بِسْمِ اللَهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ
وصلّى اللهُ على محمّد وآله الطّاهرين
ولعنة اللَه على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين ولا حول ولا قوّة إلّا باللَه العليّ العظيم
قال الله الحكيم في كتابه الكريم :
الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنّ اللَهُ الّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنّ الْكَذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ السّيَِّاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ اللَهِ فَإِنّ أَجَلَ اللَهِ لَأَتٍ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَن جَهَدَ فَإِنّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ إِنّ اللَهَ لَغَنِىّ عَنِ الْعَلَمِينَ . (1)
وجاء في «نهج البلاغة» ضمن خطبة خاطب بها أهل البصرة ، أنّ رجلاً قام أمامه ، وقال : يا أمير المؤمنين ، أخبرنا عن الفتنة ! وهل سألتَ رسول الله صلّى الله عليه وآله عنها ؟ فقال عليه السلام : لَمّا أَنْزَلَ اللَهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ : «الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ» عَلِمْتُ أَنّ الفِتْنَةُ لَا تَنْزِلُ بِنَا وَرَسُولُ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَهِ ! مَا هَذِهِ الفِتْنَةُ الّتِي أَخْبَرَكَ اللَهُ تَعَالَى بِهَا ؟ فَقَالَ : يَا عَلِيّ ! إنّ أُمّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَهِ ! أَوَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي يَوْمَ أُحُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ وَحِيزَتْ عَنّي الشّهَادَةُ فَشَقّ ذَلِكَ عَلَيّ فَقُلْتَ لِي : أَبْشِرْ فَإنّ الشّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ ؟ فَقَالَ لِي : إنّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إذَاً ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَهِ ! لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصّبْرِ وَلَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ البُشْرَى وَالشّكْرِ فَقالَ : يَا عَلِيّ ! إنّ القَوْمَ لَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَيَمُنّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبّهِمْ وَيَتَمَنّونَ رَحْمَتَهُ وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ وَيَسْتَحِلّونَ حَرَامَهُ بِالشّبُهَاتِ الكَاذِبَةِ وَالأَهْواءِ السّاهِيَةِ ، فَيَسْتَحِلّونَ الخَمْرَ بِالنّبِيذِ وَالسّحْتَ بِالهَدِيّةِ وَالرّبَا بِالبَيْعِ . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَهِ ! بِأَيّ المَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ ؟ أَبِمَنْزِلَةِ رِدّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ ! فَقَالَ : بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ . (2)
وروى الشيخ الطبرسيّ عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ معنى يُفْتَنُونَ [هو أنّ الناس] يبتلون في أموالهم وأنفسهم .
وروى أيضاً عن العيّاشيّ بسنده عن الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام قال : جاء العبّاس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له : امش حتّى يبايع لك الناس . فقال [له أمير المؤمنين عليه السلام] : أوَ تراهم فاعلين ؟ قال : نعم . قال : فأين قوله عزّ وجلّ :
الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ... الآية . (3)
وروى الملّا محسن الفيض الكاشانيّ ، مضافاً إلى هذه الرواية ، ورواية «نهج البلاغة» عن رسول الله ، قال : لمّا نزلت هذه الآية قال : لابدّ من فتنة تبتلي بها الأُمّة بعد نبيّها ليتعيّن الصادق من الكاذب ، لأنّ الوحي قد انقطع ، وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة . (4)
ونقل السيّد هاشم البحرانيّ رضوان الله عليه في «غاية المرام» أربع روايات عن طريق العامّة ، وخمس روايات عن طريق الخاصّة : جاء عن رسول الله والأئمّة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في تفسير هذه الآية المباركة المذكورة أنّ الله يفتن الناس في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام واتّباعه . ومن هذه الروايات : عن ابن شهرآشوب ، عن أبي طالب الهرويّ بإسناده عن علقمة وأبي أيّوب أنّه فما نزل قوله:
الم * أَحَسِبَ النّاسُ [إلى آخر] الآيات ، قَالَ النّبِيّ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ لِعَمّارٍ : إنّهُ سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي هَنَاةٌ ، حَتّى يَخْتَلِفَ السّيْفُ فِيمَا بَيْنَهُمْ ، وَحَتّى يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً ، وَحَتّى يَتَبَرّأَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ . فَإذَا رَأَيْتَ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الأَصْلَعِ عَنْ يَمِينِي عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَإنْ سَلَكَ النّاسُ كُلّهُمْ وَادِيَاً فَاسْلُكْ وَادِيَ عَلِيّ ، وَحُلْ عَنِ النّاسِ .
يَا عَمّارُ ! إنّ عَلِيّاً لَا يَرُدّكَ عَنْ هُدَى ، وَلَا يَرُدّكَ إلَى رَدَى . يَا عَمّارُ ! طَاعَةُ عَلِيّ طَاعَتِي ، وَطَاعَتِي طَاعَةُ اللَهِ . (5)
ومنها عن طريق العامّة أيضاً في قوله تعالى : الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ، قَالَ عَلِيّ عَلَيهِ السّلَامُ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَهِ ! مَا هَذِهِ الفِتْنَةُ ؟ قَالَ يَا عَلِيّ ! بِكَ ، وإنّكَ المُخَاصَمُ ، فَأَعِدّ لِلْخَصُومَةِ ! وَقَالَ عَلِيّ عَلِيْهِ السّلَامُ «ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتبَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا» نَحْنُ أُولَئكَ . (6)
ومنها عن طريق الخاصّة ، عن عليّ بن إبراهيم في تفسيره قال : حدّثنى أبي عن محمّد بن الفضيل ، عن أبي الحسن [موسى بن جعفر] عليهما السلام قال : جاء العبّاس إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال : انطلق يبايع لك الناس . فقال له أمير المؤمنين عليه السلام : أتراهم فاعلين ؟ قال : نعم .
فقال [الإمام] : فأين قول الله:
الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ (أي : اخْتَبَرْنَاهُمْ) فَلَيَعْلَمَنّ اللَهُ الّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنّ الْكَذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ السّيَِّاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ اللَهِ فَإِنّ أَجَلَ اللَهِ لَأَتٍ ... ؟!
قال الله : من أحبّ لقاء الله ، جاءه الأجل ؛ ومن جاهد نفسه عن اللذات والشهوات والمعاصي ، فإنّما يجاهد لنفسه ؛ إنّ الله لغنيّ عن العالمين . (7)
ومنها عن محمّد بن العبّاس ، عن أحمد بن هُوذة ، عن إبراهيم بن إسحاق ، عن عبد الله بن حمّاد ، عن سماعة بن مهران ، قال : قَالَ (8) رَسُولُ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ : كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي المَسْجِدِ ، فَلَمّا كَانَ قُرْبُ الصّبْحِ ، دَخَلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السّلَامُ فَنَادَاهُ رَسُولُ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ فَقَالَ : يَا عَلِيّ ! قَالَ : لَبّيْكَ . قَالَ : هَلُمّ إلَيّ . فَلَمّا دَنَا مِنْهُ قَالَ : يَا عَلِيّ ! بِتّ اللّيْلَةَ حَيْثُ تَرَانِي ، فَقَدْ سَأَلْتُ رَبّي أَلْفَ حَاجَةٍ فَقَضَاهَا لِي ؛ وَسَأَلْتُ لَكَ رَبّي أَنْ يَجْمَعَ لَكَ أُمّتِي مِنْ بَعْدِي ؛ فَأَبَى عَلَيّ رَبّي ، فَقَالَ : الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . (9)
ومنها عن الحسين بن عليّ ، عن أبيه عليهما السلام ، قال : لَمّا نَزَلتْ : «الم * أَحَسِبَ النّاسُ» فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَهِ ! مَا هَذِهِ الفِتْنَةُ ؟ قَالَ : يَا عَلِيّ ! إنّكَ مُبْتَلَى وَمُبْتَلَى بِكَ ؛ وَإنّكَ مُخَاصَمٌ ، فَأَعِدّ لِلْخُصُومَةِ . (10)
ولمّا غصبت الخلافة من أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم تعرّض الناس لفتنة عظيمة ، وكانت حقّاً فتنة عظيمة ومليئة بالأخطار .
ونهضت ثلّة من الصحابة المناصرة لأمير المؤمنين عليه السلام وعددهم ليس قليلاً . كما نهضت ثلّة لمناصرة مناوئيه ، ودار نقاش كثير ؛ وبلغ الأمر أنّ عدداً من الصحابة الكبار ذهبوا إلى المسجد ، وناقشوا أبا بكر بحضور الناس ؛ فلم يحر جواباً ، ونزل من المنبر ، وذهب إلى داره . وكانت الفوضى تعمّ المدينة ثلاثة أيّام . إلى أن جلب عمر أبا بكر إلى المسجد . وانتدب عثمان ، والمغيرة بن شعبة ، ومُعاذاً ومع كلّ واحد منهم مسلّح ، لحماية أبي بكر ، فشهر هؤلاء سيوفهم متأهّبين للذبّ عن أبي بكر .
فلو نهض أمير المؤمنين عليه السلام ومعه المخلصون من الصحابة للمطالبة بحقّه ، وشهر سيفه لاسترجاع حقّه المغتصب ، فلا ريب أنّ الدماء ستراق من الطرفين ، وستثار الاضطرابات وأعمال الشغب في المدينة بمجرّد وفاة النبيّ ، وتبقى الاشتباكات حامية مدة طويلة ، ويستغلّ الكفّار والمشركون الفرصة وهم الذين كانوا يتربّصون الدوائر بالإسلام وأهله لإضعاف شوكة الدين ، وتتّسع شقّة الارتداد عن الدين إلى الجاهليّة الأُولى ، وبالتالي ، ينعى الإسلام ناعوه ، وتذهب جهود الرسول الأعظم أدراج الرياح .
فلهذا عمل أمير المؤمنين عليه السلام بوصيّة رسول الله ، إذ أوصاه أن لا يشهر سيفه إن لم يجد العدد الكافي من الناصرين له ، ولم يقدر على حسم الأُمور حالاً ، ورأى المدينة غارقة في الاضطراب والفوضى . فصبر صلوات الله عليه على تلك المصائب الفادحة صبراً عبّر عنه أنّه أَمَرّ مِنَ العَلْقَمِ ، (11) وذلك من أجل حفظ الإسلام ، وإلّا لو أُريقت الدماء ، وقُتِل القرّاء والصحابة الكبار في تلك الاشتباكات والصراعات ، لما كان هناك شيء يذكر ، ولما ظلّ للإسلام أثر في العالم إلّا ما يقال إنّه كان حدثاً تأريخيّاً جزئيّاً ظهر وزال وامّحى أثره .
ويمكننا حقّاً أن نتلمّس شجاعة أمير المؤمنين عليه السلام وشهامته وسخاءه وعقله وحزمه وإيثاره وعبوديّته الخالصة للّه في هذا اللون من الصبر والتحمّل ، ونفهم جيّداً أنّ هذا العمل أعظم وأضخم من ألف سيف كان يضرب به يوم بدر ، وأُحد ، والأحزاب ، وحُنين . وهذا هو مقام وليّ الله إذ آثر رضا محبوبه على هوى نفسه .
جاء في كتاب «بعض فضائح الروافض» ضمن بيان الفضيحة الخمسين ما نصّه : لو كان رسول الله نصّ على عليّ بالخلافة كما تزعم الشيعة ، لما غاب ذلك عن نساء النبيّ ، وابن عبّاس ، وأبي ذرّ ، وسلمان ، وعمّار ـ الذين يحتجّ بهم الرافضة ـ ولقالوا ذلك اليوم : ما خطبكم ؟! لقد نصّ رسول الله على عليّ بالخلافة ، وهذا كلامه . فلم تتنازعون في الخلافة ؟
كيف أخفوا ذلك النصّ مع ما عليه من الوضوح والإشراق ؟! وكيف خافوا كلّهم من أبي بكر وعمر ؟ وكيف نسوا قول الله ورسوله ، وحجبوا عين الشمس ؟ وكيف خافوا من ابن أبي قحافة التيميّ ، وابن الخطّاب ؟ وهل ما رآه أبو جعفر بن بابويه ، وأبو جعفر الطوسيّ الحيران ، وشيطان الطاق ، ويونس بن عبد الرحمن الرافضيّ بعد مضيّ خمسمائة سنة لم يره الصحابة الأطهار ؟ أو أنّهم رأوه ، وأخفوه ؟ وهل عجز عليّ ، والعبّاس وجميع بني هاشم من ذلك ؟ وشهدت أُمّ سلمة وآخرون عليه ؟! (12)
ونجد الجواب عن هذه الشبهة مفصّلاً في كتاب «نقض مثالب النواصب» لابن أبي الحسين بن أبي الفضل القزوينيّ الرازيّ الذي ردّ فيه على كتاب «فضائح الروافض» في نفس الفترة التي صدر فيها الكتاب المذكور ، وصاحبه كان لا يزال حيّاً . (13) ويضمّ الكتاب المشار إليه جميع هذه الأُمور والإشكالات التي حوتها كتب أهل السنّة ، وبخاصّة الحنابلة ، هي مثبّتة في المكتبات .
وننقل فيما يلي عبارات الكتاب نصّاً ، مع أنّي ترجمت بعض العبارات العربيّة الواردة في الكتاب إلى الفارسيّة لقرّاء الفارسيّة . أمّا سائر العبارات فأنقلها كما هي بدون أدنى تغيير .
ذكر صاحب الكتاب في البداية بعض الموضوعات ، إلى أن قال : ... والأخبار في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وولايته وفرض طاعته وقربته وقرابته وسخائه وفضله وجهاده وأُخوّته ومناقبه هي أكثر من أن يرويها سنّيّ أو حنفيّ أو شيعيّ . وهي لا تخفى ولا تبطل بقول خارجيّ أو ناصبيّ مبتدع حتّى لو كان عددهم مائة ألف . وعلى الطالب المتتبّع أن يبذل قصارى جهده ويصطبر فيذهب إلى مكتبات ساوة ، وهمدان ، وقزوين ، وإصفهان حيث لا يجد فيها رافضيّاً ، ويسمع من رواة السنّة الثقاة ، ليعلم أنّ هذه الأخبار ليست من مبتدعات أبي جعفر بن بابويه ، ولا من ذخائر أبي جعفر الطوسيّ . لعن الله أعداءهما ، وأعداء الشريف المرتضى والمفيدين مائة ألف مرّة .
والأخبار بالأسناد المذكورة مسطورة في كتب الأئمّة ، لا هي خرافات ، ولا تُرّهات ؛ رضي بها الأئمّة كلّهم ، وزكّاها أصحاب الحديث جميعهم ، ثكلت النواصب أُمّهاتهم . لا يختدمون عقولهم ، ويجهلون أنّ الإمامة تتعيّن بالنصّ . أفلا يقرأون القرآن إذ يحصر الإمامة بالمعصوم ؟ أفلا يلاحظون الأخبار التي تؤكّد على أنّ الإمام ينبغي أن يكون أعلم الأُمّة بأحكام الشريعة .
ونجيب على ما أثاره من شبهة تتمثّل بقوله : لمّا توفّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تحدّث الصحابة في الخلافة ؛ وذلك أظهر من الشمس ، ولو كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نصّ على عليّ بالخلافة ، فَلِمَ لَمْ ينكر الصحابة بيعة أبي بكر ، ولم يقولوا : الحقّ مع عليّ ، وقد نصّ رسول الله ، وهم كانوا حاضرين في المسجد يوم البيعة ؟ أيّ عمل هذا ؟! ونقول :
أوّلاً : يبيّن لنا هذا القائل مرّة أُخرى أنّه أعمى من غيره بالحساب ، وأجهل منه بأحوال يوم السقيفة . ولو علم بذلك لقال . ونحن نجيب عن هذه الشبهة بمقدار الضرورة . والحقيقة التي ننقلها من الكتب والآثار هي أوضح من الشمس . والروايات في ذلك متنوّعة . منها ما رواه بعض الثقات المعروفين عن عليّ بن جعفر الاهر مروانيّ ، قال : لمّا بويع أبو بكر في سقيفة بني ساعدة وفد عدد من المهاجرين والأنصار وكبراء أهل البيت على أمير المؤمنين عليه السلام ، وقالوا جميعهم : يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! تَرَكْتَ حَقّاً أَنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنْ هَذَا الرّجُلِ ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ نُنْزِلَهُ عَنْ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ .
واستأذنوه . ثمّ ذهبوا إلى المسجد ، وكان أبو بكر على المنبر . فقام المهاجرون في البداية على هذا النسق ، وتحدّثوا بحضور بضعة آلاف ، وأنكروا على أبي بكر بيعته .
وأوّل من قام وتكلّم هو خالد بن سَعيد بن العاص قال بصوت عال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على نبيّة المصطفى : يَا أَبَا بَكْرٍ ! اتّقِ اللَهَ وَانْظُرْ مَا تَقَدّمَ لِعَلِيّ مِنْ رَسُولِ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ : أَمَا عَلِمْتَ أَنّ النّبِيّ قَالَ لَنَا فِي يَوْمِ بَنِي قُرَيْظَةَ ـ وَقَدْ قَتَلَ عَلِيّ عِدّةً مِنْ رِجَالِهِمْ وَأُولِي النّجْدَةِ مِنْهُمْ ـ :
مَعَاشِرَ النّاسِ ! أُوصِيكُمْ بِوَصِيّةٍ فَاحْفَظُوهَا ، وَمُودِعٌ إلَيْكُمْ سِرّاً فَلَا تُضَيّعُوهُ : أَلَا وَإنّ عَلِيّاً إمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي ، وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ ، بِذَلِكَ أَوْصَانِي جَبْرَئِيلُ عَنْ رَبّي .
أَلَا وَإنْ لَمْ تَحْفَظُونِي فِيهِ ، وَتُوَازِرُوهُ وَتَنْصُرُوهُ اخْتَلَفْتُمْ فِي أَحْكَامِكُمْ ، وَاضْطَرَبَ عَلَيْكُمْ أَمْرُ دِينِكُمْ ، وَوَلِيَ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ ! أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ عَنْ رَبّي .
أَلَا وَإنّ أَهْلَ بَيْتِي هُمُ الوَارِثُونَ لِأَمْرِي ، وَالقَائِمُونَ بِأَمْرِ أُمّتِي . اللَهُمّ فَمَنْ أَطَاعَهُمْ مِنْ أُمّتِي وَحَفِظَ فِيهِمْ وَصِيّتِي [فَاحْشُرْهُمْ فِي زُمْرَتِي ، وَاجْعَلْ لَهْمْ نَصِيبَاً مِنْ مُرَافَقَتِي يُدْرِكُونَ بِهِ نُورَ الآخِرَةِ . اللَهُمّ وَمَنْ أَسَاءَ خِلَافَتِي فِي أَهْلِ بَيْتِي فَاحْرِمْهُ] الجَنّةَ الّتِي عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدّتْ لِلْمُتّقِينَ .
فالكلام الذي يتّسم بهذه النبرة والقوّة والبلاغة ، ويفهم تفسيره النابهون العارفون ، وهو منقول في ذلك التجمّع عن كلام مشفوع بالحجّة من كلام المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم ردّ على بيعة أبي بكر . فما ظنّك ؟ إنّ الخواجة الناصبيّ قلّما يقبل ما لا يتلاءم وذوقه . حتّى قام عمر بن الخطّاب ، وقال : اسْكُتْ يَا خَالِدُ ! فَلَسْتَ مِنْ أَهْلِ المَشُورَةِ . فأجابه خالد قائلاً : بَلِ اسْكُتْ أَنْتَ يَا بْنَ الخَطّابِ ، فَوَ اللَهِ مَا لَكَ فِي قُرَيْشٍ مُفْتَخَرٌ . فجلس عمر .
وقام بعده أبو ذرّ الغفاريّ
فحمد الله تعالى ، وأثنى على نبيّه المصطفى صلّى الله عليه وآله ، وقال : يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ ! قَدْ عَلِمْتُمْ وَعَلِمَ أَخْيَارُكُمْ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ قَالَ الأَمْرُ مِنْ بَعْدِي لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، ثُمّ لِلْحَسَنِ ، ثُمّ لِلْحُسَيْنِ ، ثُمّ لِلأَئِمّةِ مِنْ وُلْدِ الحُسَيْنِ فَتَرَكْتُمْ قَوْلَهُ ، وَنَبَذْتُمْ أَمْرَهُ وَوَصِيّتَهُ ؛ وَكَذَلِكَ تَرَكَتِ الأُمَمُ الّتِي كَفَرَتْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهَا فَغّرَتْ وَبَدّلَتْ ، فَحَاذَيْتُمُوهَا حَذْوَ النّعْلِ بِالنّعْلِ وَالقُذّةِ بِالقُذّةِ ، وَعَمّا قَلِيلٍ تَذُوقُونَ وَبَالَ أَمْرِكُمْ وَجَزَاءَ مَا قَدْ قَدّمَتْ أَيْدِيكُمْ ، وَأَنّ اللَهَ لَيْسَ ظَلّامَاً لِلعَبِيدِ .
ثمّ جلس . فما ظنّك ؟ هل هو كلام أبي جعفر ، أو كلام الشيخ المفيد ؟ لا هذا ولا ذاك ! بل هو كلام أبي ذرّ الصحابيّ المعروف . حتّى لا يقول الخواجة الناصبيّ : لِمَ لَمْ ينكروا ، ولم يقيموا الحجّة ؟ إنّ الخواجة أعمى وأصمّ .
وقام بعده سلمان الفارسيّ
وقال بعد أن حمد الله تعالى وأثنى على حبيبه المصطفى صلّى الله عليه وآله :
يَا أَبَا بَكْرٍ إلَى مَنْ تُسْنِدُ أَمْرَكَ إذَا نَزَلَ بِكَ القَضَاءُ ! وَإلَى مَنْ تَنْزَعُ إذَا سُئِلْتَ عَمّا لَا تَعْلَمُ [مَا عُذْرُكَ فِي التّقَدّمِ] وَفِي القَوْمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ ! وَأَقْرَبُ بِرَسُولِ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ قَرَابَةً مِنْكَ . قَدّمَهُ النّبِيّ فِي حَيَاتِهِ ، وَأَوْعَزَ إلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِهِ ، فَنَبَذْتُمْ قَوْلَهُ ، وَتَنَاسَيْتُمْ وَصِيّتَهُ ! فَعَمّا قَلِيلٍ يَصْفُرُ لَكَ الأَمْرُ وَقَدْ أَثْقَلْتَ ظَهْرَكَ بِالأَوْزَارِ ، وَحَمَلْتَ إلَى قَبْرِكَ مَا قَدّمَتْ يَدَاكَ ، فَإنّكَ سَمِعْتَ مَا سَمِعْنَا ، وَرَأَيْتَ مَا رَأَيْنَا ـ إلى آخره . (14)
بعد ذلك قام المقداد بن الأسود الكنديّ ، وقال :
يَا أَبَا بَكْرٍ ! إرْبَعْ عَلَى ظَلْعِكَ [وَقِسْ شِبْرَكَ (15) بِفِتْرِكَ] وَالْزَمْ بَيْتَكَ ! وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ ! وَارْدُدْ هَذَا الأَمْرَ[إلَى] مَنْ هُوَ أَحَقّ بِهِ مِنْكَ ! فَلَا تَغْتَرِرْ بِدُنْيَاكَ ! وَلَا تُغْرِرْكَ قُرَيْشٌ [وَغَيْرُهَا] فَعَمّا قَلَيلٍ تَضْمَحِلّ عَنْكَ دُنْيَاكَ ! وَتَصِيرُ إلَى آخِرَتِكَ ! وَقَدْ عَلِمْتَ أَنّ عَلِيّاً صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ ، فَأَعْطِهِ مَا جَعَلَهُ اللَهُ وَرَسُولُهُ لَهُ فَإنّ ذَلِكَ خَيْرٌ [لَكَ] فِي دُنْيَاكَ ، وَأَسْلَمُ لَكَ فِي آخِرَتِكَ !
وسكت . ثكلت النواصب أُمّهاتهم . فهذا كلام في غاية البلاغة ، زاخر بالنصيحة والموعظة ، وليس هو كلام رافضة ورامين [مدينة من مدن إيران] . فليعلم أنّ الحقّ بحمد الله ظاهر ، وكان بيّناً وظاهر ، والحجّة ثابتة ، وعليّاً عليه السلام هو الإمام .
وقام بعده بُرَيدَةُ الأَسْلَمِيّ رحمة الله عليه
وقال بعد حمد الله ، والثناء على نبيّه المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم :
يَا أَبَا بَكْرٍ أَنَسِيتَ أَمْ تَنَاسَيْتَ ؟! أَمَا عَلِمْتَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ أَمَرَنَا أنْ نُسَلّمَ عَلَى عَلِيّ بِإمْرَةِ المُؤْمِنِينَ فِي حَيَاتِهِ ، فَسَلّمْنَا عَلَيْهِ وَأَنْتَ مَعَنَا وَالنّبِيّ يَتَهَلّلُ وَجْهُهُ فَرَحَاً لِمَا يَدْرِي مِنْ طَاعَةِ أُمّتِهِ لِابْنِ عَمّهِ ؟ فَلَوْ عَمِلْتُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ لَكَانَ خَيْرَاً لَكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ ، وَقَدْ سَمِعْتَ مَا سَمِعْنَا ، وَرَأَيْتَ مَا رَأَيْنَا ، وَالسّلَامُ .
فليعلم النّاصِبيّ المُبْطِل أنّ هذا الكلام المشفوع بالحجّة ، المنطوق به أمام أبي بكر يوم البيعة ليس كلام رافضة ساري وإرَمْ ، لئلّا ينكره ، ويصحر بعداء عليّ المرتضى عليه السلام .
تلاه عمّار بن ياسر ، إذ قام
وقال بعد حمد الله وثنائه ، وتمجيد نبيّه المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم :
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ! قَدْ عَلِمْتُمْ أَنّ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيّكُمْ أَقْرَبُ بِرَسُولِ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ قَرَابَةً مِنْكُمْ ! فَرُدّوا هَذَا الأَمْرَ إلَى مَنْ هُوَ أَحَقّ بِهِ مِنْكُمْ ! وَلَا تَرْتَدّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ .
أظنّ أنّ كلاماً كهذا ليس كلام الحسكانيّ ، وأبي طالب بن بابويه ، قالاه بعد مضي خمسمائة سنة . بل هو كلام إنسان قاله في اليوم الأوّل الذي رقى فيه أبو بكر المنبر ؛ فالحقّ مع حيدر الكرّار .
وأعقبه قَيس بن سَعْد بن عُبَادة فقام
وقال ، بعد أن حمد الله ، وصلّى على الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم :
يَا أَبَا بَكْرٍ ! اتّقِ اللَهَ ، وَانْظُرْ مَا تَقَدّمَ لِعَلِيّ مِنْ رَسُولِ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ ! وَارْدُدْ هَذَا الأَمْرَ إلَى مَنْ هُوَ أَحَقّ بِهِ مِنْكَ ! وَلَا تَكُنْ أَوّلَ مَنْ عَصَى مُحَمّدَاً صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ ! وَارْدُدْ هَذَا الأَمْرَ إلَيْهِمْ ، تَخِفّ ذُنُوبُكَ ، وَتَقِلّ أَوْزَارُكَ ؛ وَتَلْقَى مُحَمّدَاً صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ وَهُوَ رَاضٍ عَنْكَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ وَهُوَ عَلَيْكَ سَاخِطٌ !
قال كلاماً مطوّلاً لم يحتمله المقام قطّ . وتفصيل ذلك كلّه حجّة ودلالة على إمامة المرتضى عليه السلام ، وإنكار بيعة غيره . أحسب أنّه ليس من [بنات أفكار] الغالين ، وشيطان الطاق ، ويونس بن عبد الرحمن . إنّه كلام المهاجرين والأنصار .
وقام بعده خُزَيْمَة بنَ ثَابِت ذو الشّهَادَتَين ، وقال :
مَعَاشِرَ النّاسِ ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنّ النّبِيّ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ قَبِلَ شَهَادَتَي وَحْدِي وَلَمْ تَزِدْ مَعِي غَيْرِي ؟ قَالُوا : بَلَى ، فَاشْهَدْ بِمَا تَشْهَدُ ! قَالَ : أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَهِ أَنّهُ قَالَ : أَهْلُ بَيْتِي كَالنّجُومِ ، فَقَدّمُوهُمْ ، فَإنّكُمْ إنْ قَدّمْتُمُوهُمْ [سَلَكُوا بِكُمْ طَرِيقَ الهُدَى ، وَإنْ تَقَدّمْتُمُوهُمْ] سَلَكْتُمْ طَرِيقَ الضّلَالَةِ . ثُمّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : عَلِيّ فِيكُمْ كَسَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكَبَهَا نَجَا ، وَمَنْ تَخَلّفَ عَنْهَا غَرِقَ . وَعَلِيّ فِيكُمْ كَهَارُونَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ [خَلّفْتُهُ عَلَيْكُمْ] كَمَا خَلّفَهُ مُوسَى عَلَى قَوْمِهِ وَمَضَى إلَى مُنَاجَاةِ رَبّهِ .
أظنّ أنّ الخواجة يقبل شهادة خُزَيْمة وإن كانت زوراً . بينما نقرأ أنّ القاضي حسن الاستراباديّ ما كان يقبل شهادة الشيعة . والحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم قاضي الدنيا والآخرة ، كان وحده يقبل شهادة خزيمة الشيعيّ ـ على رغم أنف الخواجة الناصبيّ ـ وعند ذاك تزول هذه الشبهة .
وقام بعده أُبَي بنُ كَعْب ، وقال :
مَعَاشِرَ النّاسِ ! إنّي لَأَعِظُكُمْ * بِمَا كَثِيرَاً مَا وَعَظَكُمْ بِهِ رَسُولُ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ وَلَا تَسْمَعُونَ مِنّي إلّا أَكْبَرَ مَا سَمِعْتُمْ مِنْ نَبِيّكُمْ (16) * اشْهَدُوا عَلَى أَنّي أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ أَنّي رَأَيْتُهُ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي هَذَا المَكَانِ وَكَفّ عَلِيّ فِي كَفّهِ وَهُوَ يَقُولُ : هَذَا إمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ ، فَقَدّمُوهُ وَلَا تُقَدّمُوهُ ! وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا . فَإنّكُمْ إنْ أَطَعْتُمُوهُ دَخَلْتُمُ الجَنّةِ ، وَإنْ عَصَيْتُمُوهُ دَخَلْتُمُ النّارَ !
فعلى الخواجة أن يعلم أنّ الصحابة لم يغفلوا عن كلام بليغ مبالغ فيه كهذا الكلام الدالّ على تعيين عليّ عليه السلام والإنكار على القوم .
وقام بعده سَهْل بن حُنَيْف الأنصاريّ ، وقال :
يَا مَعَاشِرَ النّاسِ ! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ يَقُولُ : عَلِيّ إمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِى وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ ، [بِذَلِكَ] أَوْصَانِي جَبْرَئِلُ عَنْ رَبّي . أَلَا إنّ عَلِيّاً هُوَ الذّائِدُ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَهُوَ قَسِيمُ النّارِ وَالجَنّةِ ؛ يُدْخِلُ الجَنّةَ مَنْ أَحَبّهُ وَتَوَلّاهُ ، وَيُدْخِلُ النّارَ مَنْ أَبْغَضَهُ وَقَلَاهُ .
تكلّم المهاجرون والأنصار بهذا الكلام الصائب البليغ على رؤوس الأشهاد [لإثبات إمامة] أمير المؤمنين عليه السلام وإنكار إمامة غيره ؛ حتّى يعلم الخواجة أنّ مذهب أهل البيت عليهم السلام عريق صائب في أعماق التأريخ ، وليس من مبتدعات الجَهْم بن صَفْوان ، ولا من وضع هذا وذاك ، ولا هو كمذهب الخوارج والنواصب .
وقام بعده أبو الهَيْثَم بنُ التّيّهان رحمة الله عليه وقال :
يَا مَعَاشِرَ النّاسِ ! اشْهَدُوا عَلَى أَنّي أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَه صَلّى اللَهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ أَنّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ .
ولمّا سمع الأنصار هذا الكلام من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قالوا : يريد بذلك الخلافة ؛ وقالت قريش : يريد الموالاة .
وحينما علم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك الخلاف ؛ خرج من الحجرة عند الصبح ، وأخذ بيد عليّ ، وقال : مَعَاشِرَ النّاسِ ! إنّ عَلِيّاً فِيكُمْ كَالسّمَاءِ السّابِعَةِ فِي السّمَاوَاتِ . وَعَلِيّ فِيكُمْ كَالشّمْسِ فِي الفَلَكِ ، بِهَا تَهْتَدِي النّجُومُ . وَعَلِيّ إمَامُكُمْ وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ ؛ بِذَلِكَ أَوْصَانِي جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ عَنْ رَبّي ؛ وَأَخَذَ اللَهُ مِثَاقَهُ عَلَى أَهْلِ السّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ مِنَ الجِنّ وَالإنْسِ وَالمَلَائِكَةِ ؛ فَمَنْ أَقَرّ بِهِ وَآمَنَ بِهِ كَانَ مُؤْمِنَاً [وَهُوَ] فِي الجَنّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ ؛ وَمَنْ أَنْكَرَهُ وَجَحَدَهُ كَانَ كَافِرَاً [وَهُوَ] فِي النّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ ... إلى آخره . هذا كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وناقله أبو الهَيْثَم ، إذ قاله بحضور أبي بكر ، وعمر ، وكافّة المهاجرين والأنصار . وفيه دلالة على تعيين عليّ عليه السلام بالنصّ وعلى إمامته . ولم يكن من مبتدعات رافضة قم وكاشان ؛ حتّى يعلم الخواجة أنّه كان نصّاً بيّناً جليّاً ، وليس عملاً مكتوماً مخفيّاً .
وقام بعده أبو أيّوب الأنصاريّ
وقال بعد أن حمد الله وأثنى على الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم : يَا مَعَاشِرَ النّاسِ ! أَقُولُ : اتّقُوا اللَهَ فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيّكُمْ فَلَا تَظْلِمُوهُمْ فَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا أَعَدّ اللَهُ لِلظّالِمِينَ [فَإنّهُ كَمَا قَالَ «إِنّآ أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِينَ] نَارًا أَحَاطَ بِهَا سُرَادِقُهَا» ؛ ثُمّ قَالَ : «إِنّ الّذِينَ [يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنّمَا] يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَونَ سَعِيرًا» .
ولمّا بلغ الكلام هذا الموضع ، ضجّ أهل المسجد بالبكاء والعويل ، وخرجوا من المسجد جميعهم على غرّة . وتسمّر أبو بكر على المنبر حائراً . وجاء أبو عُبَيدة بن الجرّاح ومعه جماعة فأخذ أبا بكر إلى البيت ، وماجت المدينة بالفتن والقلاقل ثلاثة أيّام . وفي اليوم الثالث جاء عثمان بن عفّان ، والمغيرة بن شعبة ، ومعاذ بن جبل ، ومع كلّ واحد منهم مائة رجل ، وشهروا سيوفهم متأهّبين للقتال . (17)
ولمّا كان مصنّف الكتاب يزعم أنّه عالم بالتأريخ ، فلا ينبغي له أن يغفل عن هذه الواقعة . وفي ذلك الحشد الغفير أخذ عمر بن الخطّاب بيد أبي بكر ، وأتى به إلى المسجد ، وهدّد تلك الثلّة التي تحدّثت أمس الأوّل وعرضت حججها الدامغة التي لا مراء فيها ، حتّى قام خَالِد بن سَعيد بن العاص مرّة أُخرى ، وقال : يَا عُمَرُ ! أَفَبِأَسْيَافِكُمْ تُهَدّدُونَا ؟ أَمْ بِجَمْعِكُمْ تُفَزّعُونَا ؟ وَاللَهِ لَوْلَا أَنّي أَعْلَمُ أنّ طَاعَةَ إمَامِي أَوْجَبُ مِنْ جِهَادِ عَدُوّي إذَاً لَضَرَبْتُكُمْ بِسَيْفِي هَذَا !
ثُمّ قال : إئْذَنْ لِي يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فِي جِهَادِ أَعْدَائِكَ !
بَيْدَ أنَ أمير المؤمنين عليه السلام لم يأذن له وأجلسه وهدّأه مراعاة للمصلحة ، وإبلاغاً للحجّة ، وخشية من أعداء الدين ، وخوفاً من خطر المشركين واليهود والمجوس والنصارى ، ولأنّهم كانوا قريبي عهد بوفاة الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم . واقتدى في عمله هذا بالأنبياء إذ صبروا منذ اليوم الأوّل الذي بدأوا فيه عملهم . ثمّ قام كلّ واحد من أُولئك العظام المشار إليهم ، وتحدّثوا بلهجة حادّة ، يطول بنا المقام في ذكر التفاصيل ، وإن كان كلّ ما قالوه حقّاً لا غبار عليه .
طلب أمير المؤمنين عليه السلام من الجميع أن يسكتوا . وطاعته واجبة عليهم ، فأطاعوه وجلسوا ساكتين . غير أنّهم كانوا قد قاموا بواجبهم في بيان حقّه في الخلافة بالدليل والحجّة . وهل يظنّ الخواجة أنّ هذا العمل قليل ، وأنّه مذهب مبتدَع ، وأنّ الحقّ يبطل بكلام شِرذمة من الخوارج والناصبين والمبتدعين والضالّين ؟
نحمد الله أنّ عليّ المرتضى عليه السلام لم يتّق ولم يداهن ، وكذلك العبّاس ، وصحابة أمير المؤمنين .
أوّلاً : انّ أوّل دليل على تعيين عليّ عليه السلام بالنصّ هو العقل . فالعقل يحكم بعدم خلوّ الزمان من إمام هادٍ مرشد بعد ثبوت التكليف ، واحتمال صدور الخطأ من المكلّفين .
ثانياً : القرآن هو الحجّة ، إذ نطقت الآيات القرآنيّة بتعيين عليّ .
ثالثاً : الأخبار المأثورة عن الحبيب المصطفى .
رابعاً : إجماع الشيعة المُحِقّة .
ولا يتسنّى لنا في هذا الكتاب أن نشرح جميع الأدلّة . وإنكار الإمام نفسه إمامة تلك الجماعة بيّن ظاهر ، على عكس ما يقوله الناصبيّ الأحمق .
أوّلاً : قوله في أوّل تلك الخطبة المعروفة : أَمَا وَاللَهِ لَقَدْ تَقَمّصَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَإنّهُ لَيَعْلَمُ أَنّ مَحَلّي مِنْهَا مَحَلّ القُطْبِ مِنَ الرّحَى . وقوله عندما جاء دور عمر : فَيَا عَجَبَاً بَيْنَا هُوَ يَسْتَقِيلُهَا فِي حَيَاتِهِ إذْ عَقَدَهَا لِآخَرَ بَعْدَ وَفَاتِهِ . وإنكاره ما قام به عمر من تعيين الشورى بقوله : جَعَلَهَا فِي جَمَاعَةٍ زَعَمَ أَنّي أَحَدُهُمْ ، فَيَا للّهِ وَلِلشّورَى . وقوله في عثمان : إلَى أَنْ قَامَ ثَالِثُ القَوْمِ نَافِجَاً حِضْنَيْهِ ... إلى آخر الخطبة .
فهذا كلّه دليل على تعيينه هو بالذات ، وعلى إنكار ما اختاره القوم لأنفسهم .
فما ظنّك هل الحلّاج والمشّاط كانا يران ويعلمان ـ بعد تصرّم خمسمائة سنة ـ ؟ أمّا عليّ عليه السلام ، والعبّاس ، وسلمان ، وأبو ذرّ ، والمهاجرون ، والأنصار ، فلم يستطيعوا الرؤية والعلم ؟ [بل العقلاء يحكمون عكس ذلك] ولم يروا أنّ كلّ إجماع يخالف عليّ المرتضى عليه السلام خطأ وتجاوز . وكلّ اتّفاق يخالف الحسن والحسين باطل ، وكلّ حجّة تقام ضدّ سلمان ، وأبي ذرّ ، والمقداد ، وخزيمة ، وأبي أيّوب شبهات داحضة . أَلَا إنّ الحَقّ مَعَ عَلِيّ ، وَعلِيّ مَعَ الحَقّ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ .
هذا هو مذهب أهل الحقّ ، وهذا هو جواب المُشَبّه الخارجيّ . والإمام بعد المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم هو عليّ أمير المؤمنين عليه السلام بلا فصل ونزاع ، وهذا هو نصّ ربّ العالمين ، ونَفَس خير المرسلين [و] الحمد للّه ربّ العالمين . (18)
ولابدّ أن نعلم أنّ اعتراض المهاجرين والأنصار على أبي بكر في مسجد النبيّ ، وكلام كلّ واحد منهما على النسق الذي ذكرناه مع اختلاف في العبارات ، قد نقله ـ مضافاً إلى عبد الجليل القزوينيّ الذي تقدّم ذكر كلامه ـ عدد من أعاظم المذهب الجعفريّ الإماميّ وعلمائه في كتبهم مرويّاً عن طريق الشيعة والعامّة .
وأوّل هؤلاء هو الشيخ الجليل أبو جعفر : أحمد بن محمّد بن خالد بن عبد الله البرقيّ ، من (بَرق رود) التابعة لمدينة قم ، وكان من ثقاة المذهب ورؤسائه ، وهو كوفيّ الأصل . توفّي سنة 280 ه أو قبلها بستّ سنين . (19)
ذكر هذا الشيخ الجليل في كتابه الرجاليّ المعروف ب «رجال البرقيّ» أسماء الاثني عشر الذين أنكروا بيعة أبي بكر تحت عنوان : أسماء المنكرين على بيعة أبي بكر . وهم ستّة من المهاجرين ، وستّة من الأنصار .
أمّا المهاجرون ، فهم : خَالِد بن سَعِيد بن العاص من بني أُميّة ، وأبو ذَرّ الغِفَاريّ ، وسَلْمَان الفارسيّ ، والمِقْداد بن الأسْود ، وبُرَيْدَة الأسْلَمِيّ ، وعَمّار بن يَاسِر . وأمّا الأنصار ، فهم : خُزَيْمَة بن ثَابِت ، وسَهْل بن حُنَيْف ، وأبو الهَيْثَم بن التّيّهان ، وقَيْس بن سَعْد بن عُبَادَة الخَزْرَجِيّ ، وأُبَي بن كَعْب ، وأبو أيّوب الأنصاريّ . ثمّ يقول : ذهب هؤلاء إلى المسجد يوم الجمعة وتكلّموا واحداً واحداً ، وأبو بكر على المنبر واقف لخطبة الجمعة ، وأنكروا عليه خلافته ، وأيّدوا خلافة أمير المؤمنين عليه السلام ، وتحدّثوا عنها مفصّلين ومستدلّين على النحو الذي ذكرناه ، إلى أن انتهى كلام آخرهم ، وهو أبو أيّوب الأنصاريّ الذي قال : اتّقِ اللَهَ (20) وَرُدّوا الأَمْرَ إلَى أَهْلِ بَيْتِ نَبِيّكُمْ ؛ فَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا سَمِعْنَا ؛ إنّ القّائِمَ مَقَامَ نَبِيّنَا بعْدَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السّلَامُ ، وَإنّهُ لَا يُبَلّغُ عَنْهُ إلّا هُوَ ، وََلَا يَنْصَحُ لِأُمّتِهِ غَيْرُهُ .
فنزل أبو بكر من المنبر . فلمّا كان يوم الجمعة المقبلة سلّ عمر سيفه وقال : لا أسمع رجلاً يقول مثل مقالته تلك إلّا ضربت عنقه ، ثمّ مضى هو وسالم مولى أبي حذيفة ، ومعاذ بن جبل ، وأبو عُبيدة شاهرين سيوفهم حتّى أخرجوا أبا بكر من الدار وأصعدوه المنبر . (21)
الثاني : الشيخ الجليل أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّيّ : هو الشيخ الصدوق المتوفّى سنة 381 ه . ذكر هذا الرجل العظيم في كتاب «الخصال» تلك الرواية عن ابن حفيد البرقيّ . قال : حدّثني عليّ بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ ، قال حدّثني أبي ، عن جدّي ، أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ ، قال حدّثني النهيكيّ ، عن أبي محمّد خَلَف بن سالم ، عن محمّد بن جعفر ، عن شُعْبة ، عن عثمان بن المُغيرة ، عن زَيْد بن وَهَب ، قال : الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة وتَقَدّمه على عليّ بن أبي طالب عليه السلام اثنا عشر من المهاجرين والأنصار . وساق الرواية على هذا النمط . إلّا أنّه ذكر اسم عَبْدَ اللَهِ بن مَسْعُود بدل قَيْس بن سَعْد بن عُبَادَة . (22)
الثالث : الشيخ الجليل : أبو منصور ، أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ ، وهو من أعاظم علماء المذهب الإماميّ . كان يعيش في أواسط القرن السادس الهجريّ ، لأنّه كان معاصراً لأبي الفتوح الرازيّ ، والفضل بن الحسن الطّبَرْسِيّ صاحب كتاب «مجمع البيان» المتوفّى سنة 548 ه . وكان محمّد بن عليّ بن شهرآشوب المتوفّى سنة 588 ه تلميذه .
ذكر هذه الرواية مفصّلاً في كتاب «الاحتجاج» في باب «ذكر طُرف مِمّا جَرَى بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم من الجاج والحجاج في أمر الخلافة» . ورواها عن أبان بن تغلب ، عن الإمام الصادق عليه السلام . وعندما عدّ أسماء الاثني عشر ، ذكر عثمان بن حُنَيف أخا سهل ، مع سهل بدل قَيْس بن سَعْد بن عُبَادة . (23)
الرابع : السيّد الجليل الشريف النقيب : رضيّ الدين أبو القاسم عليّ بن موسى بن طاووس الحسينيّ الحلّيّ المتوفّى سنة 664 ه ، المشهور بين العلماء : ابن طاووس .
يقول في كتاب «كَشْفُ اليَقِينِ فِي اخْتِصَاصِ مَوْلَانَا عَلِيّ بِإمْرَةِ المُؤْمِنِينَ» المسمّى «كتاب اليقين» (24) أيضاً : هذا الفصل في بيان ما نذكره عن أحمد بن محمّد القبريّ المعروف بالخليليّ من رواة العامّة ورجالهم فيما رواه من إنكار اثني عشر نفساً على أبي بكر بصريح مقالهم عقيب ولايته على المسلمين ؛ فيما ذكره بعض الصحابة بما عرف من رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّ عليّ [بن أبي طالب] أمير المؤمنين . ورواه أيضاً محمّد بن جرير الطبريّ صاحب كتاب «التاريخ» في كتاب «مناقب الأئمّة عليهم السلام» ويزيد بعضهم أشياء على ما ذكره الطبريّ .
[ثمّ قال] : اعلم أنّ هذا الحديث روته الشيعة متواترين ؛ ولولا كانت هذه الرواية برجال الشيعة ، ما نقلناه ؛ لأنّهم عند مخالفتهم [من العامّة] متّهمين ، ولكن نذكره حيث هو من طريقهم الذي يعتمدون عليه ودرك و [تبعة] ذلك على من رواه وصنّفه في كتابه . ثمّ قال : قال أحمد بن محمّد الطبريّ ما هذا لفّظه : خير الاثني عشر الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في مجلس رسول الله صلّى الله عليه وآله [وسلّم] : حدّثنا أبو الحسن بن عليّ بن النحّاس الكوفيّ العدل الأسديّ ؛ قال : حدّثنا أحمد بن أبي حسين العامِريّ ؛ قال : حدّثني عمّي أبو معمّر شُعبة بن خيثم الأسديّ : قال : حدّثني عثمان الأعْشَى ، عن زيد بن وَهَب . ثمّ نقل هذه القصّة إلى آخرها (25)
ونقل العلّامة المجلسيّ رضوان الله عليه إنكار الاثني عشر بالتفصيل على النحو المشار إليه ، وذلك عن ثلاثة كتب هي : «الخصال» ، و «الاحتجاج» ، و «كشف اليقين» . ثمّ انبرى إلى شرحه وتفسيره . (26)
وذكر المرحوم آية الله الشيخ عبد الله المامقانيّ في «تنقيح المقال» فصلاً تحت عنوان «إنكار الاثني عشر نفراً من المهاجرين والأنصار على أبي بكر» . ونقل فيه رواية «الخصال» عن «بحار الأنوار» للمجلسيّ . وأشار بعد ذلك إلى رواية «الاحتجاج» أيضاً . (27)
أجل ، فإنّ معارضة الخاصّة من صحابة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وشيعة أمير المؤمنين عليه السلام لخلافة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان أظهر من الشمس . وليس فيها موضع للشكّ كما جاء في التأريخ وكُتب السّيَر . وكان أتباع أهل البيت منذ البداية ينظرون إلى خلافة الخلفاء الثلاثة على أنّها غصب ، ويعتبرون الخلفاء غاصبين .
يقول عبد الله عنان المُحاميّ : وَكَانَ لِعَلَيّ حِزْبٌ يُنَادِي بِخِلَافَتِهِ عَقْبَ النّبِيّ مُبَاشَرَةً ، وَيَرَى أَنّهُ هُوَ وَبَنُوهُ أَحَقّ النّاسِ بِهَا . ويواصل حديثه عن هذا النوع ، إلى أن يقول :
وَمِنَ الخَطَأِ أَنْ يُقَالَ : إنّ الشّيعَةَ إنّمَا ظَهَرُوا لِأَوّلِ مَرّةٍ عِنْدَ انْشِقَاقِ الخَوَارِجِ ، وَإنّهُمْ سُمّوا كَذَلِكَ لِبَقَائِهِمْ إلَى جَانِبِ عَلِيّ . فَشِيعَةُ عَلِيّ ظَهَرُوا مُنْذُ وَفَاةِ النّبِيّ كَمَا قَدّمْنَا . (28)
وقال ابن خلدون : مَبْدَأُ دَوْلَةِ الشّيعَةِ : اعْلَمْ أَنّ مَبْدَأَ هَذِهِ الدّوْلَةِ أَنّ أَهْلَ البَيْتِ لَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلّمَ كَانُوا يَرَونَ أَنّهُمْ أَحَقّ بِالأَمْرِ ، وَأَنّ الخِلَافَةَ لِرِجَالِهِمْ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ .
إلى أن قال : وَفِي الصّحِيحِ أَيْضَاً أَنّ رَسُولَ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلّمَ قَالَ فِي مَرَضِهِ الّذِي تُوُفّيَ فِيهِ : هَلُمّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابَاً لَنْ تَضِلّوا بَعْدَهُ أَبَدَاً . فَاخْتَلَفُوا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ وَتَنَازَعُوا وَلَمْ يَتِمّ الكِتَابُ . وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ : الرّزِيَةُ كُلّ الرّزِيّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلّمَ وَبَيْنَ ذَلِكَ الكِتَابِ لِاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ . حتّى لَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الشّيعَةِ إلَى أَنّ النّبِيّ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلّمَ أَوْصَى فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ لِعَلِيٍ وَلَمْ يَصِحّ ذَلِكَ مِنْ وَجْهٍ يُعَوّلُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ أَنْكَرَتْ هَذِهِ الوَصِيّةَ عَائِشَةُ وَكَفَى بِإنْكَارِهَا . (29)
إلى أن قال : وَفِي قِصّةِ الشّورَى أَنّ جَمَاعَةً مِنَ الصّحَابَةِ كَانُوا يَتَشَيّعُونَ لِعَلِيٍ ، وَيَرَوْنَ اسْتِحْقَاقَهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَمّا عُدِلَ بِهِ إلَى سِوَاهُ تَأَفّفُوا مِنْ ذَلِكَ وَأَسِفُوا لَهُ ، مِثْلُ الزّبَيْرِ وَمَعَهُ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، وَالمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ وَغَيْرُهُمُ ، إلّا أَنّ القَوْمَ لِرُسُوخِ قَدَمِهِمْ فِي الدّينِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى الأُلْفَةِ لَمْ يَزِيدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى النّجْوَى بِالتّأَفّفِ وَالأَسَفِ . (30)
وقال المؤرّخ الجليل والرحّالة الكبير : أبو الحسن عليّ بن حسين المسعوديّ المتوفّى سنة 346 من الهجرة :
وَقَدْ كَانَ عَمّارٌ حِينَ بُويِعَ عُثْمَانُ ، بَلَغَهُ قَوْلُ أَبِي سُفْيَانَ : صَخْرَ بْنَ حَرْبٍ فِي دَارِ عُثْمَانَ ، عُقَيبَ الوَقْتِ الّذِي بُويِعَ فِيهِ عُثْمَانُ وَدَخَلَ دَارَهُ وَمَعَهُ بَنُو أُمَيّةَ ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : أَفِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِكُمْ ؟ ـ وَقَدْ كَانَ أَعْمَى ـ (31) قَالُوا : لَا ! قَالَ : يَا بَنِي أُمَيّةَ ! تَلَقّفُوهَا تَلَقّفَ الكُرَةِ ! فَوَ الّذِي يَحْلِفُ بِهِ أَبُو سُفْيَانَ مَا زِلْتُ أَرْجُوهَا لَكُمْ ، وَلَتَصِيرَنّ إلَى صِبْيَانِكُمْ وِرَاثَةً !فَانْتَهَرَهُ عُثْمَانُ وَساءَهُُ مَا قَالَ .
وَنَمَى هَذَا القَوْلُ إلَى المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ الكَلَامِ .
فَقَامَ عَمّارٌ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ! أَمَا إذَا صَرَفْتُمْ هَذَا الأَمْرَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيّكُمْ هَهُنَا مَرّةً وَهَهُنَا مَرّةً ، فَمَا أَنَا بِآمِنٍ مِنْ أَنْ يَنْزَعَهُ اللَهُ مِنْكُمْ ، فَيَضَعَهُ فِي غَيْرِكُمْ كَمَا نَزَعْتُمُوهُ مِنْ أَهْلِهِ وَوَضَعْتُمُوهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ !
وَقَامَ المِقْدَادُ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أُوذِيَ بِهِ أَهْلُ هَذَا البَيْتِ بَعْدَ نَبِيّهِم . فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ يَا مِقْدَادَ بْنَ عَمْرٍو ؟!
فَقَالَ : إنّي وَاللَهِ لَأُحِبّهُمْ لِحُبّ رَسُولِ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلّمَ إيّاهُمْ ؛ وَإنّ الحَقّ مَعَهُمْ وَفِيهِم . يَا عَبْدَ الرّحْمَنِ ! أَعْجَبُ مِنْ قُرَيْشٍ ـ وَإنّمَا تُطَوّلُهُمْ عَلَى النّاسِ بَفَضْلِ أَهْلِ هَذَا البَيْتِ ـ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى نَزْعِ سُلْطَانِ رَسُول اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلّمَ بَعْدَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ ! أَمَا وَأَيْمُ اللَهِ يَا عَبْدَ الرّحْمَنِ لَوْ أَجِدُ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْصَارَاً لَقَاتَلْتَهُمْ كَقِتَالِي إيّاهُمْ مَعَ النّبِيّ عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَالسّلَامُ يَوْمَ بَدْرٍ . وَجَرَى بَيْنَهُمْ مِنَ الكَلَامِ خَطْبٌ طَوِيلٌ قَدْ أَتَيْنَا عَلَى ذِكْرِهِ فِي كِتَابِنَا «أَخْبَار الزَمَانِ» (32) فِي أَخْبَارِ الشّورَى وَالدّارِ . (33)
وروى ابن عساكر بسنده المتّصل عن عمر بن عليّ بن الحسين ، عن عليّ بن الحسين ، قال : قَالَ مَرْوَانُ بْنُ الحَكَمِ : مَا كَانَ فِي القَوْمِ أَحَدٌ أَدْفَعَ عَنْ صَاحِبِنَا مِنْ صَاحِبِكُمْ ـ يَعْنِي عَلِيّاً عَنْ عُثْمَانَ ـ قَالَ : قُلْتُ لَهُ : فَمَا لَكُمْ تَسُبّونَهُ عَلَى المَنَابِرِ ؟! قَالَ : لَا يَسْتَقِيمُ الأَمْرُ إلّا بِذَلِكَ . (34)
قال أحمد أمين المصريّ : وَقَدْ بَدَأَ التّشَيّعُ مَنْ فِرْقَةٍ مِنَ الصّحَابَةِ كَانُوا مُخْلِصِينَ فِي حُبّهِمْ لِعلِيّ يَرَوْنَهُ أَحَقّ بِالخِلَافَةِ لِصِفَاتٍ رَأَوْهَا فِيهِ ؛ مِنْ أَشْهَرِهِمْ سَلْمَانُ الفَارِسيّ وَأَبُو ذَرّ الغِفَارِيّ وَالمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ . وَتَكَاثَرَتْ شِيعَتُهُ لَمّا نَقَمَ النّاسُ عَلَى عُثْمَانَ فِي السّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمّ لَمّا وَلِيَ الخِلَافَةَ . (35)
واعترض أُسامة بن زيد على خلافة أبي بكر ، وقال له في كتاب بعثه إليه : أنّى لك هذا المقام ؟
قال ابن أبي الحديد : لمّا مرض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مرض الموت ، دعا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَة ، فقال : سر إلى مقتل أبيك ، فأوطئهم الخيل ! فقد ولّيتك على هذا الجيش ؛ وإن أظفرك الله بالعدوّ ، فأقلل اللبث ! وبثّ العيون ! وقدّم الطلائع ! فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلّا كان في ذلك الجيش ؛ منهم أبو بكر وعمر .
فتكلّم القوم وقالوا : يستعمل هذا الغلام على جلّة المهاجرين والأنصار ! فغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا سمع ذلك ، وخرج عاصباً رأسه ، فصعد المنبر وعليه قطيفة .
فقال : أَيّهَا النّاسُ ! مَا مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأْمِيرِي أُسَامَةَ ، لَئِنْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أُسَامَةَ فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أَبَاهُ مِنْ قَبْلِهِ . وَأَيْمُ اللَهِ أَنْ كَانَ لَخَلِيقَاً بِالإمَارَةِ ، وَابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ بِهَا ، وَإنّهُمَا لَمِنْ أَحَبّ النّاسِ إلَيّ ! فَاسْتَوصُوا بِهِ خَيْرَاً فَإنّهُ مِنْ خِيَارِكُمْ .
ثمّ نزل ودخل بيته ، وجاء المسلمون يودّعون رسول الله ، ويمضون إلى عسكر أُسامة بالجُرْف .
وثقل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم واشتدّ ما يجده ، وهو لم يزل يؤكّد على التحاق أكابر قريش بجيش أُسامة ، وقال : اغْدُ عَلَى بَرَكَةِ اللَهِ ! وَجَعَلَ يَقُولُ : انْفُذُوا بَعْثَ أُسَامَةَ ! وَيُكَرّرُ ذَلِكَ ، فَوَدّعَ رَسُولَ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ وَخَرَجَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ . (36)
فقال أُسامة لرسول الله : بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ! أتأذن لي في المقام أيّاماً حتّى يشفيك الله ؟! فإنّي متى خرجت وأنت على هذه الحالة ، خرجت وفي قلبي منك قرحة !
فقال [رسول الله] : انفذ يا أُسامة لما أمرتك ؛ فإنّ القعود عن الجهاد لا يجب في حال من الأحوال . (37)
نجد هنا أنّ رسول الله أمر وجوه قريش وسراتهم ومستكبريهم كأبي بكر ، وعمر ، وأبي عبيدة الجرّاح ، والمغيرة بن شعبة ، وعثمان بن عفّان ، ومعاذ بن جبل ، وسائر الشخصيّات المعروفة من المهاجرين والأنصار أن يلتحقوا بجيش أُسامة بعدما ذكرهم بأسمائهم . وأمّا أمير المؤمنين عليه السلام فلم يشمله هذا الأمر ولم يكن في عداد الجيش بإجماع الفريقين وتواتر الأحاديث في التواريخ وكتب السير والتراجم ، ولم يأمره رسول الله بالخروج مع أُسامة .
وكان أُسامة من الذين اعترضوا على خلافة أبي بكر بقوله : أمّرني رسول الله عليك !
وقال الشيخ الجليل عبد الجليل القزوينيّ : ولمّا كتب أبو بكر بن أبي قحافة في أوّل خلافته كتاباً إلى أُسامة بن زيد ، وقال فيه : مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَهِ إلَى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَتِيقٍ ، أنكر عليه ذلك ، وكتب إليه الجواب التالي :
مِنَ الأَمِيرِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَتِيقٍ إلَي ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ : أَمّا بَعْدُ ، فَإذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَالْحَقْ بِمَكَانِكَ ، فَإنّ رَسُولَ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ بَعَثَنِي أَمِيرَاً وَبَعَثَكَ أَنْتَ وَصَاحِبَكَ فِي الخَيْلِ ؛ وَأَنَا أَمِيرٌ عَلَيْكُمَا أَمّرَنِي رَسُولُ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ . (38)
وجاء في «الاحتجاج» للطبرسيّ أنّ أبا بكر لمّا بويع بالخلافة كان أبوه أبو قحافة بالطائف . فكتب أبو بكر إلى أبيه كتاباً عنوانه : مِنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَهِ إلَى أَبِي قُحَافَةَ : أَمّا بَعْدُ ، فَإنّ النّاسَ قَدْ تَرَاضَوْا بِي ؛ فَإنّي اليَوْمَ خَلِيفَةُ اللَهِ ! فَلَو قَدِمْتَ عَلَيْنَا كَانَ أَقَرّ لِعَيْنِكَ !
فلمّا قرأ أبو قحافة الكتاب قال للرسول : ما منعكم من عليّ ؟! فقال الرسول : هو حدث السنّ ، وقد أكثر القتل في قريش وغيرها ، وأبو بكر أسنّ منه . فقال أبو قحافة : إن كان الأمر في ذلك بالسنّ ، فأنا أحقّ من أبي بكر . لقد ظلموا عليّاً حقّه ؛ وقد بايع له النبيّ وأمرنا ببيعته .
ثمّ كتب إليه : من أبي قُحافة إلى ابنه أبي بكر : أمّا بعد ، فقد أتاني كتابك ! فوجدته كتاب أحمق ينقض بعضه بعضاً . مرّة تقول : خليفة رسول الله ، ومرّة تقول : خليفة الله ، ومرّة تقول : تراضى بي الناس !
وهو أمر ملتبس ! فلا تدخلنّ في أمر يصعب عليك الخروج منه غداً ، ويكون عقباك منه إلى النار والندامة وملامة النفس اللوّامة لدى الحساب يوم القيامة . فإنّ للأُمور مداخل ومخارج ؛ وأنت تعرف من هو أولى بها منك ! فراقب الله كأنّك تراه ! ولا تدعنّ صاحبها ! فإنّ تركها اليوم أخفّ عليك وأسلم لك . (39)
ومن المناسب هنا أن نختم بحثنا برواية حول ولاية أمير المؤمنين عليه السلام . فقد روى الطبريّ حديثاً عن زياد بن مطرف ، قال :
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ يَقُولُ : مَنْ أَحَبّ أَنْ يَحْيَى حَيَاتِي ، وَيَمُوتَ ميتَتِي ، وَيَدْخُلَ الجَنّةَ الّتِي وَعَدَنِي رَبّي قَضْبَاً مِنْ قُضْبَانِهَا غَرَسَهَا فِي جَنّةِ الخُلْدِ ، فَلْيَتَوَلّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَذُرّيّتَهُ مِنْ بَعْدِهِ ، فَإنّهُمْ لَنْ يُخْرِجُوهُمْ مِنْ بَابِ هُدَىً ، وَلَنْ يُدْخِلُوهُمْ فِي بَابِ ضَلَالَةٍ . (40)
وذكره الحاكم في «المستدرك» بهذه العبارة : روى مطرف بن زياد ، عن زيد بن أرقم أنّه قال :
قَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ : مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَحْيَى حَيَاتِي وَيَمُوتَ مَوْتِي ، وَيَسْكُنَ جَنّةَ الخُلْدِ الّتِي وَعَدَنِي رَبّي ، فَلْيَتَوَلّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَإنّهُ لَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ هُدَىً ، ولَنْ يُدْخِلَكُمْ فِي ضَلَالَةٍ . (41)
تعليقات:
1) الآيات 1 إلى 6 ، من السورة 29 : العنكبوت .
2) نهج البلاغة» الخطبة . 154
3) تفسير مجمع البيان» ج 4 ، ص 272 ، طبعة صيدا .
4) تفسير الصافيّ» ج 1 ، ص 282 ، الطبعة الحجريّة .
5) غاية المرام» القسم الثاني ، ص 403 و 404 ،الحديث 3 و . 4
6) تفسير البرهان» ج 2 ، ص 802 ، الطبعة الحجريّة ؛ وفي «غاية المرام» : نَحْنُ أَوْلِيَاؤكَ ، وفيه تصحيف طبعاً .
7) غاية المرام» القسم الثاني ، ص 404 ، حديث 1 و 4 عن العامّة . والرواية الأُولى في «تفسير القمّيّ» ، ص . 494
8) جاءت هذه الرواية في «غاية المرام» ، و «تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة ج 2 ، ص 802 هكذا : قال رسول الله . ولا جرم أنّ فيها إسقاطاً ؛ وينبغي أن تكون هكذا : قال أبو عبد الله عليه السلام : أو قال أبو الحسن عليه السلام : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله ـ إلى آخره . لأنّ العبارة لا تصحّ في غير هذه الصورة . ولمّا كان سماعة بن مهران من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام ، فلهذا تستبين العبارة المسقطة ، وفيها اسم أحد هذين الإمامين العظيمين .
9) غاية المرام» القسم الثاني ، ص 404 ، الحديث الرابع عن العامّة . والرواية الأُولى موجودة في «تفسير القمّيّ» ص . 494
10) غاية المرام» القسم الثاني ، ص 404 ، حديث 5 عن العامّة .
11) جاء في معجم «دهخدا» [معجم فارسيّ] كتاب «ص» ، ص 132 أنّ الصبر بفتح الصاد وكسر الباء . ولا يجوز تسكين الباء إلّا في الضرورة الشعريّة . والصبر عصارة مرّة تستخرج من شجرة تعرف باللغة الهنديّة « ايلوا . أمّا ما يستبين من «القاموس» فهو أنّ شعراء العرب جوّزوا سكون الباء للضرورة . وحينئذٍ فليس من تصرّف الفرس عندما يقرأون الكلمة بسكون الباء .
12) كتاب «النقض» ص 652 و . 653
13) كما قال صاحب كتاب «النقض» نفسه وهو عبد الجليل بن أبي الحسين القزوينيّ ، قال في مقدّمة الكتاب : نقل هذا الكتاب عنه في شهر ربيع الأوّل سنة 556ه . ويبدو أنّه كان في تلك الأيّام (أي : كتاب «فضائح الروافض») . ويلوح أيضاً أنّ المرحوم القزوينيّ أجاب عنه في تلك الفترة نفسها ، وسمّى كتابه «بعض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض» .
14) بناء على رواية الطبرسيّ في «الاحتجاج» ج 1 ، ص 99 و 100 فإنّ سلمان لمّا قام للاحتجاج ، قال : فعلتم ولم تفعلوا ! وقد كان امتنع من البيعة قبل ذلك حتّى وُجئ عنقه ، ونحن ذكرنا في الدرس 110 إلى 115 من كتابنا هذا رواية عن سُلَيم بن قيس ، عن أمير المؤمنين عليه السلام حول وجوب الرجوع إلى الأعلم .
15) الشّبْرُ ما بين طرف الإبهام وطرف الخِنْصِر ممتدّين . والفِتْر مَا بين طرف الإبهام وطرف السبّابة إذا فُتحت اليد . ومعنى قوله : قِسْ شِبْرَكَ بِفِتْرِكَ ، انشغل بأُمورك ! ولا تتجاوز حدّك ! وفسّره المجلسيّ رضوان الله عليه : كما أنّ فترك لا يمكن أن يكون بقدر شبرك ، فكذا مراتب الرجال مختلفة بحسب القابليّة ، ولا يمكن للأدنى الترقّي إلى درجة الأعلى . («بحار الأنوار» ج 8 ، ص 43 طبعة كمباني الحجريّة) .
16) يقول مصحّح كتاب «النقض» والمعلّق عليه بالفارسيّة [وهو السيّد جلال الدين حسين أُرموي] طبعة سنة 1371 ه : العبارة الواقعة بين النجمتين هي في النسخة الموجودة كالآتي : «بأكثر وعظكم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ، ولا يسمعوا أُمّتي أكبر ما سمعتم من نبيّكم» .
17) وفقاً للرواية الواردة في «الاحتجاج» للشيخ الطبرسيّ ج 1 ، ص 104 ، فقد جاء خالد بن الوليد ومعه ألف رجل ، وسالم مولى أبي حُذيفة ومعه ألف رجل ، ومعاذ بن جبل ومعه ألف أيضاً ؛ فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتّى اجتمع أربعة آلاف رجل .
18) كتاب «النقض» المعروف ب «بَعْض مَثَالِبِ النّوَاصِبِ في نَقَض بَعْضِ فَضَائحِ الرّافِضَة» ص 654 إلى . 669
19) الذريعة إلى تصانيف الشيعة» للعلّامة الشيخ آقا بزرك الطهرانيّ ، ج 2 ، ص . 122 وهذا الرجل الجليل صاحب كتاب في الرجال ، وله كتاب «المحاسن» الذي يعتبر من الكتب الخاصّة بأُصول الشيعة . ولمّا كانت وفاة الكلينيّ سنة 328 أو 329 ه ، فلهذا يروي عنه الكلينيّ بالواسطة . وهو في الحقيقة من مشايخ مشايخ الكلينيّ .
20) قوله «اتّق الله» موجّه إلى أبي بكر ، وقوله : «ردّوا الأمر» موجّه إلى كافّة أقطاب السقيفة .
21) رجال البرقيّ» ص 63 إلى . 66 روي في هذا الحديث كلام المهاجرين والأنصار الاثني عشر عن طريق البديعيّ ، يُنظر ويلاحظ .
22) الخصال» للصدوق ، ص 461 إلى 465 ، طبعة مطبعة الحيدريّ ، باب الواحد إلى اثني عشر ، تحت عنوان : الذين أنكروا على أبي بكر جلوسه في الخلافة وتقدّمه على عليّ بن أبي طالب عليه السلام اثنا عشر .
23) الاحتجاج» ج 1 ، ص 97 إلى . 105
24) الذريعة» ج 18 ، ص 69 ، رقم . 720 وقال أيضاً ذُكر كتاب «كشف اليقين» لابن طاووس في تضاعيف «بحار الأنوار» وجعل رمزه «شَفْ» ولكنّ المجلسيّ ظنّ أنّ الكتاب للعلّامة الحلّيّ فنسبه إليه ، مع أنّ كتاب العلّامة : «كشف اليقين» المطبوع خالٍ من هذه الأحاديث المذكورة في «بحار الأنوار» . وللعلّامة الحلّيّ كتاب يُدعى : «كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين» مذكور تحت الرقم «127» في كتاب «الذريعة» .
25) بحار الأنوار» ج 8 ، ص 42 و 43 ، طبعة كمباني ، باب كيفيّة غَصْب لصوص الخلافة وأهل الجلافة .
26) بحار الأنوار» ج 8 ، ص 38 إلى . 44
27) تنقيح المقال» ج 1 ، ص 198 إلى 200 ، الفائدة الثانية عشرة .
28) تاريخ الجمعيّات السرّيّة والحركات الهدّامة» ، ص . 26
29) لا شكّ ولا شبهة في وصيّة رسول الله لأمير المؤمنين عليهما السلام في المرض الذي توفّي فيه . وذكرها الأعاظم والأعلام في كتب السير والتأريخ ، بَيدَ أنّ عائشة أنكرتها لِبُنُوّتِها أبا بكر ، وبغضها الشديد عليّاً عليهالسلام . وهذا الإنكار هو الذي دفع ابن خلدون السنّيّ ، الذي يثني على عائشة إلى حدّ التقديس ، أن يقول بعدم الوصيّة ، ويهمل الروايات والأحاديث الجمّة المأثورة عن أُمّ سلمة : الزوجة ذات الأُرومة الرفيعة ، وعن الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله ، وأهل البيت ، وغيرهم ، وهي لا تحصى .
30) تاريخ ابن خلدون» ج 3 ، ص 170 و . 171
31) أي : أنّ أبا سفيان أراد أن يتحدّث بحضور بني أُميّة لا غيرهم بحيث إنّ شخصاً واحداً من أنصار بني هاشم لا يحضر بينهم ، حتّى يبقى كلامه سرّيّاً ، ولا يُفصِح عنه ، ونحن نقلنا كلام أبي سفيان بعبارة أُخرى في الدرس 91 ـ 93 ، من دروس «معرفة الإمام» ج . 7
وروى ابن أبي الحديد في الجزء الثاني من «شرح نهج البلاغة» ص 44 عن أحمد بن عبد العزيز ، قال : إنّ أبا سفيان ، قال لمّا بويع عثمان : كان هذا الأمر في تَيْم ؛ وأنّى لتيم هذا الأمر ؟ ثمّ صار إلى إلى عديّ ، فأبعد وأبعد ؛ ثمّ رجعتْ إلى منازلها واستقرّ الأمر قراره ، فتلقّفوها تلقّف الكرة .
وروى عنه أيضاً في ص 45 : إنّ أبا سفيان قال لعثمان : بأبي أنت أنفق ولا تكن كأبي حجر ! وتداولوها يا بني أُميّة تداول الولدان الكرة ! فو الله ما من جنّة ولا نار . وكان الزبير حاضراً ، فقال عثمان لأبي سفيان أُعزُبْ ! فقال : يا بنيّ أههنا أحد ؟! قال الزبير : نعم والله لا كتمتها عليك !
يقول راوي هذه الرواية : المغيرة بن محمّد المهلّبيّ : عندما ذاكرت إسماعيل بن إسحاق القاضيبهذا الحديث ، قال : هذا باطل . قلت : وكيف ذلك ؟ قال : ما أنكر هذا من أبي سفيان ، ولكن أنكر أن يكون سمعه عثمان ، ولم يضرب عنقه . (أي : لو كان أبو سفيان قد قال ذلك ، لضرب عثمان عنقه) .
32) جاء في كتاب «كشف الظنون» ج 1 ، ص 27 ما نصّه : «أخبار الزمان ومن أباده الحَدَثان» : في التأريخ ، للإمام أبي الحسن عليّ بن محمّد بن الحسين (عليّ بن الحسين بن عليّ) المسعوديّ المتوفّى سنة 346 ه . وهو تأريخ كبير قدّم القول بهيئة الأرض ومدنها وجبالها وأنهارها ومعادنها وأخبار الأبنية العظيمة وشأن البدء وأصل النسل وانقسام الأقاليم وتباين الناس . ثمّ أتبع بأخبار الملوك الغابرة والأُمم الداثرة والقرون الخالية وأخبار الأنبياء . ثمّ ذكر الحوادث سنة سنة إلى وقت تأليف «مروج الذهب» سنة 332 ه . ثمّ أتبعه كتاب «الأوسط» فيه فجعله إجمال ما بسطه فيه ، ثمّ رأى اختصار ما وسطه في كتاب سمّاه «مروج الذهب» ورتّب أخبار الزمان على ثلاثين فنّاً .
33) مروج الذهب» ج 2 ، ص 342 و 343 ، طبعة دار الأندلس ، و ج 2 ، ص 351 و 352 ، طبعة مطبعة السعادة بمصر ، سنة 1367 ه .
34) تاريخ دمشق» ج 3 ، ص 98 ، ترجمة الإمام عليّ بن أبي طالب .
35) ضحى الإسلام» ، ج 3 ، ص . 209
36) شرح نهج البلاغة» ج 1 ، 159 و 160 ؛ و «الاحتجاج» للطبرسيّ ، ج 1 ، ص . 90
37) الاحتجاج» ج 1 ، ص 90 ، باب ما جرى بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله .
38) كتاب النقض» ص 32 ، وورد هذا الكتاب وجوابه في «الاحتجاج» للطبرسيّ ج 1 ، ص 114 بنحو أكثر تفصيلاً .
39) الاحتجاج» للطبرسيّ ، ج 1 ، ص . 115
40) مُنتَخَب ذَيْل المُذَيّل» ص . 57
41) مستدرك الحاكم» ج 3 ، ص . 128 وقال في آخر الحديث : هذا الحديث صحيح الإسناد بدون تخريج الشيخين .