الصفحة الاولى > سيرة الإمام علي عليه السلام‏ > من الهجرة الى وفاة النبي(ص) >
حجة الوداع و حديث الغدير

حجة الوداع و حديث الغدير

قال المفيد:لما قضى رسول الله (ص) نسكه و اشرك عليا في هديه قفل الى المدينة و هو معه و المسلمون حتى انتهى الى الموضع المعروف بغدير خم (و هو مكان قريب من الجحفة بناحية رابغ و ذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجة سنة عشرة من الهجرة) و ليس بموضع اذ ذاك يصلح للنزول لعدم الماء فيه و المرعى فنزل في الموضع و نزل المسلمون معه و كان سبب نزوله في هذا المكان نزول القرآن عليه بنصبه امير المؤمنين علي بن ابي طالب خليفة في الامة من بعده و قد كان تقدم الوحي اليه في ذلك من غير توقيت له فاخره لحضور وقت يأمن فيه الاختلاف منهم عليه و علم الله عز و جل انه ان تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس الى بلدانهم و اماكنهم و بواديهم فاراد ان يجمعهم لسماع النص على امير المؤمنين و تأكيد الحجة عليهم فيه فانزل الله عليه يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك يعني في استخلاف علي و النص بالامامة عليه و ان لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس فاكد الفرض عليه بذلك و خوفه من تأخير الامر و فيه و ضمن له العصمة و منع الناس منه فنزل بذلك المكان و نزل المسلمون حوله و كان يوما قائظا شديد الحر فامر بدوحات هناك فقم ما تحتها و امر بجمع الرحال و وضع بعضها فوق بعض ثم امر مناديه فنادى في الناس الصلاة جامعة فاجتمعوا من رحالهم و ان اكثرهم ليلف رداءه على قدميه من شدة الحر فلما اجتمعوا صعد على تلك الرحال حتى‏صار في ذروتها و اصعد عليا معه حتى قام عن يمينه ثم خطب الناس فحمد الله و اثنى عليه و وعظ فابلغ في الموعظة و نعى الى الامة نفسه و قال اني قد دعيت و يوشك ان اجيب و قد حان منى خفوق من بين اظهركم و انى مخلف فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا من بعدي كتاب الله و عترتي اهل بيتي فانهما لن يفترقا حتى يرد علي الحوض ثم نادى باعلى صوته الست اولى بكم منكم بانفسكم قالوا اللهم بلى فقال لهم على النسق و قد اخذ بضبعي امير المؤمنين عليه السلام فرفعهما حتى بان بياض ابطيهما (1) فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و انصر من نصره و اخذل من خذله ثم نزل فصلى ركعتين ثم زالت الشمس فصلى بهم صلاة الظهر و جلس في خيمته و امر عليا ان يجلس في خيمة له بازائه و امر المسلمين ان يدخلوا عليه فوجا فوجا فيهنئوه بالمقام و يسلموا عليه بامرة المؤمنين ففعل الناس ذلك كلهم ثم امر ازواجه و سائر نساء المؤمنين ممن معه ان يدخلن عليه و يسلمن عليه بامرة المؤمنين ففعلن و كان فيمن اطنب في تهنئته بالمقام و اظهر له المسرة عمر بن الخطاب و قال فيما قال بخ بخ لك يا علي اصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة و استأذن حسان بن ثابت رسول الله (ص) ان يقول في ذلك ما يرضاه الله فقال:

يناديهم يوم الغدير نبيهم‏ 
بخم و اسمع بالنبي مناديا

الابيات الستة المتقدمة في الجزء الثاني فقال له رسول الله (ص) لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك قال و انما اشترط في الدعاء له لعلمه بعاقبة امره في الخلاف و لو علم سلامته في مستقبل الاحوال لدعا له على الاطلاق.و مثل ذلك ما اشترط الله تعالى في مدح ازواج النبي (ص) فقال يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن و لم يجعلهن في ذلك حسبما جعل اهل بيت النبي حديث بذلوا قوتهم لليتيم و المسكين و الاسير فانزل الله سبحانه في علي و فاطمة و الحسن و الحسين و قد آثروا على انفسهم مع الخصاصة التي كانت بهم فقال تعالى و يطعمون الطعام على حبه مسكينا و يتيما و اسيرا انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء و لا شكورا انا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا فوقاهم الله شر ذلك اليوم و لقاهم نضرة و سرورا و جزاهم بما صبروا جنة و حريرا فقطع لهم بالجزاء و لم يشترط لهم كما اشترط لغيرهم لعلمه باختلاف الاحوال.

نزول اليوم اكملت لكم دينكم يوم الغدير

و استحباب صومه

في الدر المنثور للسيوطي:أخرج ابن مردويه و ابن عساكر بسند ضعيف عن أبي سعد الخدري قال لما نصب رسول الله«ص»عليا يوم غدير خم فنادى له بالولاية هبط جبرئيل عليه بهذه الآية اليوم اكملت لكم دينكم .و أخرج ابن مردويه و الخطيب و ابن عساكر بسند ضعيف عن أبي هريرة قال لما كان يوم غدير خم و هو ثمانية عشر من ذي الحجة قال النبي«ص»من كنت مولاه فعلي مولاه فانزل الله اليوم أكملت لكم دينكم «اه»و قال ابن كثير فاما الحديث الذي رواه ضمرة عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال لما أخذ رسول الله«ص»بيد علي قال من كنت مولاه فعلي مولاه فانزل الله عز و جل اليوم أكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي .قال أبو هريرة و هو يوم غدير خم من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا فانه حديث منكر جدا لمخالفته لما ثبت في الصحيحين ان هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة و كذا قوله ان صيامه يعدل صيام ستين شهرا لا يصح لانه قد ثبت ما معناه في الصحيح ان صيام شهر رمضان بعشرة اشهر فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا هذا باطل ثم نقل عن الذهبي انه قال هذا حديث منكر جدا و رواه حبشون الخلال و احمد بن عبد الله بن أحمد النيري و هما صدوقان عن علي بن سعيد الرملي عن ضمرة قال اي الذهبي و يروي هذا الحديث من حديث عمر ابن الخطاب و مالك بن الحويرث و انس بن مالك و أبي سعيد و غيرهم باسانيد واهية قال اي الذهبي و صدر الحديث متواتر اتيقن ان رسول الله قاله و ما اللهم وال من والاه فزيادة قوية الاسناد و اما هذا الصوم فلا و الله ما نزلت هذه الا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام و الله تعالى اعلم«اه»و نقول اما رد ابن كثير الحديث القائل بان اليوم أكملت لكم دينكم نزلت في يوم الغدير بمخالفته لرواية الصحيحين فالأحاديث انما ترد بمخالفتها لكتاب الله لا بمخالفة بعضها بعضا و ما في الصحيحين اخبار آحاد و ما يعارضها لعله ان يكون اقوى سندا منها و ان ظن انها أقوى سندا منه و تصحيح الاسانيد انما هو من أهل الجرح و التعديل الذين تدخل أقوالهم الاهواء و العصبيات و أهمها اختلاف المذاهب و تبنى على الظنون و الحدس و اما قوله انه ثبت في الصحيح ان صيام شهر رمضان بعشرة اشهر فكيف يكون صيام يوم‏واحد يعدل ستين شهرا فهو انكار لكرم الله تعالى و تبخيل لاكرم الاكرمين و هل يمنع العقل ان يعطي الله صائم يوم الغدير اجر من صام ستين شهرا و اكثر من أجر صائم شهر رمضان و لو كان شهر رمضان افضل و لو ان أميرا أعطى بعض رعيته ثوابا على معروف لم يعطه لبعض وزرائه هل يكون ملوما او فاعلا ما لا يحسن و اما حلف الذهبي بالله انه ما نزلت الآية الا يوم عرفة فتتوقف جرأته على ذلك على ان يكون حضر يوم عرفة و يوم الغدير.و الخبر القائل ان آية اليوم اكملت لكم دينكم نزلت يوم الغدير هو الموافق لروايات أئمة أهل البيت عليهم السلام باسانيدهم الصحيحة و يوشك ان يكون تضعيف سنده لعدم احتمال النفوس مضمونه و يكفي لصحته موافقته لروايات أهل البيت الصحيحة و قد اكثر شعراء الشيعة قديما و حديثا في ذكر غدير خم قال الكميت بن زيد الاسدي من ابيات:

و يوم الدوح دوح غدير خم‏ 
ابان له الولاية لو اطيعا 
و لكن الرجال تبايعوها 
فلم أر مثلها خطرا اضيعا

و قال السيد الحميري من قصيدة:

و اوجب يوما بالغدير ولاءه‏ 
على كل بر من فصيح و اعجم‏ 
لدى دوح خم آخذا بيمينه‏ 
ينادي مبينا باسمه لم يجمجم‏ 
اما و الذي يهوي الى ركن بيته‏ 
بشعث النواصي كل وجناء عيهم‏ 
يوافين بالركبان من كل بلدة 
لقد ضل يوم الدوح من لم يسلم

و قال السيد الحميري أيضا من قصيدة:

ثم اتته عزمة بتلة 
من ربه ليس لها مفزع‏ 
بلغ و الا لم تكن مبلغا 
و الله منهم عاصم يمنع‏ 
فقام للناس النبي الذي‏ 
كان بما قيل له يصدع‏ 
يخطب مأمورا و في كفه‏ 
كف علي لهم تلمع‏ 
رافعها اكرم بكف الذي‏ 
يرفع و الكف التي ترفع‏ 
من كنت مولاه فهذا له‏ 
مولى فلم يرضوا و لم يقنعوا

و قال السيد الحميري ايضا من قصيدة:

اوصى النبي له بخير وصية 
يوم الغدير بابين الافصاح‏ 
من كنت مولاه فهذا فاعلموا 
مولاه قول اشاعة و صراح

و قال السيد الحميري ايضا في القصيدة المذهبة:

و بخم اذ قال الاله بعزمة 
قم يا محمد في البرية فاخطب‏ 
و انصب أبا حسن لقومك انه‏ 
هاد و ما بلغت ان لم تنصب‏ 
فدعاه ثم دعاهم فأقامه‏ 
لهم فبين مصدق و مكذب‏ 
جعل الولاية بعده لمهذب‏ 
ما كان يجعلها لغير مهذب

و قال السيد الحميري أيضا:

و قال محمد بغدير خم‏ 
عن الرحمن ينطق باعتزام‏ 
الا من كنت مولاه فهذا 
أخي مولاه فاستمعوا كلامي

و قال السيد الحميري أيضا:

قام النبي يوم خم خاطبا 
بجانب الدوحات او حيالها 
فقال من كنت له مولى فذا 
مولاه رب اشهد مرارا قالها

و قال السيد الحميري أيضا:

و قام محمد بغدير خم‏ 
فنادى معلنا صوتا بديا 
الا من كنت مولاه فهذا 
له مولى و كان به حفيا 
الهى عاد من عادى عليا 
و كن لوليه مولى وليا

و قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي من قصيدة:

و يوم الغدير استوضح الحق اهله‏ 
بفيحاء لا فيها حجاب و لا ستر 
اقام رسول الله يدعوهم بها 
ليقربهم عرف و ينآهم نكر 
يمد بضبعيه و يعلم انه‏ 
ولي و مولاكم فهل لكم خبر

و قال الامير ابو فراس الحارث بن سعيد الحمداني في قصيدته الشافية:

قام النبي بها يوم الغدير لهم‏ 
و الله يشهد و الاملاك و الامم‏ 
حتى اذا اصبحت في غير صاحبها 
باتت تنازعها الذؤبان و الرخم‏ 
تالله ما جهل الاقوام موضعها 
لكنهم ستروا وجه الذي علموا

و قال المؤلف من قصيدة:

بيوم الغدير استوضح الحق و انجلى‏ 
و لم يبق بين الناس من دونه ستر 
به تمت النعمى و اكمل دينه‏ 
إله السما و المؤمنون به سروا 
دعاهم رسول الله فيه لبيعة 
هي الفوز و هي الذخر ما فوقه ذخر 
يقول له الرحمن بلغ رسالتي‏ 
اليهم و لا يمنعك خوف و لا حذر 
و ان انت لم تفعل فلست مبلغا 
رسالة رب بالعباد هو البر 
لك الله من شر البرية عاصم‏ 
و من كل من امسى و في صدره وغر 
و قد دعا من حج الوداع و جمعهم‏ 
كثير حقيق ان يضيق به البر 
فبادرهم من قبل ان يتفرقوا 
و منزلهم في ذلك المنزل الوعر 
اقام عليا جنبه فوق منبر 
من الصخر و الاحداج اذ ارضهم جمر 
تظلله الدوحات من حر شمسه‏ 
و تستره اوراق دوحاته الخضر 
يمد بضبعيه و ابطاهما بدا 
بياضهما كي يرفع الشك و النكر 
فقام خطيبا فيهم و مناديا 
نداء وعاه منهم العبد و الحر 
اما انا اولى منكم بنفوسكم‏ 
فقالوا بلى امر به نطق الذكر 
فقال الا من كنت مولاه فيكم‏ 
فهذا له مولى و حق له النصر 
بكم انا اولى و هو اولى بكم فما 
لكم بعد هذا في خلاف له عذر 
و هل رتبة تحوي الامامة تعتلي‏ 
على هذه ان صح من ناظر فكر 
و هل كان هذا الاهتمام لتافه‏ 
به فاه زيد ان هذا هو الهذر 
فقالوا بخ اصبحت مولى الورى و في‏ 
قلوبهم نكر و في قولهم ختر 
و افرده في خيمة و ببيعة 
له جاءهم من احمد المصطفى الامر 
فبايعه فيها الرجال مع النسا 
و ازواجه ما شاب بيعتهم سر 
و امسى امير المؤمنين عليهم‏ 
اطاعته فرض هي و عصيانه وزر 
بمدحته حسان قد قام معلنا 
بشعر يحاكي الدر او دونه الدر

تعليقة:

(1) لان كلا منهما كان في ازار و رداء كما هو عادة العرب في ذلك العصر في كثير من حالاتهم لا سيما في في حر الحجاز فلما اخذ النبي«ص»بعضدي علي و رفعهما ليراه الناس جميعا و يعرفوه توكيدا للحجة و مبالغة في التبليغ انحسر الرداء عن ابطيهما و بان بياض ابطيهما من تحت الرداء.ـالمؤلفـ

في رحاب ائمة اهل‏البيت(ع) ج 1 ص 283

السيد محسن الامين الحسيني العاملي