وله كتاب «الحديقة» الذي عبّر فيه عن خالص ولائه وحبّه وإخلاصه لأهل البيت عترة الرسول الكريم . وقدح فيه معاصروه ، وتعرّض لغضب السلطان ، بخاصّة لقوله في البيتين الآتيين :
اى سنائى به قوّت ايمان
مدح حيدر بگو پس از عثمان
با مديحش مدائح مطلق
زهق الباطل است وجاء الحق
يقول : «امدح يا سنائيّ بقوّة الإيمان حيدر بعد عثمان .
والمديح بمدحه مطلق ، لقد زهق الباطل وجاء الحقّ» .
ولم يطيقوا منه هذا التعريض الصريح بعثمان . قيل : إنّه ولد سنة 463 أو سنة 473 ه ، وتوفّي سنة 525 ه أو 535 ه ، إذ يتحصّل من قرائن عديدة أنّ عمره بلغ اثنتين وستّين سنة . اسمه مجدود ، واسم أبيه آدم . فلهذا يُدعى : مجدود بن آدم ، وكنيته أبو المجد . وجاء في «تذكرة الشعراء» للأمير دولتشاه السمرقنديّ أنّه كان من علماء الدين ونبلاء العصر ؛ ولا يوصف الذوق الذي أتحفه الله جلّ جلاله به في مذهب التصوّف .
ويعدّ مولانا جلال الدين الروميّ نفسه من متابعي الشيخ السنائيّ ، على ما كان عليه من الكمال والفضل ؛ ويقول في ذلك :
عطّار روح بود و سنائى دو چشم او
ما از پى سنائى و عطّار آمديم
يقول : «كان العطّار روحاً والسنائيّ عيناه ، ونحن جئنا بعدهما» .
34) الآية 56 ، من السورة 30 : الروم .
35) المناقب» لابن شهرآشوب ، ج 1 ، ص 257 ، الطبعة الحجريّة .
36) الآية 43 ، من السورة 13 : الرعد ، وتحدّثنا بصورة وافية عن تفسير هذه الآية الكريمة في الجزء الرابع من كتابنا هذا ، في الدرسين الثاني والخمسين والثالث والخمسين .
37ـ38) «المناقب» ج 1 ، ص . 258
39) الآية 43 ، من السورة 13 : الرعد .
40) المناقب» ج 1 ، ص . 258
41) المناقب» ج 1 ، ص . 258
42ـ43ـ44ـ45) «المناقب» ج 1 ، ص 258 و . 259
46ـ47ـ48) «المناقب» ج 1 ، ص 258 و . 259
49) المناقب» ، ج 1 ، ص . 259
50) المناقب» ، ج 1 ، ص . 259
51) قال في التعليقة : قال المجلسيّ في بيان ما نقله في كتاب «بحار الأنوار» : العضيهة : البهتان والكذب . وهذا غريب . والمعروف في ذلك المعضلة . ثمّ ذكر قول الجزريّ في «النهاية» : ومنه حديث عمر : أعوذ بالله من كلّ معضلة ليس لها أبو الحسن عليه السلام ، إلى آخر كلامه فيها . ثمّ قال المعلّق : العضيهة هذه فعيلة من العضة بمعنى البهت وأصل اللفظ عضهة فحذفت الهاء كما حذفت من السنة ، كما ذكره في «النهاية» . وورد في حديث البيعة : لا يعضه بعضنا بعضاً ، أي : لا يرميه بالعضيهة ، وهي البهتان والكذب . ولم أظفر بغير الجزريّ يذكر استعمال هذا اللفظ على هذه الزنة حتّى الفيروزآباديّ ـ انتهىأقول : قال في «القاموس» : عَضَهَ على وزن مَنَعَ عَضْهاً : كَذِبَ .
52ـ53ـ54) «المناقب» ج 1 ، ص . 259
55) ذكر ابن عساكر هذا الحديث في «تاريخ دمشق» تاريخ أمير المؤمنين عليه السلام ، ج 3 ، ص 39 ، الحديث رقم . 1071
56) المناقب» لابن شهرآشوب ، ج 1 ، ص . 260
57) الآية 66 ، من السورة 18 : الكهف : قَالَ لَهُ مُوسَى : هَلْ أَتّبِعُكَ ـ الآية .
58) الآيتان 67 و 68 ، من السورة 18 : الكهف : قَالَ إِنّكَ لَن تَسْتَطِيعَ ـ الآية .
59) الآية 69 ، من السورة 18 : الكهف : قَالَ سَتَجِدُنِى ـ الآية .
60) الآيتان 70 و 71 ، من السورة 18 : الكهف . قَالَ فَإِنِ اتّبَعْتَنِى ـ الآية .
61) الآية 71 ، من السورة 18 : الكهف : قَالَ أَخْرَقْتَهَا ـ الآية .
62) الآية 72 ، من السورة 18 : الكهف : قَالَ أَلَمْ أَقُلْ ـ الآية .
63) الآية 73 ، من السورة 18 : الكهف : قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِى ـ الآية .
64) زَاكِيَةً بالألف بعد الزاي وتخفيف الياء . وهي قراءة نافع ، وابن كثير ، وأبي عمرو ، وأبي جعفر عليه السلام . أي طاهرة من الذنوب . وقرأها سائر القرّاء بتشديد الياء وبلا ألف . «إتحاف فضلاء البشر» ص . 293
65) الآية 74 ، من السورة 18 : الكهف .
66) الآية 75 ، من السورة 18 : الكهف : قَالَ أَلَمْ أَقَلّ لّكَ ـ الآية .
67) الآيتان 76 و 77 ، من السورة 18 : الكهف .
68) بقيّة الآية 77 والآية 78 ، من السورة 18 : الكهف : قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ـ الآية .
69) كانت أُمّ سلمة من أزواج رسول الله العظيمات العالمات المتديّنات ومن محبّي أهل البيت . ذكر صاحب «الإصابة» ترجمتها في كتابه المذكور ، ج 4 ، ص . 439 وننقل فيما يأتي كلامه موجزاً :
أُمّ سلمة بنت أبي أُميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم واسمها هند ، واسم أبيها حذيفة زاد الركب ، واسم أُمّها عاتكة . كانت في البداية تحت ابن عمّها أبي سلمة . ولمّا مات عنها ، تزوّجها النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم . إسلامها قديم . هاجرت مع زوجها أبي سلمة إلى الحبشة ، فرزقهما الله هناك ولداً باسم سلَمَة . ثمّ عادا إلى مكّة ، وهاجرا منها إلى المدينة ، وفيها رزقهما الله ثلاثة أولاد آخرين هم عمرو ، ودرّة ، وزينب . ولمّا توفّي زوجها ، تزوّجها رسول الله في شهر جمادى الآخرة سنة أربع أو ثلاث من الهجرة .
70) المحاسن والمساوئ» ، ج 1 ، ص 65 إلى . 68
71) يقول : «إن كان لابدّ من إمام من المشرق إلى المغرب ، فحسبنا عليّ وآله .
ذاع وصف سِنانه في هذه الدنيا ، ومرّ وصف أرغفته الثلاثة في عالم الآخرة .
إذ يكمن الإخلاص في سرّ عطائه ، وخُصّ بسبع عشرة آية لأرغفته الثلاثة» .
72) يقول : «ولو كان علمه بحراً مصوّراً ، لكان البحر الأخضر قطرة من قطراته .
ولمّا لم يُطِق منّة أحد ، أصبح أجيراً عند يهوديّ لعلوّ همّته .
وعندما سئل عن ذلك ، غَضِبَ ، وأخرج لسانه كالشمع وقال : لنقل الصخر ...» .
73) يقول : «يا من لم تر عين الأيّام جمالاً كجمالك ، ويا من لم يلد الزمان مثلك» .
74) يقول : «إنّ الغرام ليس من صفة الحكماء ، ولكنّ عيونك الناعسة تخلب قلب الحكيم فيغرم» .
75) يقول : «يا من تفوق القياس والخيال والظنّ والوهم ، وكلّ ما رأينا وسمعنا وقرأنا .
تمّ المجلس (مجلس بحثنا وكلامنا) وبلغ العمر آخره ، ونحن مازلنا حيارى في أوّل وصفك .»
76) أنشدهما ابن أبي الحديد في أمير المؤمنين عليه السلام .
77) يقول : «لو نوى ألف عدوّ هلاكي ، فلا بأس عَلَيّ منهم إذا كنتَ أنتَ وَليّي» .
78) يقول : «إنّ الأمل بوصالك يحييني ، وإلّا ففي كلّ لحظة من لحظات هجرانك هلاكي .
هيهات أن تغفو عيناي غفلة عنك ، ومعاذ الله أن يصبر قلبي على فراقك .
إذا جرحتني فهو أفضل لي من بلسم الآخرين ، وإذا سممتني فهو خير لي من ترياقهم .
إذا شممت رائحتك من النسيم نفساً نفساً فإنّي أشقّ ياقتي من الغمّ لحظة بعد أُخرى كالورد المتفتّح .
بضرب سيفك قتلى ... .
لو تلو العنان (لا تعرض عنّي) فلو ضربتني بالسيف ، فإنّي أُقدّم رأسي درعاً ، ولن أترك أهداب سرج جوادك .
أنّى للعين أن تراك كما أنت عليه ؟ وكلّ إنسان يفهمك ويدركك على مقدار علمه» .
79) يقول : «يُكَرّم حافظ في أعين الناس عندما يضع رأسه على تراب أعتابك خاضعاً مسلّماً .»
هذه الأبيات للشاعر حافظ الشيرازيّ في ديوانه ، ص 137 ، طبعة پژمان .